الروس والألمان وغرائب توحيد الأوطان

رغم تأييد غالبية الشعب الروسي لقرار ضم (أو استعادة) شبه جزيرة القرم، فإن هنالك في بعض أوساط النخبة الثقافية امتعاضا من حالة التأييد، بل الابتهاج، الشعبي هذه. فقد كنت في زيارة لروسيا أثناء إنفاذ بوتين قرار الضم الأسبوع الماضي، وفاجأني أن كل من تحادثت معهم أعربوا عن مخاوفهم من التبعات المالية لهذا القرار. ويتلخص موقفهم في القول: إن الواقع الذي يصر أكثرية الروس على تجاهله هو أن معظم الأوكرانيين الذين صوتوا، في استفتاء شبه جزيرة القرم، بالعودة إلى السيادة الروسية، إنما فعلوا ذلك رغبة في الخدمات الاجتماعية المجانية ومعاشات التقاعد والمعيشة الأفضل التي وعدهم بها بوتين. ولكن الوضع الجديد سوف يجر مشكلات كبرى. فإما أن ينجز بوتين ما وعد، فيزيد من إرهاق ميزانية الدولة ويفاقم الأزمة الاقتصادية بما يجعل الروس يندمون على مسارعتهم للترحيب بعودة أبناء عمومة معوزين. وإما أن يخلف، فتتحول خيبة الأمل الاجتماعية في القرم إلى شعور عام بالخذلان القومي لا يمكن التنبؤ بعواقبه.
هذا الموقف الأقلّوي، المتمثل في النأي بالنفس عن تأييد ‘إعادة التوحيد’، يذكرني بموقف مماثل حصل أثناء سقوط جدار برلين عام 1989. كنا آنذاك في أمريكا وكان لنا أصدقاء من ألمانيا الغربية. وكان الظن عندي أن إعادة توحيد الأوطان الممزقة (مثل الوطن العربي) هو، بالبداهة، أمر مبهج. ولكن ما أدهشني أن هؤلاء الأصدقاء لم يبتهجوا بلم شمل ما مزقته الحرب الباردة. بل إنهم اغتمّوا وابتأسوا. لماذا؟ لأنهم حسبوا الحسبة فوجدوا أن بلادهم، أي ألمانيا الغربية، سوف تتحمل عبئا اقتصاديا تنوء بحمله الأمم، مهما عظمت، في سبيل سد الفجوة الكبرى في مستوى المعيشة بين الغربيين المرفهين والشرقيين المعوزين. فإذا بي أجد نفسي وقد أوغلت بعيدا في عزلة التسلل (أوف سايد): عربي متلبس، وحيدا، بجرم تأييد إعادة توحيد ألمانيا وسط جمع من ألمان معارضين منكرين!
ولعل أفضل طريقة في التعامل مع مثل هذه الحقائق المربكة هي في الاعتبار بما قاله وزير الخارجية البريطاني السابق دوغلاس هيرد، في تعليق على حرب البوسنة خصوصا ومظالم هذا العالم عموما، من أن ممارسة الواقع السياسي قد علمته أنه لا جدوى من قتل النفس غما بشأن حقائق لا سبيل لتغييرها. حكمة ربما تكون، بالنسبة للمسؤول السياسي، مجرد حيلة ذرائعية من قبل وتبريرية من بعد. ولكنها قاعدة تطبيقية مفيدة بالنسبة لمن يتابع أحوال العالم. ولهذا فقد أصاب أستاذ القانون الدولي في جامعة بلجيكا الحرة أوليفيي كورتن عندما لخص تحليله لأزمة القرم بالقول إن ما يحصل هناك يشبه ما حصل بعد احتلال تركيا شمال قبرص عام 1974، حيث أنه لم يعترف أحد باستقلال ‘الجمهورية التركية لقبرص الشمالية’ لأن إعلان الاستقلال أعقب تدخلا عسكريا أجنبيا منافيا للقانون الدولي. ولكن عدم الاعتراف لم يغير من الواقع شيئا.
ويتمثل هذا الواقع في أن الدولة الكبرى (تركيا آنذاك وروسيا اليوم) إنما تتصرف من منطلق أن لها، بحكم طبائع الأشياء، ‘حق النظر’ (ولا يستقيم عندها الكلام عن ‘تدخل’ لأنها تعتقد أن لا وجود لخارج في القضية أصلا) في شؤون ما يلابسها ويداخلها أو يماثلها من جوار ثقافي أو جغرافي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية