مثل أمور أخرى في عهد نتنياهو، ها هي دبلوماسية السايبر التي أطلقها رئيس الحكومة السابق تقف الآن أمام مأزق. في سنواته الأخيرة في منصبه، تفاخر نتنياهو بإنجاز ثلاثي أثمرته سياسته: استئناف الضغط الاقتصادي على إيران بفضل صداقته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ واختراقة مهمة في العلاقات مع الدول العربية والإسلامية؛ وتوسيع دائرة أصدقاء إسرائيل في أرجاء العالم، خصوصاً بفضل صناعة “الهايتيك” المتطورة التي تملكها.
عندما استقبل كالملوك في الشرق الأقصى وشرق أوروبا، أو حتى في مؤتمر قادة دول شرق إفريقيا، فسر ذلك بقوة إسرائيل التكنولوجية والاقتصادية. قال للعالم بأن الدول تسعى لتكون الصديقة الأفضل لإسرائيل؛ لأن هذه الدول تريد التمتع بثمار تقدمها التكنولوجي. الانطباع المتولد لدى سامعيه هو أن إسرائيل تجلب للعالم التقدم والرفاه، مثلما تقاسمت أساليب الري المتقدمة مع بعض الدول الإفريقية قبل خمسة عقود.
كان الواقع أقل إبهاجاً؛ لأن ما سوقه نتنياهو لأصدقائه الجدد، وكثيرون منهم ديكتاتورات، أرادوا أن يراكموا لأنفسهم المزيد من القوة على حساب شعوبهم، بتكنولوجيا سايبر عدوانية. وهذه مكنتهم من اختراق الخصوصية ومراقبة والتجسس على صحافيين ومعارضين للنظام. وإلى جانب تعزيز العلاقات، توطدت علاقات بين الاستخبارات الإسرائيلية وشخصيات رفيعة في هذه الدول، التي مهدت أرضية لعقد صفقات لشراء برنامج “بيغاسوس”، وهو برنامج التجسس المتطور لشركة “ان.اس.أو” الإسرائيلية. صحيفة “هآرتس” كانت من أوائل الذين كشفوا هذا الأسلوب في تقرير عما وراء الكواليس لصفقة تم عقدها مع السعودية قبل ثلاث سنوات تقريباً.
لكن تلك الأيام التي عملت فيها الشركة سراً من هرتسليا، بتشجيع رئيس الحكومة النشط وجهاز الاستخبارات، انقضت بلا رجعة. “ان.اس.أو” متورطة الآن في مشاكل ضخمة على خلفية سلسلة ما تم كشفه عن نشاطاتها والعقوبات التي فرضتها عليها الإدارة الأمريكية في الشهر الماضي. يقدر جهاز الأمن أنها عقوبات ستؤدي إلى انهيار الشركة وإنهاء نشاطاتها خلال فترة قصيرة. تعتمد الشركة على ابتكار لا يتوقف. فهي على بعد تحديث واحد يشير إلى فشل منتجات الهواتف المحمولة لشركتي “آبل” أو “أندرويد”. وإذا لم تنجح في الاحتفاظ بالقوة البشرية الأفضل في العالم، التي ستواصل العثور على الثغرات في منظومات التشغيل، فلن تكون لها منتجات.
وقالت مصادر رفيعة للصحيفة بأن خطوة الولايات المتحدة شلت أي نشاط مستقبلي للشركة. “هم غير قادرين على أن يشتروا قلم حبر من فرع شركة فلمرت”، قالت المصادر. أي شركة أمريكية ترغب في بيع المنتجات لهم تكون بحاجة إلى ترخيص خاص. ويضاف إلى ذلك توجه استقالة العاملين. ففي الشركة يظهر توتر كبير، وعدد كبير من العاملين يفكرون بالاستقالة. وتخشى إسرائيل من ألا يكتفي الأمريكيون بهذه الخطوة، بل سيستهدفون سوق السايبر العدواني الإسرائيلي كله، وسيحاولون إخراج جميع الشركات الناشطة فيها من المنافسة.
تفاجأت إسرائيل من قوة العملية التي قامت بها الإدارة الأمريكية ضد شركة “ان.اس.أو” وشركة سايبر هجومية أخرى في إسرائيل، هي “كنديرو”. عمل الأمريكيون على خلفية التحقيقات الدولية التي كشفت استخدام أنظمة في أرجاء العالم لبرنامج “بيغاسوس”، وهو البرنامج الذي تم زرعه في هواتف محمولة لصحافيين ونشطاء حقوق إنسان ومعارضين للنظام. ازداد غضب أمريكا عندما كشفت قبل أسبوعين تقريباً أن حكومة أوغندا قد تكون استخدمت “بيغاسوس” لاختراق هواتف دبلوماسيين أمريكيين عملوا فيها. الهواتف المحمولة التي اخترقت كانت محلية، لا يتم تشغيل “بيغاسوس” ضد أرقام أمريكية.
يجد المستوى السياسي وجهاز الأمن أيضاً صعوبة في تقدير الاعتبارات التي وجهت الإدارة لهذا القرار، باستثناء الغضب من نشاطات الشركة. ويقف في الخلفية توتر بين إدارة بايدن وحكومة بينيت حول اختلاف الآراء بشأن المحادثات النووية مع إيران. قضية “ان.اس.أو” تعرض كدليل على سوء العلاقة مع الإدارة الأمريكية، التي تتمثل أيضاً في الخلاف حول البناء في المستوطنات والصعوبات التي تواجهها الإدارة في المصادقة على المساعدات الخاصة بمبلغ مليار دولار لإسرائيل في أعقاب عملية “حارس الأسوار”. يبدو أن إسرائيل لم تفهم أن هناك إدارة جديدة ذات أجندة جديدة، وهي متسامحة أقل بشأن كل ما يتعلق بخرق حقوق الإنسان.
تعمل في إسرائيل الآن 19 شركة تتعامل مع السايبر الهجومي. ومن غير المعروف في هذه المرحلة ما إذا كان الأمريكيون قد وسموها جميعها، بهدف منع المنافسة مع دول أخرى في هذا المجال، أو أنهم سيكتفون بخطوات ضد شركتين سبق وتم إدخالهما إلى قائمة العقوبات. تعتبر شركة “ان.اس.أو” رائدة في مجال “استقصاء نقاط الضعف”، أي العثور على نقاط ضعف يمكن من خلالها الدخول إلى أنظمة محوسبة وهواتف محمولة. يعمل في الشركة عشرات الباحثين المتميزين في هذا المجال.
أحد المخاوف التي ثارت في جهاز الأمن هو أن هؤلاء الباحثين سيبحثون عن عمل في شركات أجنبية وسيستغلون المعرفة التي اكتسبوها لتقديم خدماتهم لصالح زبائن آخرين. وقال عاملون في الشركة إن أجواء حزينة ظهرت مؤخرا هناك، وأن عدداً كبيراً منهم يبحث بالفعل عن وظائف بديلة، على خلفية الصدمات التي أثارتها التحقيقات، وبعدها الخطوة الأمريكية. قدر العمال أنه -خلافاً لما هو دارج في الشركة وفي شركات ناجحة أخرى في هذا المجال- لن يتم توزيع زيادات للعمال هذه السنة.
تعترف إسرائيل بأثر رجعي أن الرقابة على العقود التي وقعتها “ان.اس.أو” في السابق كانت ضعيفة جداً. حكومة نتنياهو تاجرت ببرامج التجسس بسعادة. وحسب التقرير، ساعد الموساد في الوساطة الأولية لهذه الصفقات. أما ادعاء الشركة بأنها قيدت بيع برامج التجسس لمكافحة الجريمة والإرهاب فقد اعتبر إشكالياً؛ لأن بعض الدول التي اشترت البرنامج هي دول ديكتاتورية، وتعتبر أي معارض للنظام أو صحافي منتقد، مجرماً أو إرهاباًي، وبهذا تبرر استخدام التكنولوجيا التي اشترتها ضده.
ولكن التفاصيل لم تكن معروفة لجهاز الأمن. وحتى الآن، ثمة صعوبة في معرفة ما الذي تضمنته بعض هذه الصفقات، وأي هواتف تم اختراقها في أعقاب ذلك. ومن غير المستبعد أن يتم نشر المزيد من المعلومات عن استخدام التكنولوجيا الإسرائيلية في مهمات مشكوك فيها في غضون الأشهر القريبة القادمة. يحلق في الخلفية تهديد آخر على شركة “ان.اس.أو”، وهو الدعوة التي قدمتها ضدها شركة “فيسبوك” في محكمة أمريكية بذريعة أنها اخترقت برنامج المحادثات المشفر، “الواتساب”، الذي تمتلكه. يتوقع خلال المحاكمة أن يتم الكشف عن وثائق بعد بضعة أشهر. ويبدو أن موجة منشورات أخرى ستأتي في أعقاب ذلك.
بقلم: عاموس هرئيل وحاييم لفنسون
هآرتس 14/12/2021