يُعد فن الرواية فنّا أدبيّا من الفنون الراسخة في عمق التاريخ، بداية من الأدب المصري القديم، ونهاية بالأدب السردي المعاصر، على أننا ندرك أن مفهومه في الآداب القديمة والوسيطة، كان أقرب لفن الحكاية منه للرواية الفنية الحديثة، التي عرفها الأدب الأوروبي الحديث، بداية من عصر النهضة الأوروبي، كما عرفها أدبنا العربي الحديث منذ بدايات القرن العشرين حتى وقتنا الحالي. هذا ما يقوله مراد عبد الرحمن مبروك في كتابه «ما الرواية « الصادر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن إصدارات سلسلة ما، وفيه يرى أن هذا الفن كان ولا يزال سجلّا أدبيّا وتاريخيّا لتصوير الواقع الحياتي عربيّا وعالميّا.
مبروك الذي يدرك أن هذه السلسلة موجهة للشباب، يعلن هنا أنه حرص على أن يعالج موضوع الرواية بما يتوافق مع هذه الفئة المستهدفة، نظرا لكثرة الدراسات الروائية التي لا يجد فيها الشباب ضالته المنشودة، لكونها تتناول موضوع الرواية بطريقة أقرب إلى الترجمات الغامضة غير الدقيقة، منها للدرس النقدي السردي المتسم بالوضوح والإبانة والإفصاح، المعبر عن طبيعة التطور الروائي العربي. هنا آثر الكاتب أن يتحدث عن مفهوم الرواية ونشأتها وتطورها، ثم انتقل إلى الحديث عن اتجاهات الرواية وتياراتها، وعن أبعادها الوظيفية، مختتما حديثه هنا عن الرواية ومكوناتها السردية، متناولا التشكيل اللغوي وتشكيل الشخصية والحدث والتشكيل الزمكاني، ودور هذه التشكيلات في المكونات الروائية، مشيرا إلى أن مفاهيم الرواية قد تعددت، ورغم وضوحها على المستوى التطبيقي إلا أن مفهومها التنظيري ما زال غامضا ومضطربا، وقد عجزت دراسات نقدية عربية وغربية كثيرة عن تحديده، مُرْجعا هذا إلى تطور الرواية وتنوعها وفاعليتها واتجاهاتها واختلافاتها من معالجة لأخرى، وقد يرجع عدم التحديد الدقيق، حسب قول المؤلف، إلى فوضى المصطلح في النقد العربي عامة، والمصطلحات السردية خاصة.
تطور مفهوم الرواية
غير أن مبروك لا ينفي وجود بعض المفاهيم الأقرب للدقة حول تعريف الرواية في الدراسات الإنسانية عامة، والأدبية والنقدية خاصة، مشيرا إلى أنه في العصر الحديث، لاسيما في القرن العشرين، أخذ مفهوم الرواية يتطور تطورا تاريخيّا، ويقترن ببعدين يتماسان حينا وينفصلان في حين آخر، لدى بعض النقاد المحدثين، وهما البعد الشكلاني والبعد السيميائي، ولا يمكن عزل أحدهما عن الآخر لاقترانهما معا بمفاهيم الرواية، مؤكدا أن الرواية العربية تطورت عبر مراحلها المختلفة، مع نشأة الفن القصصي، فن المقامة، القصص المترجمة، القصص الموضوعة، والقصة التاريخية وما تلاها من مراحل أخرى، واتسمت في كل مرحلة بسمات المرحلة التي عايشتها الرواية، مضيفا أن الروايات التاريخية سيطرت على الرواية العربية، سواء في القرن التاسع عشر أو ما بين الحربين العالميتين، ذاكرا أن أهم الكتاب الذين استخدموها إطارا لفنهم هم، نجيب محفوظ، عبد الحميد جودة السحار، علي أحمد باكثير، محمد سعيد العريان، عادل كامل، وغيرهم، راصدا هنا أن المراحل التي مرت بها الرواية الغربية سارت على نهجها الرواية العربية، مع اختلافهما من حيث المعالجات الفنية والرؤية الفكرية والأدوات التعبيرية، قائلا، إن هذا يرجع إلى سبق الرواية الغربية للرواية العربية، وسبق الدرس النقدي الغربي للنقد العربي في مجال النقد الروائي، ولذلك جاء مفهوم الرواية العربية امتدادا للنقد الغربي.
هنا يُعدد مراد مبروك مراحل الرواية العربية بداية من المرحلة التقليدية، ثم المرحلة النوعية، فمرحلة الرواية الجديدة، التي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية، بعد أن صار كل ما هو سردي منبثقا من عباءة اللغة، متحدثا هنا عن دخول الرواية مرحلة جديدة في العقود الأخيرة، مع نهايات القرن العشرين، وانعكس هذا التطور على الشخصية الروائية التي تطورت على مستوى التشكيل والرؤية من خلال بعدين أولهما التجريب الشكلي وثانيهما التجريب الرقمي وهو يُعنى بالشكل التجريبي التفاعلي من خلال التأثر بالثورة الرقمية والمعلوماتية.
أبعاد الرواية
هنا أيضا يتحدث الكاتب عن أبعاد الرواية الوظيفية ذاكرا ما قاله بيومي الورقي، من أن الرواية تشكيل للحياة في بناء عضوي يتفق وروح الحياة ذاتها، ويعتمد هذا التشكيل على الحدث الذي يتشكل داخل إطار وجهة نظر الروائي، من خلال شخصيات متفاعلة مع الأحداث والوسط الذي تدور فيه الأحداث، على نحو يجسد في النهاية صراعا دراميّا، مضيفا أن هناك بعدا نفسيّا للرواية إلى جانب بعدها الاجتماعي، مثلما يقول كذلك، إن اللغة هي الوعاء الفكري للشخصية الروائية، تتبلور من خلالها رؤية الشخصية، أفكارها وسلوكها، حاجاتها، آمالها وآلامها، مبينا أن الرواية تطورت تطورا ديناميّا، عبر مراحلها التاريخية المتعاقبة، وواكبت خلالها المتغيرات الواقعية والحياتية، بشتى أنواعها الاجتماعية، السياسية، الحضارية، الثقافية، الاقتصادية وغيرها، وكانت بمثابة السجل التاريخي للواقع المعيش، ذاكرا أن للرواية أربعة اتجاهات: رومانسي، واقعي، رمزي وتجريبي.
من «ما الرواية» نعرف أن الرواية العربية في مفهومها قد اقتفت أثر الرواية الإنكليزية، بداية من أواخر القرن التاسع عشر، وأن النقد العربي لم يصل إلى مصطلح محدد لمفهوم الرواية، وأن هناك مفهوما تقليديّا، أو كلاسيكيّا للرواية يُعنى به السرد الحكائي النثري الذي يعتمد على الشخصية، الحدث واللغة، الزمان والمكان، السرد التمهيدي والحواري، الوصف والحبكة الفنية، ويعبر عن الواقع الاجتماعي، ونخرج منه كذلك بأن الرواية العربية تطورت تطورا ملحوظا خلال القرنين الأخيرين وتأثرت بالمراحل والاتجاهات التي مرت بها الرواية الإنكليزية بداية من الاتجاه الرومانسي ونهاية بالاتجاه التجريبي، وبينهما مرت بالاتجاهين الواقعي والرمزي، وأن الرواية تعبر عن قضايا الواقع المعيش وتناقض الواقع الاجتماعي.
كاتب مصري