الزلزال شل الحياة في الشمال السوري والأطفال الحلقة الأضعف

حسام محمد
حجم الخط
0

أثقل زلزال شهر شباط/فبراير كاهل السوريين المرهقة أصلا جراء الهزات المدوية التي تعرضوا لها طيلة السنوات السابقة بفعل براميل النظام وصواريخ الجيش الروسي والميليشيات العابرة للحدود، في حين لم ينصف مقياس حقوق الإنسان الدولي، الشعب السوري حتى يومنا هذا، لتجتمع كل تلك العوامل وغيرها لإعلان الشمال السوري منطقة منكوبة بكل ما تعنيه الكلمة وفي كافة جوانب الحياة.
الدفاع المدني السوري، رأى وجوب التأكيد على أن سوريا لم تعش تحت الأنقاض ابتداء من تاريخ الزلزال، بل هي تحت الركام منذ سنوات طويلة، فالزلزال جاء مكملا للحرب المستمرة من قبل النظام وروسيا ضد الشعب، وهناك أمام خطر ضياع مستقبل جيل كامل من الأطفال.
الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت من جانبها وفاة 10024 سورياً بسبب الزلزال الذي ضرب شمال غرب سوريا وجنوب تركيا فجر الإثنين 6 شباط/فبراير 2023 بينهم 4191 توفوا في المناطق خارج سيطرة النظام السوري، و394 في المناطق الخاضعة لسيطرته، و5439 لاجئاً في تركيا.
وفقاً لتقرير الشبكة الذي حصلت «القدس العربي» على نسخة منه، يوجد في منطقة شمال غرب سوريا قرابة 3.2 مليون نازح من مختلف المناطق السورية، هربوا من انتهاكات النظام، وتشكل النساء والأطفال قرابة 75 في المئة منهم.
ومنذ عام 2011 وحتى الآن لم يعد سوى أقل من 2 في المئة منهم إلى مناطقهم التي لا تبعد سوى كيلو مترات عن خيمهم، خوفاً من انتهاكات النظام الذي لم يكتفِ بتشريدهم، بل قام بمئات الهجمات المتعمدة على المدنيين والمرافق الحيوية في المناطق التي نزحوا إليها.
كما أن النسبة العظمى من المساعدات لا تصل للمتضررين، وهذه النسبة قد تصل إلى قرابة 90 في المئة على الرغم من الكم الكبير من التحقيقات والتقارير التي صدرت منذ عام 2015 بما فيها تقارير «هيومان رايتس ووتش» وتحقيقات صحيفة «الغارديان» لأن النظام السوري قد هندس نهب المساعدات بطريقة مدروسة تستند بشكل أساسي على منظمات تابعة له بشكل مطلق، من أبرزها: الأمانة السورية للتنمية والدفاع المدني والهلال الأحمر.

رهاب وصدمات وفرط يقظة

الصدمات التي عاشها جل سكان الشمال السوري من آثار الزلزال وهزاته الارتدادية لم تفرق بين رجل أو امرأة، ولا بين كبير السن أو طفل صغير، في حين أن اضطرابات ما بعد الصدمة كان لها مضاعفات متعددة الدرجات، قسم منها يمكن وصفه بالخطير، خاصة مع ارتفاع نسبة الإجهاد والقلق لدى العائلات المتضررة من الزلزال، في حين كان ذلك جليا ومضاعفا على الأطفال والكبار في السن.
عضو مجلس إدارة الدفاع المدني السوري أحمد يازجي، قال في تصريحات خاصة لـ «القدس العربي»: «أهم الصعوبات التي تواجه العائلات المنكوبة والتي تلقت صدمات متتالية في الشمال السوري عقب الزلزال، هي قلة الكوادر المختصة في معالجة الأزمات النفسية التي تضاعفت جراء الخسائر البشرية التي خلفها الزلزال، في حين لا يوجد اهتمام في هذا الجانب بالشكل الكافي والمتناسب مع حالة الرهاب التي أحدثها الزلزال.
ومن الآثار التي لوحظت في الشمال السوري بعيد الزلزال، الانهيارات العصبية مع الهزات الارتدادية وانتشار ظاهرة فرط اليقظة لدى الأسر في المناطق المتضررة، فقد جافى النوم أعين السوريين وهذه الظاهرة ما زالت حتى يومنا، رغم تراجع حدتها، وسط حالة من الاستنفار الذهني والقلق والخوف وخاصة عند الأطفال، وهنا أصبحنا أمام ضرورة وجود المعالجة النفسية، في حين أن الاستشارات النفسية غير موجودة بالشمال السوري».

تفضيل الخيام على المنازل

شهر رمضان، شهر الخير والبركة، لكن رمضان هذا العام كان حزينا للغاية على السوريين كما كان طوال 12 عاماً، وفي العديد من الأوقات تتحول لحظات الإفطار إلى رعب وخوف، وقبل أيام فقط، استهدف النظام المناطق السكانية في الشمال، وأوقع ضحايا وجرحى قبيل الإفطار بساعات قليلة، كما قام جيشه باستهداف مخيمات النازحين.
وعند تقريب المشهد أكثر، ووفق ما يصفه عضو مجلس إدارة الدفاع المدني السوري أحمد يازجي، «عندما نحدثكم عن الشمال السوري، فنحن نحدثكم عن آلاف العائلات وربما أكثر، لم تستطع العودة للعيش في منازلها رغم تقييم المنازل من قبل الخبراء بأنها سليمة ويمكنهم العودة إليها، لكن الأسر تفضل الخيم على المنازل الأسمنتية، فتقوم بنصبها أمام المنازل والعيش بداخلها».
من التطورات الميدانية التي فاقمت الأزمة لدى سكان الشمال السوري، القصف الذي استهدف المنطقة في ذات الشهر الذي حصل فيه الزلزال، وهو ما أدى إلى مضاعفة الرهاب لدى العائلات المنكوبة، وجعلها لا تفرق بين الزلزال والقصف.
كما أن السيول التي حصلت خلال الفترات القريبة الماضية والعواصف جرفت بعض الخيام، وتضررت العديد من العائلات، ما جعل أوضاعها تتحول من مرحلة صعبة إلى أشد وأصعب، وهي أحداث ضاعفت حجم المساعدات والتحديات، ويمكننا القول اليوم: أحوال المخيمات كارثية تماما وما حصل خلال الأيام الماضية من سيول ورياح شديدة في المخيمات كان زلزالاً ولكن من نوع آخر» وفق ذات المصدر.

الأرواح.. الخسارة الأكبر

مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، قال خلال تصريحات خاصة أدلى بها لـ «القدس العربي» بضرورة الإشارة إلى حجم الخسائر البشرية للسوريين جراء الزلزال، حيث يتم التركيز على الخسائر المادية والاقتصادية أكثر من ضحايا الزلزال، فهذه الأرواح هي أكثر ما فقده الشعب في شهر شباط/فبراير الماضي.
كما أن الحديث عن الشمال السوري، يعني بالضرورة التحدث عن منطقة مكتظة بالسكان، نسبة كبيرة من العائلات نازحة ومشردة بفعل جرائم النظام، هذه الانتهاكات أدت خلال كارثة الزلزال إلى سقوط أعداد هائلة من الضحايا، علاوة على تمركز نسبة كبيرة من اللاجئين السوريين في تركيا ضمن مدينة أنطاكيا والسكن في الأحياء الشعبية منها والأكثر فقرا بسبب أوضاعهم المادية الضعيفة، تسبب بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا والمصابين بينهم.
وفي الدرجة الثانية يأتي ملف الدمار الذي ألحقه الزلزال بمنازل السوريين التي تشكل لأعداد كبيرة منهم موطنا، وبعضهم دفع ثروته في شمال البلاد مقابل بناء منزل لأسرته، وبعد الكارثة لا بد من الإشارة إلى عدم وجود عمليات تعويض مادية للمتضررين، كما يحصل في تركيا، بالإضافة إلى فقدان أعداد كبيرة من المواطنين لأملاكهم ومقتنياتهم وعلى رأسها الأوراق الثبوتية التي يدفعون لتحصليها أرقاما مالية كبيرة، وبالتالي فإن الخسائر بالنسبة للناس كبيرة على كافة جوانب الحياة.
أما على صعيد العمل، فنحن نتحدث عن خسائر بالغة أيضا، فبعضهم خسر أدوات عمله، وتسببت الزلزال في تحولهم إلى عاطلين، خاصة أن نسبة مهمة من الضحايا كانوا يعيلون ذويهم بشكل دوري، ما شكل أعباء إضافية على العائلات السورية.

الزلزال شل الاقتصاد

الزلزال خلف حسب عضو مجلس إدارة الدفاع المدني السوري أحمد يازجي، كوارث كبرى أيضا على صعيد الوضع الاقتصادي، فهناك أعداد كبيرة للغاية من السوريين فقدوا أعمالهم بسببه، كما أنه شل الحركة الاقتصادية تماما، خاصة أنه ضرب مدناً استراتيجية وكبيرة وهامة مثل جنديرس وحارم وسلقين وسرمدا وعزمارين وغيرها، وعند الحديث عن الخسائر، لا يمكن لأي جهة تحديد حجم، فنحن أمام منطقة منكوبة وأزماتها تتفاقم.
وأضاف، أهم ما يحتاجه الشمال السوري، هو المشاريع القادرة على جعله يدخل مرحلة التعافي والعودة إلى الاستقرار، فخلال السنوات الماضية كانت المساعدات تقتصر على تلبية الاحتياجات الأساسية للمدنيين، بمعنى ما يمكنهم من البقاء على قيد الحياة فقط، ولم تكن تقدم لهم الأساسيات التي تمكنهم من العيش بكرامة، وهذا ما يجعلنا اليوم بحاجة لمشاريع تنمية حقيقية لبناء القدرات الذاتية على النهوض الذاتي لهذه المجتمعات.
حاليا، تعمل الخوذ البيضاء على مجالين، الأول مرتبط بوضع خطة شاملة لإزالة الأنقاض في شمال غربي سوريا وفق خطة تشمل النطاق العمراني الموجود، وهي مشاريع تسير على قدم وساق بالتنسيق مع المجالس المحلية، ومن ثم تحديد أولوية البناء مجددا، وتأمين الموافقات القانونية والتفويض من قبل الأهالي، وحفظ حقوق مالكي العقارات.
إزالة هذه الأنقاض سيساهم في منع انتشار الأمراض والقوارض، وكل ما قد يشكل خطرا على حياة المواطنين في المنطقة المنكوبة، وإعادة تدوير الأنقاض واستخدامها وفق نهج صديق للبيئة بشكل مدروس، ما سيمكن فرق الدفاع المدني لاحقا من الاستفادة منها في مشاريع أخرى.
المجال الثاني، تشكيل تحالف عملياتي مشترك مع الجمعية الطبية السورية-الأمريكية «سامز» والمنتدى السوري، وهدف هذا التحالف هو تحسين الظروف المعيشية من خلال تقديم خدمات تكاملية، وضمن اختصاصات متعددة والاستجابة للمتضررين، وإعادة تأهيل المناطق المتضررة، مما سيساهم بإعادة الحياة للمناطق المنكوبة.

غياب أجواء رمضان

حدوث الزلزال وآثاره كان مضاعفا على السوريين في الشمال لعدة أسباب، أهمها، وفق الباحث في مركز جسور رشيد الحوراني، البيئة الهشة، وعدم وجود دورة اقتصادية واضحة المعالم والموارد، وتخطط وتنفذ من جهة واحدة، إنما هي ارتجالية في معظمها تأخذ منحى التبلور بالتدريج، ولعدم وجود سلطة مركزية «حكومة» قادرة على القيام بأعباء تحمل الأضرار التي خلفها الزلزال أو تقاسمها مع المواطن المتضرر.
ومن الآثار السلبية للزلزال تعزيز فكرة الهجرة من المنطقة بشكل أكبر مما كان في السابق، فالمنطقة ضعيفة بالأساس زاد من ضعفها الزلزال مع عدم وجود موقف جدي من قبل المجتمع الدولي لوضع حل للمسألة السورية.
ففي مطلع شهر رمضان، لم تشهد مدن وبلدات الشمال، وفق الناشط الميداني عبد الكريم الثلجي، أي أجواء اعتيادية للشهر الكريم من حركة سوق عمل، فيما غابت الحركة تجاه محال اللحوم والخضروات والألبسة.
فيما على الضفة المقابلة، زادت أعداد المخيمات بعد وفود أعداد كبيرة من متضرري الزلزال ممن فقدوا منازلهم للمخيمات التي تعاني بالأصل وتفتقر لأدنى مقومات الحياة، وفي الواقع فإن حجم الخسائر في الشمال السوري تحتاج إلى دول.
كما أثرت الحرب بشكل كبير على الجانب الاقتصادي في شمال البلاد، والخاسر الأكبر هو الشعب، فتكاد تنعدم الطبقة الوسطى في المجتمع، فأصبح هناك غناء فاحش وفقر فاحش، فترى القصور المشيدة بجانب الخيم المهترئة.
وقال الثلجي: كما تسعى العائلات لتأمين المساعدات الإنسانية اللازمة للمعيشة من غذاء وتدفئة ومتطلبات الصحة التي تشهد انتشار المشافي الخاصة التي ترهق الناس بتكاليف العلاج الباهظة فيها، وانتشار المدارس الخاصة على حساب العامة التي باتت قليلة بسبب انخفاض وانعدام الرواتب فيها، ما أدى لعزوف كبير لدى المعلمين في التدريس فيها والاتجاه للمدارس الخاصة. وتأمين متطلبات المعيشة، في ظل الارتفاع المستمر لأسعار الأغذية وأجور المنازل مع انعدام الرقابة أصبح صعبا جدا، فالعمال في الطبقات الفقيرة لا يستطيعون تأمين معيشتهم، فالمصروف كبير والمردود قليل، فأجرة العامل اليومية في أحسن أحواله لا تتجاوز 4 دولار.

40 في المئة من المتضررين أطفال

يحتاج الشمال السوري وفق عضو مجلس إدارة الدفاع المدني السوري أحمد يازجي، إلى تضافر الجهود والمشاريع لمعالجة آثار الزلزال وتداعياته، وعلى رأس التدابير القيام بمساعدة الأفراد في الشعور بالأمان، سواء عبر تلبية المطالب والاحتياجات الأساسية، من غذاء ودواء ورعاية بالتعاون مع كافة المنظمات النشطة شمال البلاد، والأهم من ذلك، هو تقديم المعلومات الصحيحة، والعمل على تبديد مخاوفهم.
بالإضافة إلى محاولة السيطرة على ردود الأفعال العاطفية عبر التواصل والزيارات الدورية، وإحداث أنشطة للأطفال وتبني المشاعر الإيجابية، وتقديم الاستشارة وفق الإمكانيات المتوفرة، والتدريب بطريقة مدروسة على التصرف السليم عند حصول الزلزال وإعطاء المتدرب الثقة بأن اتخاذ هذه الإجراءات تساعد بشكل كبير على حمايته، وتقوم فرق الدفاع المدني بتوعية مستمرة وخاصة لطلاب المدارس بطرق التصرف السليم عند حصول الزلزال.
بالنسبة للأطفال، لا تتوفر، وفق المصدر، إحصاءات دقيقة، لكن نسبة المتضررين من الأطفال جراء الزلزال تقدر بقرابة 40 في المئة من إجمالي المتضررين، والأطفال في الحروب والكوارث هم الضحية الأكبر، والآثار النفسية تمتد لفترات طويلة. فهناك قسم كبير من الأطفال فقدوا عائلاتهم، والتعليم سيواجه أزمة حقيقية، خاصة أن الزلزال سيتسبب في تراجع العملية التعليمية التي تواجه بالأصل مشاكل كبرى بسبب قصف النظام.
والأوضاع الصحية والنفسية بحالة معقدة للغاية، فالشمال وفق مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، يعاني من نقص في تلبية الاحتياجات الصحية، فالمصابون عددهم بشكل تقديري هو ثلاثة أضعاف أعداد الضحايا، أي ما يعادل تقريبا 30 ألف مصاب، هذا عدد هائل خلال فترة قصيرة للغاية، ما يشكل تحديات كبرى.
كما أن المساعدات الأممية إلى الآن شحيحة ودون المأمول والمتوقع، ما يسبب حالات ضغط نفسي وصحية على الناجين وكل من خسر فردا من أسرته جراء الزلزال، مشيرا إلى أن الحاجة ماسة لتسجيل الأعداد الهائلة من السوريين الذين ماتوا بسبب الزلزال، واحتمالية أن يكون تأخر المساعدات الإنسانية قد ساهم في موت المزيدٍ منهم.
هذه الأزمات، أجبرت أعدادا من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة والتوجه نحو سوق العمل بهدف تحصيل الدعم الأسري، وعندما يكون هدف العائلات الناجية من الزلزال منصبا نحو تأمين خيمة ومأوى ستصبح العملية التعليمية رفاهية بالنسبة للأطفال، وقسم من العائلات نزح نحو مناطق جديدة، وبالتالي سيواجه الأطفال صعوبة في العودة للمدارس، وستحصل حالة اكتظاظ في المدارس، وكل هذه الأزمات مرجعها إلى تداعيات الزلزال وآثاره.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية