الروح الأبوية ما تزال تُمسك بتلابيب كتّاب النقد في بلادنا العربية: عن الشاعرات

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

تحضر إلى الذهن دائما كلماتٌ قالها أبو نواس، لا أحسَب أنها قد أخذت حقّها في الدراسات النقدية، من حيث أهمّية شعر الشاعرات من النساء في تكوين الذوق الشعري عموماً. قال: «ما نطقتُ بالشعر حتى حفظتُ لستّين من شاعرات العرب، فما بالك بالشعراء!» هذا الكلام في جوهره يتكرّر في قول إليوت الذي جاء بعد النواسي بقرون عديدة: «من يريد أن يبقى شاعراً بعد الخامسة والعشرين من العُمر، عليه أن يَحمِل في نُخاع العظم منه أفضل ما قاله الشعراء (والشاعرات مثل سافو) من أيام هوميروس إلى الوقت الحاضر، وفي لغات عديدة، بما في ذلك شعر لغته هو». والحفظ في لغة النواسي يقابله «ما في نخاع العظم» من الشاعر في لغة إليوت.
ولكن كم من شعر الشاعرات العرب قد حفظ شعراء العرب المعاصرون الذين عبروا الخامسة والعشرين من العمر؟ قد يقول قائل إن شعر الشاعرات العرب لم يَجرِ تدوينُه «في الكتب المجلّدة المخلّدة» فلا نعرف عنهن الكثير ولم يذكر أسماءهن لنا أبو نواس ولا غيره، سوى بعض الإشارات إلى الخنساء، لأهمية رثائها لأخيها صخر، أو إلى صاحبة: «نحن بنات تُبّع وحِميَر» التي لم يعرف اسمها حتى خالد بن الوليد، وهي تكرّ على جيوش الروم. بلى، هناك ذكر طريف يُعزى إلى إحدى زوجات معاوية، وقد تكون ليلى الأخيلية، وقد ضاقت ذرعا بنعيم القصور:
«لبَيتٌ تَخفقُ الأرواح ُفيه/ أحَبُّ إليّ من قصرٍ مُنيفِ. ولبسُ عباءةٍ وتَقَرُّ عيني/ أحبُّ إليّ من لبسِ الشُفوفِ».
ولكن كم من محبي الشعر المعاصرين يعرف من الشاعرات العرب المعاصرين إلى جانب فدوى طوقان ونازك الملائكة أو معاصرتها الدكتورة عاتكة وهبي الخزرجي، بل هل أضيف: لميعة عباس عمارة؟ هل يعزى هذا الجهل أو عدم الاهتمام إلى أن مجتمعنا العربي ما يزال مجتمعاً ذكوريا «أبويّاً» ولا أمل في تغيّره؟ الشاعر هي الكلمة السائدة، ولم نسمع كثيراً بشاعرة من بلاد عربية أخرى، ولكن هذا لا يعني قطعاً أن ليس في البلاد العربية الأخرى شاعرات، فهل يُلام في ذلك بعض وسائل الإعلام والإشهار أو أصحاب الدراسات النقدية من العرب؟
قد يكون هذا أو قد يكون ذاك والله أعلم! وأنا هنا، من دون ادّعاء البطولة أو الأسبقيّة، أتجرّد إلى معالجة بعض أعمال شاعرة معاصرة هي الدكتورة بشرى البستاني، الأستاذة بجامعة الموصل بالعراق. لقد كتبتُ عن بعض أعمال هذه الشاعرة المُهمّة، وأحسبُ أن ثمّة مجالاً لكتابة المزيد عن أعمالها الشعرية، التي صدرت في مجموعات عديدة في العقدين الماضيين من زماننا المعاصر. الموضوع الرئيس في جميع هذه الأعمال هو الحًب، ذلك الموضوع القديم الجديد الذي يتناوله الشعراء كلٌّ وطريقته. لكن الحب في شعر بُشرى البستاني دائم الارتباط بحب الوطن، العراق، يتشعّب في تفاصيل عَراقَة العراق، من أيام كلكامش وحضارة أور وبابل إلى أيام كان الشعر فيها مرآة الحضارة العربية في بغداد العباسيين والقرون الثمانية الأندلسية. ولأن الحب موضوع يخص الإنسان بالدرجة الأولى نجده في بعض القصائد جوهرةً متألّقة، متعدّدة الجوانب والحواف، لا تدري من أي الجوانب تنظر إليها. وهذه أمارة الشعر النفيس.
أختار للحديث عن شعر بُشرى البستاني قصيدةً بعنوان «جروح الأرض» وهي قصيدةٌ عن الحب بشكل غير مسبوق، على ما أظن. فهي ليست غزلاً بالمحبوب، ولا تحسُّراً على ما فات، ولا تأمّلاً بما سيأتي. إنها قصيدة «حضور بين عاشقين» لا يتكلمان ولا حتى يتهامسان، بل تقول «القصيدة:
«حول مائدة الحُب كنّا غريبين/ ما بيننا قهوةٌ مُرّةٌ/ وعذول».
المائده للطعام وليست هنا أية إشارة للطعام. فهل هذه مما يقال خطأً: «حول مائدة المفاوضات»، إذ لا أحسب أن المفاوضات بها حاجة إلى وجود طعام، وإلاّ انصرفت المفاوضات إلى الحديث عن الطعام! ولكنها اللغة الدارجة والمقصود مفهوم هنا. ولكن لماذا القهوة مُرّة؟ هل لتناسب وجود العذول قريبا من هذا الاجتماع «الغرامي، العتابي، غير الناطق»؟ ثم «يُحدّق كلٌّ بصاحبه: أهوَ هذا؟» يحدّق، لا يسأل. هذا الاجتماع بين حبيبين يفتقر إلى الدفء، لأن فيه «أصابع ُباردةٌ، ليلةٌ شاحبة» تناسب برودة وشحوب هذا اللقاء «الغرامي». ولاستكمال برودة اللقاء وشحوبه نقرأ:
«والرياح تجيء بنايٍ غريق/ ومختنقٌ صوتُ آخر سِرب اليمام/ تُداري الغصونُ انطفاءاتها/ وتُخاتِل أجفانَها نجمةٌ خائفة/ على دمعةٍ واجِفَة».
وكأن هذا اللقاء البارد اللامُجدي لا يتحمّل المزيد من التفصيل، فتنتقل القصيدة إلى مقطع ثانٍ يقول صراحةً: «غريبَين كنّا لا حبيبَين كنّا» على شاطئ الكون مُنفَردَين/ وما بيننا الجُرح ينزفُ/ ما بيننا مطرٌ باردٌ/. .. لذلك «ماتت الأسئلة/ ماتت اللهفةُ المُشعِلة/ جروحُ الخيانة صامتةٌ/. الآن بدأنا نفهم سرّ هذا البرود وصورة هذا اللقاء اللامُجدي». جروح الخيانة صامتةٌ «وأول سؤال نسمعه: «من تُرى كان أول من خانَ صاحبَه؟» هذا اللقاء إذاً هو حول»مائدة المفاوضات» لمعرفة من الذي بدأ في خيانة صاحبه؟ من الذي قتل الحب؟ ولمن تعود «الجثة الهامدة / على ساعدينا مكوّمةً باردة/؟ من أجل هذا نجد «وجْنةَ الأرض مجروحةً/ … من خجلٍ مما حدث من جفاء بن حَبيبَين». ومن هنا جاء عنوان القصيدة «جروح الأرض»، من خجلٍ مما جرى بين هذين الحبيبين. وكانت النتائج من هذا اللقاء غير المجدي:
«سقوفُ المنى تتكسّر/ تذوي شواطئُها/ الجَزْرُ عرّى مرا فئها/… هجَرَ المدُّ بحرَ غوايتنا وانكفأنا على الجُرحِ مُغتربَين عُطاشى./ لماذا. لماذا؟/ هل هذا لوم الذات أم لَوم الآخر؟
لدى استعراض ما كُتب من دراسات عن الشعر، أجد الغالبَ في ذلك يدور عن شعراء فارقوا الحياة، فاصبح الحديث عنهم «تاريخيّاً». وأكاد لا أجد إلاّ القليل من الدراسات عن شاعرات وهن على قيد الحياة، من ذلك بعض الدراسات عن فدوى طوقان ونازك الملائكة. فهل معنى هذا أن قلّة الدراسات عن شاعرات ما زِلن في الحياة، سببه قِلّة عدد الشاعرات الى جانب الشعراء؟
لا أحسَب هذا، بل أغلبُ ظني، وبعضُ الظنِّ إثمٌ، أن الروح الأبوية ما تزال تُمسك بتلابيب كتّاب النقد في بلادنا العربية. إن نظرةً سريعةً على قائمة شاعرات الغرب المعاصر تبيّن لنا أن كتّاب النقد في الغرب لا يعانون من عقدة الأبوية. فكم من كبار النقاد في بريطانيا قد أشاد بإنتاج شاعرة مثل إيدث ستويل التي يصعب استساغة شعرها حتى على بعض خاصة المثقفين؟ وكم من شاعرات في أمريكا قد بلغنَ التكريم بدءاً من الشاعرة الأمريكية هارييت مونرو مؤسسة مجلة «شعر» عام 1912 وراعية إليوت إلى آخر شاعرة أمريكية تُوِّجت بجائزة نوبل مؤخراَ. فمتى تبلغ شاعراتنا العرب شيئا من ذلك التكريم؟ قال لي صاحبي: أراك ما تزال تكتب عن الشاعرات وقد بلغتَ من الكِبَر عِتيّا. هل ما تزال من أنصار المرأة؟
قلتُ: هذه منزلةٌ لا أدّعيها وتهمةٌ لا أتَبَرّأ منها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية