الزجل كان قرين الموشح في الأندلس: شعر العامية والتواصل الثقافي

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

أحسب أنه من الظلم الاستمرار في النظر إلى اللغة العامّية على أنها أدنى منزلةً في التواصل الثقافي من اللغة الفصيحة. ولدينا في تراثنا الشعري العربي مثالٌ بارز على ذلك في ظهور الزجل بلغة قرطبة العامّية إلى جانب الموشح باللغة العربية الفصيحة. ونجد في ديوان ابن قُزمان أمثلةً كثيرةً عن انتشار اللغة العامّية إلى جانب اللغة العربية الفصيحة في بلاد الأندلس. ولكن لم يطالب أحدٌ من الأندلسيين على امتداد ثمانية قرون أن يَحِلّ الزجلُ محلَّ الموشح ولا أن تَحِلّ عامّية قرطبة مَحِلّ العربية الفصيحة في بلاد الأندلس، بل سار الاثنان جنباً إلى جنب وكان لكلِّ فَنّ مُعجَبون لا يتجاوزون على منزلة الفن الآخر بلغتِه المختلِفة.
والمثال الكبير الآخر ما جرى في القرن الرابع عشر في إيطاليا على يد شاعرها الأكبر دانته اليكَييري الذي كتب كتاباَ باللاتينية، لغة المثقفين، بعنوان «دي فلكارِ إليكوينتيا» (فصاحة العامّية) يبيّن فيه بالأمثلة أن اللغة العامّية لها فصاحتها الخاصة التي تقف إلى جانب اللغة اللاتينية الفصيحة. ولكي يُثبتَ هذا كتب أهمَّ وأكبرَ قصيدة في العصور الوسطى الأوروبية بعنوان «لا دِفينا كوميديا». وكلمة كوميديا كانت تعني في القرن الرابع عشر «قصيدة عن موضوع خطير بلغة عامية» ولم تكن تعني ما انحدرَت إليه لاحقاً بمعنى مهزلة. كما كانت مسرحية شكسبير بعنوان «روميو وجولييت» تدعى «كوميدي» ونعرف جميعاً ان ليس في تلك المسرحية أي أثر للهزل.
مثلما لم يكن عرب الأندلس يدعون لإحلال عامّية قرطبة محل العربية الفصيحة في الحياة العامة أو في الموشح، كذلك دانته الذي جاء بعدهم بقرون لم يكن يدعو لإحلال عامّية اللاتينية (الإيطالية) محل اللغة اللاتينية الفصيحة. بل كان الإثنان يريدان إظهار ما للغة العامّية من جمال في التعبير ومن فصاحة. فظهر الزجل إلى جانب الموشح كما ظهرت «القصيدة الإلهية» (ولن استمر في القول «الكوميديا الإلهية» تجنبا لسوء الفهم المحتمل) وكان الجانبان يكثران من الإشارة إلى جلائل الأعمال الأدبية الفصيحة في اللغتين. وقد استمرت الكتابة باللغة اللاتينية الفصيحة في الموضوعات الدينية المسيحية كما في الموضوعات الفلسفية، في إيطاليا وفي بقية الأقطار الأوروبية، وجرى مثل ذلك في البلاد العربية. وغني عن القول ان اللغة العامّية هي المستعملة في الحياة العامة عندنا وعند غيرنا.
ازاء هذه الوضعية من ظهور اللغات العامّية إلى جانب اللغة العربية الفصيحة ظهرت إبداعات في الشعر باللغة العامّية في عدد من الأقطار العربية. ففي العراق ظهر في عشرينات القرن الماضي المُلا عبّود الكرخي ينظم بالعامية البغدادية «ابوذيّات» في الحكمة وفي الحب والغزل، كوّنت معيناً للغناء الشعبي. وهذا مثال طريف من ذلك:

يصير بالمنخل تسدّ عين الشمس؟ يصير لحم الجلب طاهر مو نجس؟
يصير عالم من غبي ياخذ درس؟ يصير تعلَم باطن الركيّة؟

وعلى مستوى آخر ظهر في ستينات القرن الماضي الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب، الذي راح يكتب أحلى وأرقّ قصائد الحب والغزل بلهجة الجنوب العراقي، التي سرعان ما انتشرت في عموم البلاد، وصار يتغنّى بها الموصلي مثل ابن البصرة والعمارة. ومن ذلك قصيدة «زرازير البراري». والذروة في شعر النواب باللغة العامية هي قصيدة «للريل وحَمَد».
كما برز في خمسينات القرن الماضي شاعر عراقي كبير آخر هو عبد الرزاق عبد الواحد. كتب هذا الشاعر الكثير الكثير من القصائد بنظام الشطرين التراثي، كما في نظام شعر التفعيلة. ولم تكن الفكاهة غائبة عن الكثير من شعره، ولكنه صار يكتب قصائد بالعامية العراقية في أواخر سبعينات القرن الماضي، يعرفها أصحابه من محبي الشعر، وبخاصة تلك «الأراجيز» الهجائية مثل هجائية «الخطوط الجوية العراقية»:
قضى اجتماع هيئة المطارِ في ليلة العشرين من آذارِ
توجيهَ انذارٍ إلى طيّارِ
لأنه قد أتعبَ المكينة وأنهكَ الطائرةَ المسكينة
ورُغمَ تاكيداتنا المُشَدَّدة أوصلها في الساعةِ المُحدَّدة!

لأن العادة أن تصل الطائرة العراقية متأخرةً عن موعدها!

وهذا ما يقوله في هجاء تمثال عباس ابن فرناس:

عباس أيّ زَعزعٍ نكراءِ قادَتك حتى هذه الأنحاء
تُراكَ لو وَكّرتَ في باريسا إذن نزلتَ منزلاً نفيسا
لكان نحّاتُك شخصاً أريحي أقلّها إذا رآك يستحي
لرَفضَتْ أخلاقُه المُعاصِرة أن تنتهي رجلاك عند الخاصِرة

والملاحظ أن هذه الأراجيز ما تزال متمسكة باللغة العربية الفصيحة لكن الخفّة فيها والفكاهة تجعلها قريبةً إلى العامّية، التي استعملها في الأغاني والهوسات الشعبية.
والشاعرة العراقية المتميِّزة، لميعة عباس عمارة (ت.18-6-2021) هي قريبة عبد الرزاق، وقد كتبت الكثير من قصائد الحب، وخصوصاً حُب الوطن، ولها مجموعة طيّبة من الشعر بالعامية. وأنا أعرف الشاعرة منذ أيام العالية وكنت أتابع ما تنشره من شعر حتى بعد أن اختارت الاغتراب والإقامة في سان دييغو في كاليفورنيا. وكنتُ على تواصل معها بالرسائل والإنترنت. وأذكر أنها أرسلت لي بضعة قصائد، بعضها بالعامية تشكو مرارة الغربة عن الوطن، ترجمتُها لها أيّام كنت في دبي، وأرسلتُها إليها لتصفعَ بها أمريكي جاهل قال إنها «إنيمي» أي «عدوّه». وأنا الآن أقوم بترجمة ديوان الشاعرة بتكليف من وزارة الثقافة في بغداد، وهو يزيد عن 600 صفحة، ولكنه جهدٌ ممتع ولذيذ.
يقول إليوت: إن من لا يستطيع كتابة الشعر الموزون لا يستطيع كتابه الشعر الحُرّ (الذي يخلو من الوزن والقافية). وقد نستطيع تحوير هذا الكلام والتوسّع فيه قليلا فنقول: من لا يستطيع كتابة الشعر الموزون المقفّى لا يستطيع كتابة شعر التفعيلة الموزون المقفّى بترتيب آخر، ولا يستطيع كتابة الشعر باللغة العامية، بنظام الشطرين التراثي، أو بنظام شعر التفعيلة والتزام الوزن والقافية بشكل مطوّر. ويمكننا بناء على ذلك أن نجد البرهان في شعر لميعة عباس عمارة. كتبت لميعة كثيراً من قصائد الشطرين التراثي في موضوعات عديدة، كما كتبت الكثير من قصائد التفعيلة وأغلبها في موضوعات الحب. هذه قصيده بعنوان «تحيه الرصافي» بأجواء تراثية:

هو شاعرٌ حَسبي من الأوصافِ أغنيتَ يا (معروف) عن ألطافي
أمضيتَ كلّ العُمر بؤساً ساحقاً ماذا تَرُدُّ معازِفُ العُزّافِ

وهذه قصيدة تراثية النظام ولكنها بأجواء عاطفية… جداً:

لا تقُلها إن لَجلَجَت في حنايا ك َودَعني أشتفُّها من عيونِك
وارتعاشاتِ هُدبك الخَجِل الخَف قِ وهذي الغضون فوق جبينك

وهذا مثال من شعر الحنين بعامّية عذبة الحزن:

بغداد عشر الملايين الهَواهُم ولا لي عوض
فارَكتهُم بالرغم فرضٍ عليّ انفرض
وما صاحبي بعدهم غير التعب والمرض
والدمعتين التنامن بشَعري تالي الليل

ومن الغزل الشفيف الذي يرى أن كل كلمة يمكن أن تكون شِعرية بيد الشاعر المُلهم… حتى شهرزاد؟:

سنة فراكك تجرَّعتَه، وشهرزاد
يمّن حَجْيَك للمعوَّم شهرزاد
نذر لو ضَمّت اذراعي شهرزاد
تسع ميّات أطشهن وآهليّه

هل بقي اليوم «نوط أبو الميّة دينار» لتُرَش تسع قطعٍ منه في الأعراس؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية