الزمان والعوالم الممكنة في لغة القرآن

الزمان وعاء هذا من عبارات النحاة والفلاسفة، وكونه وعاء يعني أنه يحوي غيره، وغيره هي الأحداث التي تصفها الأفعال، ولذلك قيل عن بعض الأسماء في اللغة إنها ظروف زمان، أو أنها مفعول فيها الأحداث. وظرف الزمان ليس كظرف المكان فالمكان يمكن أن يرى ويلمس وتقع فيه الأشياء والأحداث لكن ظرف المكان أمور مجردة لا ترى، ولا يمكن أن تكون من الجثث، أو ما تراه العين وتدركه. ما يعنينا في هذا المقام هو وصف العلاقة بين الزمان والعوالم الممكنة التي تعني بعبارة مبسطة مجموعة من العوالم غير عالمنا الواقعي الذي نعيشه والذي هو بدوره عالم غير أنه فعلي.
العوالم الأخرى غير عالمنا الفعلي يمكن أن تكون في تصورنا لها مسورة هي أيضا بزمان قد يختلف عن زمان العالم الفعلي، والإشكال يكمن في كيفية إدراكنا له، واللغة التي بها نصفه. لذلك غالبا ما يميل الناس إلى القياس وإلى المفارقة حتى تتمكن اللغة من وصف عناصر هذه العوالم الممكنة. إننا نصف زمان العَوالم الممكنة بواسطة ما تتيحه لغة العالم الذي نعيش فيه، ونستعمل في ذلك المشابهة والمقارنة، حتى نتمكن من فهمه واستيعاب عناصره. العوالم الممكنة الأخرى غير عالمنا ليست مستقلة عن عالمنا الفعلي، لا في التصور ولا في اللغة التي بها نعبر عنها وخلف هذا الترابط ضرب من القصور في تمثل العوالم الممكنة بعيدا عن تمثلنا لعالمنا الفعلي وضرب من العجز في استعمال لغة تناسبه.
الباحثون والدارسون في نظرية العوالم الممكنة يقرون، بأن هناك عوالم ممكنة غير العوالم التي نعيش فيها، ولكن منهم من لا يعترف بوجود روابط بين عالمنا والعالم الممكن؛ ومنهم من يقول بوجود هذه الروابط، وشكل من أشكال الروابط هو اللغة.
سنبحث في القرآن الكريم باعتباره من أقدم النصوص التي وصلتنا عن بعض الروابط اللغوية، التي يمكن أن تصل بين العوالم التي يتحدث عنها النص. في هذا النص عالمان كبيران عالم الدنيا، أو العاجلة، وهو العالم الفعلي وعالم الآخرة أو العاجلة هو عالم فعلي أيضا من جهة العقيدة، غير أننا سنسميه لغرض علمي العالم الممكن الرئيس. في الحديث عن العالمين يمكن أن تنفتح أمامنا عوالم ممكنة فرعية لها صلة بهذين العالمين الكبيرين؛ فليست الآخرة عالما ممكنا وحيدا منسجما، بل هو عالم متعدد العناصر له معطياته المختلفة عن عالم الدنيا المرجعي، ولاسيما في الزمان. وهناك عوالم أخرى ممكنة قبل ذلك يمكن أن نلحظها في مستوى اللغة وهذا ما نمثل له في الأفكار التالية التبسيطية.
في سورة المَعارج يقول تعالى (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالروحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) التعبير عن الزمان في هذا المقطع كان بوحدة القياس التي تعتمد في العربية بين المتكلمين في مكان وزمان معلومين: المكان هو الرقعة الجغرافية التي تنطق فيها العربية التي نزل بها القرآن، وقد تكون متسعة أو ضيقة؛ والزمان هو زمان استعمال مواضعة يوم وهذا زمان ممتد إلى يومنا هذا؛ والمواضعة التي ترتبط بعالم الدنيا وهو العالم المرجعي الدنيا هي اليوم الفلكي وليس اليوم الذي صرنا في عصرنا نحدده بالساعة (وبين التصورين فرق). اليوم الذي يعتمد في الآية أعلاه في القياس هو وحدة متكاملة لا تقبل التذرير الذي يقبله اليوم عندنا، وهو ينقسم إلى دقائق وثوان وأعشارها.. اليوم المعتمد في الآية هو عنصر لا للقيس، بل للقياس القيس في الزمان المرجعي هو أن تعتمد الزمان لتقيس به سرعة عمل أو بطأه مثلا، وليس هذا مطلوبا في الآية، لأن المطلوب هو القياس أي أن تدرك المدة الحقيقية للعالم الأخروي الممكن بقياسه بالمدة الحقيقية للعالم الدنيوي الفعلي.

الزمان في العالم الممكن هو زمن المعراج، بما هو مسار ومسافة بين الأرض والعالم السماوي الذي تحدث عنه القرآن في مناسبات عديدة أهمها مناسبة خلق السماوات والأرض. المعراج هو عالم ممكن متحرك ليس مطلوبا في ذاته، بل هو رابط بين عالمين: السماء والأرض.

الزمان في العالم الممكن هو زمن المعراج، بما هو مسار ومسافة بين الأرض والعالم السماوي الذي تحدث عنه القرآن في مناسبات عديدة أهمها مناسبة خلق السماوات والأرض. المعراج هو عالم ممكن متحرك ليس مطلوبا في ذاته، بل هو رابط بين عالمين: السماء والأرض. نحن سميناه رابطا، لكن بعض المفسرين سموه «فصلا» اعتبروه؛ فقد ورد في تفسير ابن كثير: هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة «. الدنيا عالم مرجعي والآخرة عالم ممكن والسير بينهما هو طريق يوصل بينهما تساق فيه الروح وتعرج إلى خالقها وبالطبع ينقلب الزمان ومعناه ليصبح ذا دلالة أخرى تأخذ من عمر الفانية عدتها بآلاف السنين. الحاجة إلى الزمان في المعراج ليست كالحاجة إليه في الجنان؛ عالم الخلد لا قيمة فيه للزمان ولكن المعراج بما هو طريق محتاج إلى الزمان.
التعبير عن الزمان في العالم الممكن في القرآن فيه ثلاث ميزات: أولها أن الزمان مقولة ثابتة فيه؛ وهي ليست وحدة قياس مثلما يمكن أن نراه في الدنيا، فالزمان قد لا يكون وعاء مثلما هو في الدنيا فللأحداث في عالمنا الفعلي تسلسل وتعاقب وتجدد وتكرر، ولكن قد لا توجد في العوالم المفارقة (الممكنة) أحداث محتاجة لوعاء زماني. لكننا نحن من يترجمها بعقل السارد إلى أحداث، فنضفي عليها طابعا زمانيا فيه السابق واللاحق والمدى وغيرها من المفاهيم التي يقتضيها الزمان. بعبارة أخرى هي أقوال تسرد بمنطق دنيوي عن آخرة مفارقة. ثانيها أن الزمان اللغوي المتحدث عن الزمان المفارق ينكسر أحيانا حين يستعرض ما يكون في الدنيا أو الآخرة، لا بشكل تعاقبي، بل بمنطق سببي، فأن يصلى المرء بنار حامية هو علة لارتكابه في الدنيا آثاما. الرابط هنا العلة وليس التعاقب، رغم وجود ذهن دنيوي يتشبث بهذا التعاقب؛ القراءة التعاقبية تجعل المؤمن يعيش ثم يجازى لكن ماذا لو كان المرء جبريا، يعتقد أنه ليس مخيرا في أفعاله وأن ما سطر في العالم الموازي حكم عالمه الفعلي. هو عالم موازٍ لأنه كتب فيه كل شيء وما الدنيا إلا تنفيذ لتخطيط مسبق. ثالثها أن الزمن اللغوي في القرآن الكريم يستحيل زمانا محايدا، حين يتحدث عن العوالم الممكنة، وعلى النقيض من ذلك يصبح الزمان اللغوي ماضيا أو غابرا وواقعيا حين يتحدث عن الأمم الغابرة.
ولنا في الحديث عن ابتلاع الحوت للنبي يونس، مثال رفيع عن هذه المظاهر الزمانية اللغوية الثلاثة التي تكون في القرآن يقول تعالى في سورة الصافات (143-144): « فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ» نحن نرى حضور الزمان اللغوي في سرد حكاية يوسف باعتبارها قد حدثت فعلا في عالم الدنيا الواقعي، ونرى في الآية 44 تصريفا للزمان بين عالمين ولكنه بناء للأحداث على عالم ممكن، فالنبي يونس لم يقم في بطن الحوت إلى يوم البعث، وإنما بني الكلام على فرضية مفارقة لفرضية ما حدث. فالعالم الممكن وهو البقاء إلى البعث في بطن الحوت لا يمكن أن يفهم إلا بناء على عالم مرجعي حدثت فيه الوقائع لمدة زمنية قصيرة. المدى الزمني هو الذي يجعل العالم الممكن كذلك، ويجعل العالم الواقعي بما فيه من أعاجيب عالما واقعيا: إن الحوت ابتلع يونس غير أنه لم يقم في بطنه كثيرا ونجا. أن يظل يونس في بطن الحوت مدة قبل أن يبعث يعني أن البعث هو عالم تنتقل فيه الموجودات إلى حالة أخرى لم تكن لها هذا هو الذي يجعل زمن الآخرة ما بعديا. كان يمكن ليونس أن يعيش في عوالم ممكنة لكن الله تدخل في التاريخ ليصنع له واحدا من تلك العوالم: أن يقيم قليلا في بطن الحوت ثم ينجو بفضل العبادة. إن الله كما يرى لايبنيتز يختار للناس أفضل ما يمكن من العوالم الممكنة لتكون واقعا.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية