خلال العشرين سنة الماضية جرت قراءات ودراسات عديدة لأعمال كبار الأدباء، نجيب محفوظ ويوسف إدريس وفتحي غانم وإحسان عبد القدوس ويحيى حقي وغيرهم، وحدث ما يشبه الاتفاق الضمني بين النقاد على أهمية المحتوى الأدبي والفكري، رغم اختلاف الرؤى النقدية، ولأن الروايات التي جرى تناولها بالنقد والتحليل وهي المرايا والأفيال والجبل والعنقاء، تقبل المزيد من التأويل والإضافة من حيث مستوى الوعي والفهم والإدراك ومنظور الرؤية الماضية والآنية، فقد جاءت اجتهادات أخرى استفادت كثيرا من الدراسات السابقة، وطرحت ما لديها في ضوء التصور الجديد للمعاني والإسقاطات ومصائر الشخصيات الواردة في روايات الكبار.
«الرواية في زمن مضطرب» عنوان لدراسة جديدة صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة للكاتب فهمي عبد السلام، الذي يعيد من خلالها قراءة الروايات المذكورة، ويجدد ما أثير حولها من جدل إبان صدورها، ولا يفوته أن يورد أجزاء منها للتدليل على العلاقة بين النص الروائي بشخوصه ومداراته ومعانية، والرؤية النقدية المُفسرة والشارحة له، مضيفا بذلك بعدا آخر يسهم بشكل كبير في اتساع مجال الرؤية والنظر، وربما بدت هذه الإمكانية في روايتي «البيضاء» ليوسف إدريس و«العنقاء» للويس عوض وتجلت في «مرايا» نجيب محفوظ، ووصلت إلى الذروة في روايته الآسرة «اللص والكلاب».
وكذلك «أفيال وجبل» فتحي غانم، فلم يكتف عبد السلام بما تُدلي به النصوص الأدبية من معان وإسقاطات سياسية، وإنما نراه يقتفي أثر الكتابة الدالة على صاحبها ويذهب بالقارئ لينبئه بظروف ومرجعيات وخلفيات الكاتب وقناعاته الفكرية والسياسية، ويعطف في سياق التحليل على ما يربط المؤلف بالنص الروائي وحدود صلته الشخصية به، فهو يؤمن بأن ثمة أصداء للسيرة الذاتية لا بد من وجودها داخل النص، وأن الكاتب حين يشرع في كتابة روايته يكون قد شرع في تسجيل ملامح من تجاربه الخاصة، مع التأكيد على براعة الدمج بين الواقعي والمتخيل وجلاء الموهبة التي تكشف عن الفروق الأساسية بين روائي وآخر، ولهذا نرى فهمي عبد السلام يعرج كثيرا على مواطن الاشتباك بين ثقافة الكاتب وحياته الشخصية، وإبداعه فيضيء جانبا مهما من سيرته وأفكاره، اعتمادا على ما ورد متواريا في النص الأدبي، فعلى سبيل المثال يكشف الميل السياسي من جانب نجيب محفوظ لحزب الوفد في أكثر من رواية، وكذلك يأخذ في التلميح إلى ما تضمنته رواية «العنقاء» من محاولة الكاتب لويس عوض خطب ود ثورة يوليو/تموز ورجالها على عكس الخصومة السياسية التي كانت بينهما، وهو ما أغضب الجماعة الشيوعية آن ذاك، من تراجع الكاتب الكبير خوفا من بطش السُلطة حسب تفسيرهم.
يستلهم الكاتب في دراسته، إرهاصات الخلاف الذي نشأ بين اليساريين السياسيين ويوسف إدريس على خلفية نقده لهم في رواية «البيضاء» موضحا تأثيرات الأدب في الحياة السياسية، وأصداء السياسة في النص الأدبي.
وأيضا يستلهم الكاتب فهمي عبد السلام في دراسته، «الرواية في زمن الاضطراب» إرهاصات الخلاف الذي نشأ بين اليساريين السياسيين ويوسف إدريس على خلفية نقده لهم في رواية «البيضاء» موضحا تأثيرات الأدب في الحياة السياسية، وأصداء السياسة في النص الأدبي، خاصة في الرواية، ولم تغب الخلفيات الاجتماعية والظروف المعيشية عن جوهر الإبداع، فها هي رواية «الجبل» لفتحي غانم وهي باكورة أعمالة تحكي بالتفصيل مأساة المجتمع المصري الجنوبي في أربعينيات القرن الماضي، نتيجة الحُلم بالثروة ومبادرة التنقيب عن الآثار في باطن الجبل، بحثا عن ذهب الفراعنة، وما ترتب على الحُلم المفقود من خيبة أمل وإحباطات متوالية أدت في نهاية المطاف إلى كوارث، وأودت بحياة العشرات من سكان الجبل البؤساء، الطامحين في الكنز الفرعوني!
ويتتبع الكاتب مصير الشخصيات في الروايات المختارة، ويعرض نماذج بشرية وفيرة من البؤس واليأس، ما بين قاتل ومقتول وخائن وعميل ومهزوم، وهي عينات قدمها أصحاب الروايات الأصليين في إطار النهايات المؤسفة للأبطال كحالات تراجيدية تأثيرية، تليق بمعطيات الأزمنة والمراحل في وقت كتابة الأعمال الأدبية المهمة، وشهادات الأدباء الكبار على عصر فائت عاشوا فيه والتقطوا منه دُرر إبداعهم، فصار خيالهم واقعا ملموسا ومحسوسا، ينضح بالحياة ويعج بالصراعات، ويقدم صورا فوتوغرافية من البكاء والضحك، يرمز إليها الكاتب في دراسته بمحنة الصحافي محمود السعدني في سجن الواحات، حيث يتم القبض عليه بتهمة الانضمام لتنظيم شيوعي، وهو البعيد كل البعد عن هذه الفكرة، والرافض للانتماءات الحزبية قاطبة، ولكنه إزاء هذه التهمه العبثية يقرر تأسيس حزب سياسي خاص به داخل السجن إمعانا في السخرية والتهكم يطلق عليه اسم «زمش»، محاكاة للتسميات السياسية للحركات السرية، وتشير حروفه إلى الوصف الساخر الذي يصف به السعدني حالته، «زي ما أنت شايف»، ويستقطب السجين الفكاهي العديد من الكوادر الفكرية والسياسية المعارضة داخل حزبه الكاريكاتيري، ليحول المأساة إلى ملهاة، وهنا تتبلور الفكرة الكلية في إضاءة مشوار الكاتب الساخر ومسيرته، وتبدو مهمة جمع وتحليل بعض النماذج الروائية في كتاب واحد مسألة معضلة وشاقة، لاسيما أنها خضعت لانتقاءات خاصة وافقت مزاج الكاتب ورؤيته المجتمعية والإنسانية تبعا للسياقات الروائية.
٭ كاتب من مصر