الروس والنظام السوري يواصلون سياسة الأرض المحروقة والقضم في إدلب والأتراك يفككون مع الأمريكيين عقد «شرقي الفرات»

 هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي»: تتواصل العمليات العسكرية في إدلب شمال غربي سوريا، بموجب التفاهات الروسية – التركية، الرامية الى فتح الطرق الدولية التي تربط حلب بدمشق واللاذقية، وهو الهدف من وراء مواصلة التصعيد الروسي والإصرار على تطبيق نموذج القضم «خطوةً خطوةً» الذي تحدث عنه لافروف قبل أشهر، بإشراف مباشر من القوات الروسية الخاصة التي يتواجد منها نحو 200 مقاتل شمال غربي سوريا، في ما يبدو أن ملفي شمال سوريا وضعا على نار حامية فالروس والنظام يواصلون القضم في إدلب والأتراك يفككون مع الأمريكيين عقد شرقي الفرات.
فقد تقدمت القوات المهاجمة امس في محاور استراتيجية، ودخلت الى قريتي الزرزور وتل أغبر في المحور الجنوبي الشرقي من المحافظة. وذلك بالتوازي مع حلحلة بعض عقد ملف شرقي الفرات، حيث بحث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب، مستجدات الأوضاع في سوريا، وذلك في اتصال هاتفي جرى بينهما، بحسب بيان صادر عن رئاسة دائرة الاتصالات في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة.
وأوضح البيان، أن الرئيس أردوغان وترامب اتفقا على مواصلة التعاون بين البلدين، وذلك في اعقاب انسحاب الميليشيات الكردية، من ريف الحسكة شمال شرقي سوريا، وإعلان الإدارة الذاتية سحب قواتها وتدميرها تحصينات قرب الحدود السورية – التركية، بناء على تفاهمات أمنية أمريكية- تركية، بحسب ما قال الرئيس المشترك لمكتب الدفاع في الإدارة الذاتية، زيدان العاصي، في تصريحات صحافية، لافتاً الى أن قوات سوريا الديمقراطية «قسد» سحبت مقاتليها، ودمرت تحصيناتها، وردمت الخنادق، في مدينة رأس العين في ريف الحسكة.
وأوضح العاصي، ان الانسحاب يأتي في إطار المرحلة الأولى من التفاهمات بين تركيا وأمريكا حول المنطقة الآمنة، مشيراً إلى أن البدء بالخطوات العملية الأولى، قد أنجز في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، حيث سلمت «قسد» نقاطها لقوات من الفصائل المحلية، وذلك أسوة ببعض المناطق الأخرى مثل تل أبيض بريف الرقة، بهدف التوصل إلى حل لكافة القضايا عن طريق الحوار السلمي مع دول الجوار.
وأمام هذه التطورات، يبدو أنه كلما تقدم ملف شرق الفرات نحو النضوج، تفتح روسيا معركة على إدلب، بحجة فشل أنقرة في إنجاز تعهداتها في المنطقة، وتقضم المزيد من المناطق تطبيقاً لخطتها، وذلك بإشراف مباشر من قواتها الخاصة، إذ يتواجد هناك وبحسب الاناضول، 235 جندياً روسياً، انخرطوا في الاشتباكات الجارية في ريف حماة، منهم حوالي 65 مقاتلًا أغلبهم من العسكريين المتعاقدين مع شركات عسكرية خاصة، ويتحرك هؤلاء المقاتلون بالتنسيق مع القوات الروسية الخاصة ووحدة الاستخبارات العسكرية، وقد شاركوا مباشرة في العمليات البرية التي شهدتها مناطق كفرنبوذة والهبيط، كما يتواجد قرابة 170 عسكريًا تابعين للقوات الروسية الخاصة ولشركات عسكرية خاصة، في مناطق جبلي التركمان والأكراد، وكسب وسلمى في ريف محافظة اللاذقية.
تقدم قوات النظامين الروسي والسوري، جاء بعد اكثر من 900 ضربة جوية وبرية استهدفت ريف ادلب، وجبال اللاذقية بالتزامن مع معارك متواصلة تشهدها محاور ريف مدينة معرة النعمان، حيث كثفت الطائرات الحربية الروسية والسورية، الخميس، قصفها الأطراف الشرقية لمدينة إدلب، وخلفت أكثر من 30 قتيلاً بينهم 6 أطفال، وعشرات الجرحى، خلال الأربع وعشرين ساعة الفائتة.

محاور معرة النعمان

وتتركز المعارك المستمرة بوتيرة عنيفة بين فصائل المعارضة، وقوات النظام والميليشيات المساندة لها بدعم روسي، على محاور عدة في محيط معرة النعمان، وتشتد الاشتباكات في محور الزرزور ومحور سكيات، تترافق مع قصف جوي وبري مكثف، ومعلومات عن مزيد من القتلى والجرحى بين طرفي القتال، بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان.
وقالت فرق الدفاع المدني، ان النظام السوري اقترف مجزرة مروعة، أمس بعد استهداف منازل المدنيين في مدينة معرة النعمان بحمولة كاملة 12 صاروخاً دفعة واحدة، مخلفة ضحايا معظمهم من الأطفال، كما استهدفت المقاتلات الحربية الخميس، الأطراف الشرقية لمدينة إدلب بثلاث غارات روسية تلتها غارتان من طائرات النظام.
وبلغ عدد غارات الطائرات الحربية على إدلب 45 غارة 23 منها بفعل الطيران الروسي، و 6 براميل ألقتها الطائرات المروحية، بالإضافة إلى 832 قذيفة مدفعية وصاروخية ، استهدف 320 منها بلدة التمانعة و 150 على قرية التح. كما وثقت فرق الدفاع المدني استهداف 24 نقطة في أرياف إدلب. وقبل أن يخوض في تفاصيل ما يحصل في قطاع إدلب الذي بدأ بالانحسار بعد خسارة مناطق شمال حماة وجنوب إدلب وتطويق النقطة التاسعة للقوات التركية في مورك، يقول المعارض السياسي درويش خليفة، لـ»القدس العربي» ان التصريحات الرسمية للأتراك ونظام الأسد، بدأت تسخن، بعد حالة الجمود التي فرضها اتفاق أستانة وسوتشي. واعتبر ان الرئيس التركي ذهب إلى موسكو حاملاً معه مخاوف أزمة إنسانية بدأت تنشأ على شريطه الحدودي المقابل لولاية هاتاي، بعد نزوح ما يقارب نحو مليون سوري ثلثهم أخذوا من أشجار الزيتون مأوى لهم بالقرب من الحدود، لكن ما اظهرته شاشات التلفزيون في موسكو، توحي بأن الأتراك لم يكونوا متخوفين مما يحصل بالقرب من حدودهم ولم يظهروا أي جدية حيال ذلك لا في المؤتمر الصحافي الذي ركز على حجم التبادل التجاري ولا اثناء تسويق بوتين لطائراته الحربية وقوله إنهم عازمون على تزويد تركيا بمزيد من الواردات العسكرية، في خطوة منه لإبعادها عن حلف الناتو.
وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، أكد عقب اللقاء بين رئيس بلاده فلاديمير بوتين ونظيره التركي، أردوغان في موسكو استمرار الاتفاقات الروسية التركية المبرمة مضيفاً: «يتم تنفيذ الاتفاقيات، ولكن هناك بعض الصعوبات» وتابع: «ومع ذلك، كان علينا ألا نبقى متفرجين على الهجمات القادمة من جنوب المنطقة، لذلك أبلغنا نظراءنا الأتراك بالخطوات التي اتخذناها وسنتخذها.
وربط المعارض السياسي تقدم ملف شرق الفرات واقتراب وضوحه، بالتصعيد ومواصلة العمليات العسكرية الروسية، على إدلب، بحجة عدم إيفاء تركيا بالتزاماتها التي أخذتها على عاتقها في سوتشي في أيلول 2018، حيث اعرب المعارض السياسي، عن اعتقاده بأن النظام وحليفه الروسي ماضيان في قضم المزيد من المناطق وصولاً الى معرة النعمان ومن ثم إلى جسر الشغور ليحافظا على مسافة 80 كم عن قاعدة حميميم، لافتاً الى ان «النظام وحليفه الروسي يعتقدان أن «تقدمهما في قطاع إدلب على حساب الثوار سيعطيهما الحق في فرض رؤيتهما على الحل السوري». وأشار الى أنه دون غطاء امريكي، لا يمكن لروسيا ان تنجز حلول وفق رؤيتها في المحافظة على نظام الأسد. ولكن توقيت التسوية لم يدخل سلم أولويات الأمريكان بعد» حسب رأيه. روسيا، بحسب «خليفة» تحاول ان تسيطر على كامل الجغرافيا السورية، لتحقيق مكاسبها، وعندما سيطرت ميليشيات طهران على بادية تدمر، سخّرت كل ثقلها من أجل اخراجهم، كما جلبت شركات روسية للتنقيب عن آبار الفوسفات، فهي لا ترغب ان يكون لدول الإقليم نفوذ في سوريا. كما أن الوجود التركي في ادلب، يزعجروسيا ولكنها تقبل به في سبيل ضغط الاتراك على الفصائل الموالية لها، من أجل قبول اتفاق استانة وسوتشي.
وقبل زيارة أردوغان إلى روسيا كان مسار الأمور في إدلب وريف حماة شبه محتوم وهو مواصلة روسيا وقوات النظام والميليشيات الإيرانية طريقها في التقدم البطيء وقضم الأراضي باستمرار وصولاً إلى فرض معادلة سياسية جديدة تقول إن المعارضة السورية لم تعد تسيطر على مناطق واسعة وبالتالي ينبغي تغيير شروط التفاوض المطلوب دولياً معها ومن ثم إعادة إنتاج نظام الأسد بشرعية دولية أكثر جرأة وصراحة، وهو ما عبر عنه الباحث السياسي «إبراهيم العلبي» إذ ان هذا المسار لا تستطيع تركيا منعه حتى لو أرادت.
وقال العلبي لـ«القدس العربي» ان من نافلة القول «التذكير إن تركيا لن تضحي بعلاقات معقدة مع روسيا من أجل تمسكها بموقعها السياسي والميداني في سوريا ولكنها مع ذلك لا تستطيع بعد دخول جيشها إلى سوريا وبناء قواعد عسكرية ونقاط مراقبة في محيط إدلب بموجب تفاهمات أستانة القبول بطردها خارج المعادلة جغرافياً وسياسياً ولو كان ذلك بطريقة مجملة تحفظ ماء وجهها، وبالتالي لم يكن أمامها سوى الاستعانة بالحليف التقليدي الولايات المتحدة».

مفارقة

المفارقة أن المساعدة الأمريكية ليست مجانية، ولهذا ينبغي برأي المتحدث أن تدفع تركيا ثمناً معيناً مقابلها، وهو ما يبدو أنها قبلت به أخيراً بعد تصريحات أردوغان عن قبول مبدئي بالعرض الأمريكي المتعلق بعمق المنطقة الآمنة شرقي الفرات المتفق عليها مع واشنطن، ما يعني تخلي أنقرة عن شرطها وهو عمق 32 كم في هذه الآونة.
وتوقع المتحدث في حال سارت التفاهمات التركية – الأمريكية جيداً، أن تشهد إدلب في الأيام القادمة تحولات دراماتيكية على المستوى الميداني، بالإضافة إلى تسخين الضغوط الدولية على روسيا لا سيما في مجلس الأمن وأروقة الأمم المتحدة وفتح الملفات الحقوقية. وقد لا تؤدي هذه التطورات المتوقعة إلى انعكاس كامل في مسار الأمور في إدلب ولكنها ستؤدي بالضرورة إلى تعطيل الخطط الروسية حتى إشعار آخر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية