الرواية … من الحكاية إلى الفكرة

هل يمكن أن تبقى الرواية عبارة عن حكايةٍ لها فكرة أو عمود فقري تتوزّع على تفاصيله حبكة الفكرة وتفاصيلها؟ هل الرواية الآن العربية عموما والعراقية خصوصا، لم تزل كما يشير البعض إلى أنها روايةٌ لم تتخلّص من تبعيتها أو مكوثها الإجرائي، بعد كلّ التطوّر الذي نالها حتى سمّي العصر باسمها، وأنها صاحبة الكعب المعلّى على الأقل في العالم العربي بعد أن تربّع على عرش التلقّي الشعر لقرون عديدة.
الرواية لم تعد مجموعةٍ حكاياتٍ أو مجرّد حكايةٍ أمام هذه التطوّرات التي أوصلت النوع الأدبي بكلّ مسمياته إلى متغيراتٍ حقيقيةٍ أطلق عليها النقّاد والمفكّرون في حقولهم التجريبية العديد من الميتات التي لم تستقر على حال، حتى صارت ميتا ميتا ميتا سرد مع كلّ تطوّر فكري أو تطوّر كتابي، بل إن الرواية لم تعد تحكم بخاصيتها الحكائية أو قربها من السرد وتشابه وجود الأشخاص والزمن والتاريخ وبؤر الصراع، بل بمتحكّمات الإدارة واللغة والانزياحات وقدرة التعاقب والمناورة.
فالرواية لعبةٌ كتابية، تهيئة المواد الأولية لممارسة لعبة الإنتاج، مغامرةٌ مخياليةٌ ليست سهلة أو مجرّد تسطير كلماتٍ على واقع الأسطر لهذا الصفحة الورقية أو الصفحة الكومبيوترية. ولهذا فإن الحكاية التي كانت تعد العمود الفقري والأساس البنائي للعمل السردي بشكلٍ عام والروائي بشكلٍ خاص، وإنها التي توثّق الحالات التي تتضمنها الحكاية بدءا من الزمان والمكان والشخصيات إلى فواعل أخرى.. وهو ما يتم قوله إن الحكاية التي تعد على إنها (نصّ شبه ثابت، أي أن هناك قسما ثابتا وآخر متحولا يتغير بحسب ظروف الراوي، أو العصر الذي يعيش فيه، قد تكون الأحداث الملقاة واقعية أو خيالية بشكل نثري أو شعري، لجذب انتباه المستمعين أو القارئين) وقد ربطها النقاد، على أنه (لا يعرف عادة مؤلف نص الحكاية ) ولهذا فالمفهوم ربما تشابه أو تطابق مع الرواية كمفهومٍ متّبع في الكتابة القصصية والروائية وحتى المسرح. وهو (ويعدّ أداة للتعبير الإنساني، ويقوم الكاتب بترجمة الأفعال والسلوكات الإنسانية والأماكن، إلى بنى من المعاني بأسلوب السرد، وبذلك يكون الكاتب قد قام بتحويل المعلومة إلى كلام مع ترتيب الأحداث) ما نقصد به الإدارة، أو ما توصلنا إليه في مفهوم بنية الكتابة الذي اجترحناه في متابعة الأثر الكتابي للمبدع. والسرد يتنوّع على العكس من الحكاية التي تضمر نسقا واحدا، وهو ضخّ المعلومة والثيمة بإطارٍ وسياقٍ ظاهري لا يحتوي على نسقه المضمر.

إن رواية الفكرة هي رواية مشاغلة عقل المتلقّي لا عاطفته، وهي الرواية التي تحاول القفز على النصّ المحلّي وجعله مقبولا، لأن المتلقّي سيبدأ بمناقشة الأفكار لا البحث عن هوية الأفعال التي تتطلّبها الحكاية، خاصة تلك المغرقة في المحلّية.

الرواية لا تفكر بكونها رواية مذكرات، أو رواية حكاية، أو حدث، بل هي الآن في عملية تحول من أن تكون رواية فكرة تبحث عن حماية، بعد أن كانت رواية حكاية تبحث عن فكرة.. بمعنى أن الرواية كانت عبارة عن (حدوتة) أو (سالفة) يستخلصها المنتج الكاتب الروائي من واقعه، أو من بناة أفكاره السردية لكي يبوّب لها طريقة إنتاج تصل فيها الذروة إلى الإنتاج الكلي للرواية ويقدمها إلى المستهلك كمادة حكائية لها فكرة أو حتى مجموعة أفكار، يبدأ المنتج فيها بترتيب أوراقه الإبداعية للأخذ بيد الحكاية إلى التقبل الفاعل كجزء من الحياة حتى لو كانت خيالا علميا. ولهذا نجد أن الكثير من النقد، خاصة الانطباعي أو الرؤية النقدية الأدبية لهذا الناقد، أو ذاك يتابع خيوط الحكاية أكثر من متابعته لخيوط اللعبة الأخرى، ومن ثم يصل إلى ما يطلق عليه المستوى التأويلي باعتباره توصّل إلى الفكرة الأساس التي أراد المنتج الوصول إليها عبر تفكيك، أو تحليل العوامل الداخلة في الحكاية ومن ثم الوصول إلى المستوى القصدي أو القبض على الملامح المشتركة في عملية الصراع داخل النص، ومن ثم جعلها هي القوى والقوّة العليا للفكرة.
إن الرواية لم تعد حكاية.. ليس تسطيرا لروي تفاصيل بطلٍ أو عدّة أبطالٍ يروون الحدث أو الحادثة، أو أن هناك الراوي، الذي يتحدّث بالإنابة عنهم. وكذلك لم تعد الرواية تفاعل عناصر الحكاية، بل هي تبدأ في مرحلتها الشفاهية على أنها فكرة أو مجموعة أفكارٍ في ذهن الروائي، ولهذا فهو يبحث عن حكايةٍ لتبويب الفكرة. وبالتالي فإن الحركة العامة للشخصيات في نوع روائي كهذا تحتاج إلى مقدرةٍ كبيرةٍ من الروائي المنتج لكي يحرّك الشخصيات داخل الجسد، أو المتن الحكائي للوصول إلى اكتمال المبنى السردي. أن يتمكّن من التحوّل من كونه يتقمّص الشخصيات ويحركّها مثلما يتحرّكون، إلى قائدٍ لحركتهم، يجيد اللعبة التدوينية في ترتيب أوضاع المبنى داخل المتن.. وهذا الأمر لم يأتِ من فراغ أو إشباعٍ قرائي، بل لعدّة عوامل للخروج من سيطرة الحكاية التي يسبغها الروائي ذاته:
لأن الزمن اختلف والقارئ أصبح أكثر تلقيا ووعيا وأكثر معرفةٍ بما يدور حوله، ولهذا فهو يريد شيئا يفكّر معه ويستنبط الأفكار المتوالية.. وهي نقطةٌ جعلت المتلقّي يقترب من أن يكون ناقدا، كون الناقد هو الذي يفكّك علامات التدوين.
كذلك الحكاية لم تعد كافية لإشباع نهم المتلقّي الذي يريد رواية أو نصّا سرديا يغادر به سقم الحياة وصراعاتها، سواء من الجانب السياسي أو الديني أو حتى الاقتصادي.
أما الدهشة فلا تصنع وفق المتغيرات التي يعيشها المتلقّي في عالمٍ أصبحت فيه التقنيات الحديثة تقدّم له الصورة والصوت بشكلٍ أسهل، وفيها يجد ما هو ممنوع متاحا وسهل التلقّي، سواء من خلال القراءة عبر الشاشة، أو الاستماع لصوت المتحدّث.
والرواية لا تصنع تفاعلا مع الواقع الذي يعد هو جزءا منه، ولهذا يذهب المتلقّي إلى النص الغريب عنه، لأنه لا يتعبه في البحث عن واقعيته، ما يجعل المتلقّي في هذه الدولة أو المكان أكثر قبولا لنصّ روائي من بيئةٍ أخرى.
الرواية الحكائية، رواية ٌيشعر المتلقي أن مدوّنها متعالٍ على الواقع، وإن استنسخت منه، لأن اللعبة التدوينية تريد أن تصنع من عناصرها فعلا جاذبا، فانغمست بالحكي على حساب التدوين واللغة. لأن المتلقّي يريد أفكارا يناقشها، وأن يكون النصّ السردي يحمل ما لا يستطيع الإمساك به في صراعات الحياة، وأن يقدّم له فعلا أقرب من الفلسفة وأبعد من التفلسف.
من هنا فإن عوامل التحوّل إلى الفكرة، لا يمكن أن تتخلّص من الحكاية كما يتخيّل البعض، بل إنها تمنح المنتج القدرة على إيجاد نوعٍ سرديّ عقليّ أكثر منه عاطفيا، دون مغادرة العاطفة التي تفعل الجانب الإدهاشي والجذب الذي يكون مندغما مع التفاصيل. وهو أمرٌ سيتيح للمنتج أن يكون في مستوى عالٍ من الأهمية، التي تقع في الآخر لمصلحته.
إن رواية الفكرة هي رواية مشاغلة عقل المتلقّي لا عاطفته، وهي الرواية التي تحاول القفز على النصّ المحلّي وجعله مقبولا، لأن المتلقّي سيبدأ بمناقشة الأفكار لا البحث عن هوية الأفعال التي تتطلّبها الحكاية، خاصة تلك المغرقة في المحلّية.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية