للنصوص سحرُها لا شك في ذلك، هذا إذا كانت لغتها ساحرة… لكن للنصوص سجنها الذي لا يسلم منه إلا من يعرف تخطي أسوارها، بعد أن تعلو وهو داخلها أو من يعرف كيف يكسر أبوابها بعد أن تُغلق عليه. السحر والسجن مرحلتان متتابعتان من مراحل قراءة النصوص، اهتم النقاد والمنظرون بالأول وأسقطوا من عنايتهم الثاني. السحر حالة جذب نفسية إلى النصوص، تشبه حالة فراشة الليل التي تظل تحوم حول شمعة لا تعرف لدورانها نهاية حتى يقتلها النور، بالدوار أو بالنار. لكن السجن حالة أكثر تعقدا من الجذب النفسي إلى النصوص، تشبه حيوانا مأخوذا برائحة طعم أو بلونه، يتناوله ثم ينغلق عليه باب الفخ، ويظل أسيرا ينتظر عبثا من يخلصه منه. لكن من يخلص فأرا من فخ نصب له إلا الموت؟ ومن يخلص عصفورا جميلا نصبت له الفخاخ إلا قفص يرمى فيه؟
حين تتعلم القراءة تتعلمها لتفك شيفرة المكتوب، ولولا أن النصوص تكتب لما احتجنا أن نتعلم كيف تُقْرأ. كان أول قراء تلك الشيفرات هم من كتبوا بها أولا، وعلموها مريديهم وأوصوهم بالتكتم على سر تفكيكها. كانت الكتابة في أول عهدها تشبه الطلاسم السرية، بل قل إن طلاسم الخطوط هي كتابة لم تنضج بعد أو لم تصبح ملكا مشاعا. السر في الكتابة والسحر عاشا معا كالتوأمين قبل أن يصبح للسحر معنى آخر غير معنى التوأمة مع الكتابة.
لا يمكن أن يكون صديقاً للكاتب غيرُ القارئ ولا يمكن أن يكون صديقا لمن طلب فك طلاسم السحر غيرُ العراف لذلك قال الفيلسوف الفرنسي لاكان Lacan إن تنظر في ثُفْل القهوة ليس هو نفسه أن تقرأ الكتابة الهيروغليفية.» ثفل القهوة وهو ما ترسب في الفنجان منها هو ما يتأمله العرافون لكي يمارسوا طريقتهم في قراءة الطلاسم، بعد أن تُرسم خطوط ما في فراغ الفنجان. لكن قراءة الحروف الهيروغليفية القديمة تتطلب عارفا حقيقيا، بما تفيده الأشكال التصويرية التي كتبت بها. لقد ظل العلماء يبحثون عن فك شيفرة الكتابة الهيروغليفية منذ القرن التاسع عشر، حتى جاء جان فرنسوا شونبوليون Jean-François Champollion فكشف أسرارها في عشرينيات القرن التاسع عشر، إلا أن التوصل إلى قراءة الهيروغليفية لم يتيسر إلا بالعثور على «صخرة رشيد»، وهي رقيم كتب بالهيروغليفية واليونانية القديمة والديموطيقية وهي خط مصري شعبي قديم استخدم في تدوين النصوص المصرية القديمة؛ فكت شيفرات الهيروغليفية اعتمادا على الترجمة.. لا يُعرف متى توفي آخر قراء الهيروغليفية. وفاة آخر قراء لغة مكتوبة وإن كان أقل خطرا من وفاة آخر الناطقين باللغة نفسها، فإنه حدث جلل أيضا: بموته يحمل كل مفاتيح القراءة والكتابة معا. وينبغي أن ننتظر قرونا حتى نجد من يستطيع أن يفك الشيفرة المجهولة، ويدشن عصر القراء الجدد، الذين سيتعلمون قراءة الخطوط لا عن كاتبيها الأولين مباشرة، بل بإعادة البناء، أي بتكوين عناصر معرفة جديدة بتلك اللغة تبنى لبنة لبنة.
حين تتعلم القراءة تتعلمها لتفك شيفرة المكتوب، ولولا أن النصوص تكتب لما احتجنا أن نتعلم كيف تُقْرأ. كان أول قراء تلك الشيفرات هم من كتبوا بها أولا، وعلموها مريديهم وأوصوهم بالتكتم على سر تفكيكها.
إلى الآن تحدثنا عن القُراء الذي يفكون شيفرة الكتابة، ولذلك نحن إزاء المعنى الأولي للقراءة؛ وإزاء قوم يقطنون خارج النصوص ويحرسون خطوطها ويعرفون معالمها إلى أن يموتوا فجأة وهم خارج النصوص. إلا أن هناك قراء آخرين يقتربون من النصوص اقترابا شديدا حين يمارسون القراءة بمعناها الثاني، وهي قراءة الفهم وما يقتضيه الفهم من تأويل وتفاعل مع التأويل، حين نقرأ نصا نحن لا نتوقف عند لغته الأولى الظاهرة نحن في الغالب نبحث عن المعاني التي خلف تلك المعاني الظاهرة، حتى إن كانت الكلمات بسيطة والمقامات واضحة فلا بد أن نبحث عما وراء الفهم البسيط، هذا دأبنا في التواصل اليومي: نحن لا نفهم الرسالة إلا بعد أن نسبر أغوارها، ونصل بالتأويل منتهى معناها الحقيقي. ونحن نؤول ما نقرأ من النصوص، مهما كانت تلك النصوص أدبية أو دينية أو تاريخية؛ شعرية أو نثرية نشعر بشيء من التفاعل معها، ولا أحد يقول لنا لا تتفاعلوا وأنتم تقرؤون وتؤولون، لذلك نترك العنان لأنفسنا المتفاعلة تنجذب أكثر إلى الأقوال. سحر النصوص ليس بالضرورة طُعما يقع على تخوم أساليبها، مثلما قيل لنا في أيام العرب النقدية؛ وليس الشعراء سَحَرة إلى ذلك الحد الذي يجعلوننا نقع لأجله وقوعا سهلا في شِراكهم السحرية. سحرية الوقوع داخل النصوص ليست من أمر اللغة وحدها، والإنشاء وحده مثلما قد نعتقد؛ والكلام الساحر ليس قوة في الكلام لوحده، ولا في الساحر الذي يقوله، بل هو قبل كل شيء قابلية للانجذاب صادرة ممن يقرأ.
ظلت السحرية التي توصف بها النصوص، توصف بأنها من أمر مركز النص، فالنص على نهج هؤلاء يجذب بلغته القراء، لأن تلك اللغة مختلفة أو مفارقة أو ساحرة. غير أن في التاريخ أشياء كثيرة تدل على أن نصوصا عادية ليس في لغتها أي نسيج مفارق، مارست وما تزال تمارس سحرا لا على الأفراد، بل على الشعوب. مثالنا البسيط على ذلك حكاية «ألف ليلة وليلة» التي ظلت تمارس سحرا على الأوروبيين بعد أن ترجمها أنطوان غالان Antoine Galland بين سنتي 1704 و1717 واشتهرت تحت اسم Arabian Nights (ليال عربية). هذا الأثر الذي لا مؤلف له، مارس جذبا جماعيا لقارئيه الغربيين، لأن لديهم رغبة في أن يعيشوا في الأجواء العجائبية، أو الممكنة التي تسردها شهرزاد على مسمع من ملكها ومَخْيَل، ملكها الذي كان يسهر على الحكي حتى تسكت هي عن الكلام المباح في أولى تباشير الفجر.. للحكايات في الليل سحر يختلط فيه القول بالحلم وبالسر.. للصباح نسيح وقائعي ولليل نسيج عجائبي. الفعل السحري الذي مارسه النص نابع من شوق دفين إلى هذه العوالم وليس إلى تفاصيل الحكايات ولا إلى الأسلوب العامي البسيط الذي كتبت به. الشرق بمفهومه الموسع الذي يبدأ من الهند ويصل إلى فارس، ويمرّ بالبلاد العربية هو العالم السحري الذي رآه الغرب في حكايات ألف ليلة وليلة، التي تحلم النفس الغربية بأن تسافر إلى هناك. يركب السندباد بساطه السحري، ويجول في العوالم العجيبة ويركب الغربي، وهو يقرأ الأثر، بساطَ النص ويجول بواسطته في العوالم الممكنة الموازية لعالمه.
لكن أن ينجذب القارئ ويسحره النص، لأن فيه رغبة ودافعا إلى أن يكون منجذبا مسحورا، فذلك شيء وأن يعيش القارئ مسجونا بالنصوص فذلك شيء آخر.
قد يقرأ المرء نصا آخر مثل «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي، أو قد يقرأ « تاريخ الخلفاء» للسيوطي، أو أي كتاب من التاريخ أو الأخبار القديمة التي قد تنقل لنا أخبار الخلفاء والوزراء والأمراء والحاكمين بأمر الله، بشيء من الإعجاب، إعجاب من يحن إلى أيام الساسة في ذلك العصر، أو بإعجاب من يقع في نفسه شخص يراه بديعا ولنقل مثلا الحجاج بن يوسف الثقفي أو هارون الرشيد أو عمر بن عبد العزيز. الافتتان بالنص يعني أن القارئ يصبح متفاعلا مع الخطاب، وكأنه وقائع فعلية؛ بل يصل التفاعل إلى درجة أن يسكن الشخص في النص أو الموقف، أو الأقوال ويتعامل معها لا على أنها ممكن، بل على أنها شيء حدث فعلا ويمكن أن يعاد. يبدأ فعل القراءة ولا ينتهي لأن القارئ وهو ينهي القراءة لا يعيد الكتاب إلى الدرج، بل يحمل وسادته وفراشه وذهنه وحسه ووعيه وقَراره وحُلمه ولغته.. ويغلق دفتي الكتاب عليه ويظل هناك.. تراه خيالا معك في المقهى وفي الشارع وفي القطار، وربما في البرلمان أو في السفارة والوزارة، ولكنه يكون ذهنا ووجدانا وعقلا سجين ما قرأ من خطابات وسجين لغتها وأحلامها الكبرى، التي صنعت في رأيه تاريخا يعتقده الحاضر والمستقبل.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية