الرواية في أوجه اللون والحركة

حجم الخط
0

تنطوي الحرب على الكثير من الأسرار، في ضوء تقاليدها السائدة يُصبح الأمس تجربة حيّة، يشعر معها الفرد بالاغتراب، والغربة عن وطنه، وللحروب خلفيات، وتجارب تفتق الوعي، تنوعت فيها الأسباب، وأجمعت على الخسارة البشرية، تبدأ من مشهد التهجير والبحث عن الاستقرار وصدمة عدم استقرار الأنساق السياسية والأمنية، وتكاليف المعيشة المرتبطة بأزمة النقل والضرائب.
مشهد اليوم لحرب ذائعة الصيت في بلاد الثلج والقمح والغاز، يعيد للأذهان الحروب المصورة بالبث المباشر والمُسجل بالصوت والصورة، عبر الوسائل الإعلامية في حينه. واقع اليوم اختصر فيه الناقل البديل، مسافة الوقت والزمن والاَراء، بالسرعة المتدفقة والأسلاك المتوترة، في عالم المراسل والتلقي المدمج بالآخرين، للسياسة الذاهبة في كثير من الأحيان إلى مسألة الحرب، قبل التمهيد للحلول السياسية والتفاوض للسلم الحقيقي العادل، وهو الخيار إذ أُحسن توظيفه وفق المعيار الأخلاقي، من خلال البحث عن العدالة، (المفقودة)، لشريط البداية والنهاية، والمبتدأ والخبر، في عُلب نير الحروب الكثيرة والصغيرة، لماذا الحرب؟ صرخة الرواية التي أطلقت سؤال «كيف سقينا الفولاذ؟» وهل الفولاذ ماء المعارك والمخابز؟ لم يتوقف كاتب «عالم الأمس» في صفحاته المجروحة، لأوروبا القديمة، العائدة برغبة التحالفات المنظورة والمرتقبة، لاقتصاديات السوق، متلازمة السياسة وأشكال العولمة في النظريات الحديثة، وتلك جذور التطورات، التي تأخذ في مكان اَخر مساحة من تحليل النزعات وتاريخها، وفهم العمل بالنظرية الاجتماعية، وصولاً إلى استيعاب «نظرية الأنظمة» التي تحتم الوظيفة والدور لتوفير الحماية الاجتماعية، في مختلف الأوقات، تحديداً داخل مستطيل الأزمات، وأهمية إدراكها قبل فوات الأوان ووقوع الكارثة، كما وقوعها في « جغرافيات متحاربة».

في قول الكاتب الذي انتحر في البرازيل بعيداً عن موطنه الأصلى «في الحرب يُصبح الأجنبي عدواً» منتمياً لفضيلة الاستقرار قبل الرحيل الأخير، الذي شهد أنقي لحظات اليأس، إذ هي أصوات المدافع وقلق الترقب والانتظار، وما يعيشه الناس تحت مظلة الرصاص والقصف، وهوس الاحتمالات، الذي تجاوز طقس المناخ، إلى الغذاء والمسكن، وما يخرج عن التوقع، حين يتحوّل الفرد والاَخر، لإطار من العدائية، وفقدان الهوية الإنسانية، نتيجة لا يتمناها البشر، ولا منطق الطبيعة، مساورة درجات البرد بالحرارة، والبشرة والوجه، إلى ساحة الفضاء الاتصالي؛ بعد تناول الجمهور في قريته الكونية الواحدة، لمقاطع مٌصورة لمراسلي الأخبار، عن التميز الذي أصاب دائرة الجنس البشري ولونه، وكأنه يعود إلى «تاريخ الجنون»، إن واقع الأمر في الحرب الروسية الأوكرانية، وهي حرب الكل، ما يتعلق بمسألة الاتصال والإعلام، الذي هو جزء أساسي في السياسة وأنوعها، بلا شكّ، وهو ما أخذ ركيزة اهتمام يورغن هابرماس لترتيب الخطاب الثقافي داخل مسارات ديناميكية الوسيلة الاتصالية، وفق معايير تتبنى سياقات أخلاقية، للمدّ المعرفي واللغوي من خلال التوصيل والتواصل، وهي إشكاليات يكون من الضروري والمفيد، تناولها في الدراسات الإعلامية والعلوم الإنسانية عامة، والتربية الوطنية إذا أصبح الاستخدام للتقنيات والبرامج نمطا لأسلوب الحياة عند الأجيال في مواجهة التقلبات والأزمات المتلاحقة، وعلى مسافة واحدة، ما يدفعنا إلى التذكر، والخروج بطرح فكرة الإعادة، إلى سؤال جديد، لماذا علينا قراءة فرانز فانون، من خلال كتابه الأول «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» ناهيك من «معذبو الأرض» هو الربط ذاته الذي يجمع الإحساس النفسي عند الفرد حين يتحوّل بدخوله إلى متاهة الاغتراب ومطاردة الحرب، بعد التجربة الواقعية التي أدخلت فانون مختبر التأمل والتفسير والنقد المباشر الذي يطرد فكرة الاحتلال والاستعمار وكارثة الحروب، ما دفعه إلى الاعتزال السياسي بالاستقالة من منصبه، إلى التفرغ لقضايا «العلاج النفساني» في بلدة بليدة الجزائرية، لما تحملهٌ من معايشة مشاهد مأساوية، طاردت السكان تحت الاستعمار الفرنسي للجزائر.

يقول ديفيد كوت: في كتابه لسيرة فانون الفكرية «إنه كان يحث المفكرين على تبصير الرأي العام بشان ما تخلفه الحرب من اَثار مثل: كبح الحرية السياسية، وارتفاع الأسعار، وتزايد الضريبة، والتعصب الأناني، والتميز العنصري»، وفي إضافة جديدة على مرأى الكون: التطهير العرقي الذي تخلفه المعارك، وبالنظر لمشاهد اللجوء إلى الانتقال والهروب بالطائرات المدنية وأخرى سريّة، من بلد مستقر إلى العيش داخل استعمار اَخر على أساس الهوية الدينية، يُكرس الظلم الاستعماري، داخل الأوطان المسلوبة منذ سنوات تتلاحق فيها المأساة ويتجسد معها الاحتلال بقوى السياسة السلبية السالبة، التي تطمس الحقوق، وتصدر الضحية بالأنسنة الهادمة، وحفريات التقسيم والتذويب تحت الأرض، في فضاء يٌصبح بديلا عن الواقع، يبحث عن صياغة معادلة البديل «وهي الصياغة كلها حمقاء»، بالرجوع أو الوقوف على الحوار النادر المملوء بالطرح الفكري والنقدي الغزير، والشرح المتأصل لقضايا جغرافيا الاستعمار، بين إدوارد سعيد وإقبال أحمد، وقد ترجم المحاضرة عبد الرحيم الشيخ إلى اللغة العربية – مهمة للاطلاع بالمناسبة ـ يدخل إقبال وإدوارد، والاثنين في مجابهة ومجالدة التقسيم و» التجارب المستعصية للهيمنة» والتنبه من خلال الرؤية الواسعة بالإدراك الفعلي للتغيرات والفواعل السياسية، وما تُحدثه مع الوقت من محاولات المزج بين الإنسان و»الهوية» في قوالب الحروب، والحدود الجديدة لحقول باطن الصحراء والماء، عبر مجسمات وتصنيفات الدين والنوع والعرق، وهو الأخطر حركة مناظرة التاريخ وحياة الشعوب، إذ بدأ ذلك يضع متراس صراع القوة، وسباق النهايات، في سطر، والت ويتمان «فليخيم الصمت على المعسكرات اليوم، وأنتم أيها الجنود فلنغطِ أسلحتنا التي أنهكتها الحروب، ولينزوِ كل واحد بروحه المتفكرة، لقد انتهت بالنسبة لي صراعات الحياة العاصفة والفوز والهزيمة، ليس هناك بعدُ أحداث الزمن الكالحة التي تهاجم عبر السماء كالسحب المتعاقبة».
إن «عالم بلا خرائط» اليوم أصوات أجراسه تفتح بشراهة اللجوء إلى التهديد بالأسلحة المُحرمة على الكائنات والأرض والبشر، وكأن العالم عليه أن يبقى في بيت المتنبي «على قلق كأنّ الريح تحتي»، لكن مدارات الرياح لم تُعد يعرف لها جهة في زمن العواصف والقذائف، والنوافذ المحطمة، وهناك كتاب عالق يصرخ أوقفوا الحرب، قبل أن يكتب فصل جديد من « الحرب والسلام « ويحاصر ليو تولستوي في قبره، ويحاكم من يبحث عن جثث ضحايا الخراب في طريق الحرب…

كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية