الرياحُ التي يسند إليها العرب أسماء كثيرة وأفعالا كثيرة، هي عنصر طبيعي مثير للتأمل سيميائيا. ذكرنا في غير ما مرة في هذا الركن، كيف أن العلامات ثلاثة أنواع المؤشر والإيقونة والرمز. وهي تختلف من جهة علاقة الدال فيها بما يمثله. فالمؤشر هو علامة علاقتها بما تمثله تجاورية، فالدخان مؤشر على النار، وليس بين الدخان والنار بُعدٌ مكاني وهذا بديهي تظهر بداهته حتى في الأمثال، كالذي عندنا في تونس وتعريبه: (يُشعل النارَ ويتساءل: هذا الدخان ما مصدره؟). والإيقونة علاقتها بما تمثله مشابهة، ومثاله صورنا أو خرائط أراضينا أو مخططات منازلنا، كلها علامات تمثل أشياء تشبهها، وأخيرا الرموز وتختلف في أنه لا علاقة تربط فيها بين الممثل والممثل عليه، ومثاله الجيد هذه الحروف التي تمر أمام ناظريك الآن، فإنه لا علاقة لها ارتباطية بالأصوات التي تمثلها ولا علاقة ارتباطية للأصوات جميعا بالأشياء التي تمثلها.
الرياح تكون أشكالا من العلامات الثلاثة، ما يهمنا منها في هذا المقال كونها مؤشرا ورمزا، لكن ما يهمنا أكثر من ذلك هو وجود حياة من انتقال العلامة من طور المؤشر إلى طور الرمز، أو قل وجود تفاعل بين العلامة المؤشر والعلامة الرمز في الكلام الشعري وغير الشعري. الاعتماد على المؤشرات الطبيعية كان درجة أولى وربما بدائية من تعامل الإنسان مع الطبيعة. السحب التي تأتي من بعيد وتبشر بالمطر، أو تنذر بالعاصفة من أقدم اشتغال الريح علامة مؤشرا، فالمسافة التي تفصل بين الريح ونزول الغيب، زمانية، وهي قصيرة مثل المسافة المكانية القريبة الفاصلة بين مكان النار وطريق سفر الدخان إلى السماء. لا تكون الريح علامة مؤشرة إلا حين يستعملها الإنسان للاستدلال على قدوم المطر. قبل ذلك أي حين تعمل الريح وظائفها الطبيعية، ومن دون وعي لدى الناس بأن لها هذا الدور الاستدلالي، فإنها تكون في مرحلة ما قبل علامية، أو قل في عمل لاعلامي. ليس اشتغال العلامة مرتهنا بعلميتها ودقتها ولا هو مرتهن بثبوتها الإجرائي، إنما هي مسألة عادة في الربط بين الممثل عليه وتمثيله. العادة جعلتنا نرى أن الدخان يكون منبعثا من نار. وهي عادة لها من التجريبية النصيب الذي يمتنها ويقوي الدخان مؤشرا على النار؛ لكن الرياح التي تكون بشائر للمطر يمكن ألا تصدق بشائرها. لو قلت لكم: حتى تصدق الريح ما تبشر به ينبغي أن ترافق المطر لقلتم خرجنا من عالم الدقة إلى الخيال. تذكروا هذه الجملة بعد حين. سنعود إلى أعقابنا إلى النصوص.
في القرآن الكريم (سورة الروم ـ 46) حديثٌ عن الرياح المبشرات، الرياح التي تكون مؤشرات في قوله تعالى (ومِنْ آيَاتِهِ أن يُرْسِلَ الريَاحَ مُبَشرَاتٍ) قال ابن كثير في تفسيره: «يذكر تعالى نعمه على خلقه في إرساله الرياح مبشرات بين يدي رحمته بمجيء الغيث عقبها» هذا شرح بسيط ما يعنينا منه كلمة «مبشرات». على الرغم من أن الفعل بشّر يمكن أن يدل من بعيد على الاستدلال بالريح على المطر، فإن معنى التبشير في هذه التفاسير ركّز على معنى استشراف الفعل المنتظر. التبشير الذي يعني أن تحمل العلامة اللغوية (الكلام) أو غير اللغوية (السحاب مثلا) خبرا سارا (أو غير سار) هو معنى لا يسمي تلك العلامات بما هي دوال لما تجاوره (مثل المؤشر أو الدليل) بل يسمي العلامة بما هي دوال لما يقع في النفس من استعداد حسن (أو سيئ) لما تجاوره: فثمة فرق بين أن تسمى السحب أدلة، أو دوال أو مؤشرات، وأن تسمى مبشرات.
يقول لك العلم الأشياء بسيطة: العلامة تدل على ما تمثله. ويقول لك الخيال أشياء أكثر منها: حتى تدل العلامة على ما تدل عليه فإنها تخوض ملحمة كي تقول: أنا لست مؤشرا بل أنا مبشرٌ أيضا.
المبشرات ليست في النهاية مؤشرات هي دوال على ما يقع في نفسك من انتظار لمحبوب، أو مكروه وليست دوال على الشيء الطبيعي الذي هو قريب منها. أن أشعر بالريح الندية ترافق سحبا بعيدة فأفرح بالمطر شيء، وأن أرى الريح نفسها وأتكهن بالمطر شيء مختلف، هذه تكون فيها الرياح مؤشرات، ولكن لا تكون في الأولى كذلك. لا تشتغل السحب في الآية السابقة اشتغالا علاميا محايدا (كونها مؤشرا على المطر) هي تشتغل اشتغالا علاميا موجها أو انفعاليا لا قيمة للآية والريح فيها مؤشر للآية قيمة والريح فيها مبشر: قوة الاستدلال بالعلامة عقديا، هي قوة رمزية لا تأشيرية: أن تقول العلامة الشيء هذا بشري لكن أن تنبئ بمحبوب وتفرح به، ويحدث أو تنذر بسيئ وتشقى به ويحدث هذا من القدرات الإلهية المرادة، لكن أن يقول المفسر إن الرياح مبشرات شيء، أما أن يقوله المعجمي فشيء آخر: المفسر يعطيه قوة الإمكان الدلالي، والمعجمي يعطيه قوة التثبيت الدلالي على معنى: جاء في «لسان العرب» أن هذه الرياح التي تسوق معها الغيث تسمى باسمها تيمنا فـ»المبشرات الرياح التي تهب بالسحاب وتبشر بالغيث « ( ل.ع.: 4/ 62). مشكلة المعاجم التي تكدس المعاني بلا صناعة وتدبر، أنها تثبت المعاني السياقية الخاصة على أساس أنها معان خطاطية عامة، فقد وجدنا في بشّر معنى آخر يتجاوز الإخبار عن شيء إلى معنى المرافقة الذي هو قريب من معنى المجاورة، وهو المعنى الذي يجعل العلامة مؤشرا أوردت بعض المعاجم القول التالي: بشرت الريح بالغيث ساقت معها مزنا. هذا ضرب من تفسير علاقة التجاور بين الدخان والنار، بقولك إن النار ساقت معها دخانا. لكنه هنا ليس سَوْقَ استدلال، بل سوقُ ترافُقٍ : كأن الرياح تقول للسحاب أنا دليل لا يكذب عليّ أن أرافقك حتى تصبح مطرا، فلا أصبح علامة كاذبة. يذهب المفسرون بالعلامة المؤشرة ويمعنون في الذهاب بعيدا عن افتراض أن تخون العلامة ما تبشر به وليس أكثر تأكدا من أن ترافق العلامات ما تبشر به إلى أن تحدث فعلا.
لم ينته المخيال إلى هذا الحد فمن الممكن أن تحدث ملحمة، والريح والسحب يترافقان نترك للابن هانئ الأندلسي يتم واصفا علاقة رمزية أسطورية بين السحاب والريح قائلا (بينَ السحابِ وبينَ الريحِ مَلحمَةٌ //قعاقِعٌ وظُبىً في الجو تُخْتَرَطُ) صوّر الريح وهي ترافق السحاب في الطريق وقد اخترطا في معركة من معارك الملاحم تسمع فيها قعقعات السيوف يتعارك السحاب، الذي كان دليلا على مدلوله. عندها نمر إلى الترميز يصبح للصوت وقع آخر، نسمعه تحت ضغط رمزه. حين ترى مشهد السحب والريح وتعيد بناءها على أنها مشهد حربي، فأنت أعطيت للعناصر الطبيعية قيما رمزية جديدة، ولم تعد تنظر إلى السحاب على أنه دليل، ولا على أنه مرافق، بل على أنه مصارع. ومعركة السماء لها من يبكي على الأرض وهي لؤلؤ الدمع، قطرات المطر، ثمن خصومات الملاحم في السماء نزول اللآلئ على الأرض. لذلك قال ابن رشيق في طالع قصيده (ألؤلؤٌ دمعُ هذا الغيثِ أمْ نُقَطُ// ما كان أحْسنَهُ لو كان يُلتَقَطُ). أجمل من هذا كله ما يورده ابن هانئ بعد ذلك متحدثا عن تنقل أحوال السحاب: (كأنهُ ساخِطٌ يَرضى على عَجَلٍ// فما يدومُ رِضىً منه ولا سَخَط). عجيب أمر هذا الذي يشهر سيفه على السحاب هو كائن لا يستقر على حال بين السخط، الذي ينقلب رضى، والرضا الذي أسرع به من عائد إلى السخط. سخط الريح وهو يرافق السحاب هو سخطُ دال وثوقي يرافق مدلولا يمكن أن يكون كاذبا هو السحاب.. يكذب السحاب حين يعد الريح باللؤلؤ الأرضي ولكنه كصاحب أي لؤلؤ لا يريد أن يفرط فيه فينكص على عقبيه.
يقول لك العلم الأشياء بسيطة: العلامة تدل على ما تمثله. ويقول لك الخيال أشياء أكثر منها: حتى تدل العلامة على ما تدل عليه فإنها تخوض ملحمة كي تقول: أنا لست مؤشرا بل أنا مبشرٌ أيضا.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية