الزوجة… مئة عام من التحولات

حجم الخط
2

سنة 1895 كتب أنطون تشيخوف قصته «الزوجة» بنظرة قاتمة، ولكن غير مألوفة في عصره، حيث يكتشف الزوج خيانة زوجته له، فيقرر مواجهتها مقترحا الطلاق عليها لتعيش مع من تحب، خاصة أن أيامه معدودة، بعد أن أصيب بمرض السل، ولكن الزوجة ترفض الطلاق، وتصر على مواصلة علاقتها بعشيقها، أولا لأنها لا تريد أن تخسر مكانتها الاجتماعية كزوجة، وثانيا لأنها تدرك في أعماقها أن عشيقها لن يستمر في علاقته السرية معها لأكثر من سنة.
كانت المعادلة آنذاك، صادمة، فالمرأة بالكاد بدأت تكسر القيود الذكورية عنها لتثبت وجودها، فكيف بكشف فكرة مجنونة كتلك؟ كان الأمر مشابها لقصة تولستوي الشهيرة «آنا كارنينا»، مع اختلاف في النهايات، فقد قرر تولستوي أن ينهي حياة آنا العاشقة، وينهي معها الحب، وآفاق التحرر، راسما بشاعة المجتمع، بدون إدانته تماما، كون الانتصار كان في كفته دائما.
تلك «الزوجة»، التي تخيّلها تشيخوف، متأنقة بعباءة من التُّهم، ليست هي «الزوجة» التي تخيلتها ميغ وليتزر، فبين الزوجتين أكثر من قرن، وبينهما أيضا سيل من الفروق الجذرية. الغريب أن يصادف تحويل رواية وليتزر إلى فيلم بعد موجة الغضب التي طالت جائزة نوبل بسبب التحرش، والثورة التي بدأتها النساء ضد الذكورة الظالمة.
في الرواية الأمريكية التي أتقن المخرج السويدي بيورن رانج ترجمتها للسينما، (سيناريو جين أندرسون) مستثمرا عبقرية كل من غلين كلوز، وجونثان بريس، تنكسر قاعدة «وراء كل رجل عظيم امرأة» لتنكشف حقيقة قالها زياد الرحباني ساخرا ذات يوم «وراء كل رجل عظيم امرأة أعظم» وربما ما ذهبت إليه الرواية كان أبعد من ذلك، فالمرأة العظيمة لا نراها في الغالب، لأن الظلال الذكورية تخفيها بشكل أو بآخر! وقد يكون من يخفيها تافها، ظالما، أو غبيا، مسكينا، أو فاشلا، أو فاشيا مستبدا، ففي الغالب تفني المرأة حياتها في ترميم هيكل رجلها المزعوم أمام المجتمع، معتقدة أن ذلك ما سيحميها من المجتمع، وذئابه (زوجة تشيخوف التي تخرج في الظلام للقاء عشيقها، محافظة على صورتها الاجتماعية المعهودة لضوء النهار).

لعلّ الوقت حان لتتوقف عن لعب دور «صانعة الأبطال» في الظل، لتصنع نفسها أولا كي تثبت للعالم أنها قادرة فعلا على ذلك، مادامت الفرصة سانحة اليوم.

تعيش المرأة بوجهين، تماما كما يعيش الرّجل بوجهين أيضا، أو في أكثر من وجه، لكن في لحظة ما يفقد أحدهما السيطرة على نفسه، ولا يقوى على مواصلة أداء الدور، قد يكون بسبب يقظة ضمير متأخر، وقد يكون إدراكا لفداحة الخسارة، كما حدث لجوهان كستلمان التي رافقت زوجها جوزيف إلى هيلسنكي لتسلم جائزة نوبل للآداب. فقد عاشا حياة زوجية طويلة بدت هادئة وناجحة، إلى أن بلغا قمة «نوبل» لحظتها أصيبت «الزوجة» بالهلع مما فعلته بنفسها، وكيف أصبحت مجرّد شبح في حياة زوجها، كاتبة في الظل، امتص زوجها الحبيب أجمل سنوات عمرها لبناء ذاته، بدون أن ينسى غرائزة وشهواته، ففيما كانت تعمل ثماني ساعات متواصلة يوميا لإنجاز رواياته الناجحة، كان هو يتنقل بين عشيقاته ليستمتع بالحياة، ويقفز بين المحافل الأدبية للتباهي، مرضيا غروره ككاتب ناجح.
في لحظة التكريم وقف السيد كستلمان لشكر زوجته التي هيأت له الأجواء في بيته ليكتب، فبدت الكذبة أضخم من وعيها، لأن الحقيقة كانت مغايرة لذلك تماما، كونها هي من كان يكتب تحت ضغوطه، فيما تولّى الاهتمام بالأطفال والطبخ وإدارة أمور البيت، وبما أنّه هو نفسه استخف بما كان يقوم به من أشغال منزلية، فقد أدركت الزوجة متأخرة، أن كذبته قامت على تحقيرها أمام جمهور قرائه، ومتابعيه مستغلا عاطفتها نحوه لتحقيق مراده.
من نال «نوبل» إذن؟ الزوجة الشبح أم الكاتب الذي احتفت به الصحافة في العالم، ويقف تحت الأضواء منذ البداية؟
الصحافي المثابر «كريستيان سلاتر» الذي كان «مسمار جحا» في حياة بطلنا، ظل يبحث في حياة الزوجين حتى اكتشف موهبة الزوجة التي فضلت أن تعيش في الظلّ، رَكّب قطع «البازل» حتى تكوّنت القصة الكاملة لديه، وعرف أن الزوجة هي التي كانت تكتب لزوجها. لقد انجلى الكثير من الغبار عن دور المرأة المختبئ تحت عنجهية الرّجل، وأعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعي وانفتاح العالم على بعضه بعضا، أعاد للمرأة دورها المسروق منها لعقود من الزمن. وفي هذا الشأن سمعت منذ بواكير عمري عن قصص مماثلة، عن نساء سخّرن أنفسهن لأزواجهن، كاتمات أسرارا خطيرة عنهم، ليس فقط بشأن خيانات شخصية، بل بشأن أمور أخرى أعظم، تطال وطنية بعضهم، وممارسات ممنوعة، وغيرها.. كما سمعت عن زوجات كتبن لأزواجهن، (أو لعشاقهن) باللغة العربية وبلغات أخرى، وصنعن بريقهم، ليس من باب تسلط الزوج أحيانا، بل من باب تحقيق نجاح معنوي في مجتمعات ذكورية، مُخْترِقات تلك الترسانة التي تطوّق المؤسسات المحرمة عليهن إلا بتنازلات… وفي كل الحالات كان التنازل واضحا في الرواية من طرف المرأة، كما في الحياة، لقد سحقت الزوجة نفسها من أجل أن يبقى هذا الزوج في حضنها، وقدّمت له كل ما يمكنها تقديمه، ومع هذا لم يكن ذلك كافيا، فتلك الخيانات العابرة كانت محاولات لردم عقدة النقص التي شعر بها دائما أمامها.
فأي تحليل هذا الذي مزّق الستائر كلها عن الغيرة البشرية بين الجنسين، غيرة تجاوزت الحب، ورابطة الزواج، والأبوة والأمومة والشيخوخة المشتركة؟ وهي بالضبط الشعور الذي هزّ الأنثى بعد كل تنازلاتها لاستدراك نفسها، لقد كان الغشُّ قبيحا لكليهما، وكان الخروج بالحقيقة إلى الأضواء قاتلا، مات السيد كستلمان، وعادت زوجته إلى ديارها، وقد أنّبها ضميرها لأنها فاتحت الصحافي الفضولي في موضوع سيهدم سمعة زوجها الرّاحل، لقد شعرت بأن الانتقام من رجل ميت نوع من الخسّة، كما شعرت بأن ابنها استمرار لذلك الزوج، وهو بحاجة إليها. كأنّ النهاية مفتوحة على هذا الاحتمال، كرسالة قوية إلى استمرار المرأة في صنع أبطالها في الخفاء، وكأن نكران الزوج ـ كما في الزيجات العادية – ينتهي بالزوجة دائما إلى تجنيد أبنائها ضده.
حلقة غريبة وقف داخلها أفراد عائلة واحدة ليتواجهوا بشأن الأدوار، الأب والأم والابن، وعقدة المئة عام التي تخطت فيها المرأة الغربية عقدة الجسد، لتبلغ عقدة إلغائها كعقل مبدع.
تزامن إطلاق فيلم «الزوجة» مع إلغاء جائزة نوبل للآداب لهذه السنة، بعد استقالة 18 عضوا بسبب فضيحة التحرش، والمؤسف أن الفضيحة لامست الآداب فقط، لهذا جاء الفيلم وكأنّه إعادة اعتبار للنساء في العالم، وسواء كان الأمر مقصودا أم لا – كون السينما الأمريكية لا تخلو أبدا من المحسوبيات – فقد نجحت في إيصال فكرة عظمة دور المرأة، والدعوة للتوقف عن تشويهه، فكل تشويه ستكون له امتدادات بعيدة في مستقبل الأجيال (كما اتضح في العلاقة المهتزة بين الابن ووالده، وفقدانه لثقته بنفسه).
بإمكاننا أن نعتبر جوهان كستلمان بطلة ميغ وليتزر هي الفائزة بنوبل 2018، بإمكاننا أيضا أن نعتبر وليتزر نفسها الفائزة، بتواطؤ ذكي من صنّاع الفيلم الذين برعوا في تقديم روايتها للسينما. كلها احتمالات واردة ومقبولة، ولكنّها تقوم على قاعدة واحدة، وواحدة فقط، وهي أن المرأة لا يمكنها تحقيق شيء يذكر إذا استمرّت في التّنازلات، ولعلّ الوقت حان لتتوقف عن لعب دور «صانعة الأبطال» في الظل، لتصنع نفسها أولا كي تثبت للعالم أنها قادرة فعلا على ذلك، مادامت الفرصة سانحة اليوم.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية