السباق نحو البيت الأبيض: الانتخابات الأغرب في تاريخ الولايات المتحدة

عبد الحميد صيام
حجم الخط
1

الرئيس ترامب يشكك في سلامة الانتخابات البريدية

قبل أن أبدأ بكتابة هذا المقال ملأت أنا وعائلتي استمارات الانتخابات التي تشمل انتخاب الرئيس ونائبه وعددا من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وأودعتها البريد المخصص في المنطقة لاستقبال الاستمارات الانتخابية قبل الموعد الرسمي وهو الثالث من تشرين الأول/نوفمبر المقبل. وقد بلغ عدد المصوتين بالبريد لغاية الآن أكثر من خمسة ملايين. وتأتي هذه الإجراءات الاحترازية لتجنب الصفوف والتجمهرات الكبيرة أمام محطات التصويت يوم الانتخابات بسبب وباء كورونا الذي ما زال يصيب الآلاف يوميا. لقد بلغ عدد طلبات الولايات لاستمارات التصويت عن طريق البريد أكثر من 66 مليون استمارة علما أن الرقم لا يشمل كل الولايات. فكاليفورنيا مثلا تسلمت 20 مليون استمارة لكل المؤهلين للتصويت، وتوقعت صحيفة “نيويورك تايمز” أن يصل عدد الاستمارات الموزعة على الناخبين إلى 75 في المئة من المؤهلين للمشاركة في الانتخابات وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة حيث كان التصويت بالبريد يقتصر بشكل عام على عدد محدود من غير القادرين على الوصول إلى المحطات الانتخابية أو من عناصر القوات المسلحة المنتشرة خارج الولايات المتحدة.

الرئيس ترامب يشكك في سلامة الانتخابات البريدية ويعتبر أن هناك فرصة للتزوير ويطالب الناخبين أن ينتظروا ليوم الانتخابات والذهاب شخصيا إلى مراكز الاقتراع. ووعد أن يضع أنصاره لمراقبة كل مراكز الاقتراع وهو ما قد يؤدي إلى توتر واحتكاك مع المواطنين أو مع الموظفين الرسميين في المراكز.

إذن هذه هي الانتخابات الأغرب وربما الأخطر في تاريخ الولايات المتحدة. فلم يصدف من قبل أن التقت مجموعة عوامل تجعل من الانتخابات الرئاسية سابقة تخرج عن المألوف كما هو الحال الآن. ولنراجع هذه الظروف الغريبة.

أولا- هذه أول انتخابات في تاريخ الولايات المتحدة تنعقد في ظل وباء شامل أصاب أكثر من ثمانية ملايين مواطن توفي منهم أكثر من 218 ألف أمريكي، وموجة الوباء الثانية في طريقها وقد تكون أخطر من الأولى كما حذر أنتوني فاوتشي، رئيس المعهد الوطني للأمراض المعدية. الحزب الديمقراطي يضع اللوم بشكل رئيسي على الرئيس ترامب الذي سخر من الوباء وقلل من أهميته وشجع الناس أن يستمروا في حياتهم العادية. وعندما تبين له ولغيره أن الوباء أخطر بكثير مما حاول أن يسوقه في بدايات الأزمة عاد وألقى باللوم على الصين واعتبرها مسؤولة عن هذه الجائحة واعتبر أن منظمة الصحة العالمية متآمرة مع الصين، لكن مشروع قرار حاول طرحه في جمعية الصحة العالمية في شهر أيار/مايو الماضي للتحقيق مع المنظمة لم يجد من يؤيده إلا أستراليا فسحب مشروع القرار واضطر ترامب حفاظا على ماء وجهه، أن ينسحب من المنطمة ويوقف تمويلها.

التعامل مع جائحة كورونا يشكل موضوعا رئيسيا في الحملة الانتخابية الحالية. فبينما يعد الرئيس بتوفير اللقاح مجانا للملايين إلا أن أحدا لا يصدق هذه البشائر، كما لم يصدقوا حكاية إصابته بالوباء وتعافيه فورا، والتي يحاول توظيفها في الانتخابات التي لا يفصلنا عنها إلا 16 يوما.

 ثانيا- بسبب هذه الجائحة تشهد البلاد تراجعا اقتصاديا ونسبة بطالة عالية وارتفاعا حادا في نسبة الوظائف المفقودة لم يكن لها مثيل منذ الانهيار الاقتصادي العظيم عام 1929. فبعد أن انخفضت نسبة البطالة إلى أقل من 4 في المئة في الشهور التي سبقت الجائحة، ما جعل ترامب يتبجح أن الاقتصاد الأمريكي لم يكن في حال أفضل مما هو عليه خلال إدارته، عادت وارتفعت النسبة لتصل إلى أكثر من 14 في المئة في آذار/مارس ونيسان/أبريل وهي أعلى نسبة منذ “الانهيار الاقتصادي العظيم”. لكن بعد تخفيف الإجراءات، وبتشجيع من ترامب وأنصاره وخاصة في الولايات التي يحكمها الجمهوريون، انخفضت النسبة إلى نحو 8 في المئة. وقد حاول ترامب أن يغرق الأسواق بالمحفزات المالية والقروض الميسرة وخاصة للشركات، ومضاعفة الامتيازات للعاطلين عن العمل وتمديد فترة تزويدهم بالرواتب والعلاوات لمدد طويلة كي يمتص النقمة.  لكن تبقى الحقيقة أن الأسواق ما زالت شبه خالية والبطالة عالية وكثير من المحال التجارية والأعمال الصغيرة أقفلت أبوابها وإلى الأبد وخسرت سوق العملة نحو 22 مليون وظيفة، وفي ذروة الأزمة تمكن السوق من استرجاع نحو 40 في المئة منها لكن ليس بالضرورة الوظائف نفسها. وحسب استطلاع “PEW” في منتصف آب/أغسطس فواحد من كل أربعة تعثر في القيام بالتزاماته المالية، وواحد من كل ثلاثة اضطر أن يسحب من مدخراته، وواحد من كل ستة أشخاص استدان أموالا من أقارب أو أصدقاء. لكن بعض الصناعات ضاعفت أرباحها عدة مرات مثل التجارة الإلكترونية وشركات التوزيع  مثل “أمازون” التي جمعت مزيدا من المليارات. لقد ارتفعت نسبة التسوق الإلكتروني للحاجات اليومية من طعام وشراب ومستحضرات غسيل وغيرها بنسبة 56 في المئة. فالاقتصاد والبطالة وزيادة الفقر من جهة ومضاعفة ثروة الأغنياء موضوع أساسي في هذه الانتخابات.

 ثالثا-  تجري هذه الانتخابات في ظل موجة واسعة لمناهضة العنصرية والتمييز ضد السود أساسا وضد الأقليات والمهاجرين بشكل عام. فانطلاق حملة “حياة السود مهمة/لها قيمة” ما زالت منتشرة على طول البلاد وعرضها، وان اختفت حدة المواجهات إلا أن الحملة التي انطلقت على إثر مقتل جورج فلويد يوم 25 أيار/مايو في مدينة مينيابوليس هزت المجتمع من جذوره ووضعت الحركة اللوم أساسا على سياسات ترامب الذي يتعامل مع الحركات العنصرية وتجمعات البيض الذين يؤمنون بتفوق العرق الأبيض بمنتهى البرود بل والحنان ويرفض إدانتهم، علما أن حوادث الإرهاب المحلي والعنف والمذابح ازدهرت في عهد ترامب بشكل واضح تماما. وفي تقرير صادر بتاريخ 4 شباط/فبراير 2020 عن “رابطة أمهات بحاجة إلى عمل” (لمناهضة امتلاك السلاح الفردي) جاء فيه أن 100000 أمريكي قتلوا بالسلاح الفردي منذ بداية إدارة ترامب. كما تميز عهده بوقوع مذابح كبرى مثل ما جرى في سنته الأولى حيث قتل 58 شخصا في لاس فيغاس، و25 شخصا في كنيسة بتكساس وغيرها الكثير لا مجال لمراجعتها. وقد رفض مجلس الشيوخ المسيطر عليه من الجمهوريين التوقيع على قانون اعتمد في مجلس النواب يتطلب مراجعة خلفية من يريد أن يشتري السلاح. ولا نعجب من ذلك إذا عرفنا أن “الرابطة الوطنية للبنادق” وهي أقوى مجموعة ضغط في الولايات المتحدة، قدمت لحملة ترامب الانتخابية عام 2016 مبلغ 30 مليون دولار. لقد تهافت الأمريكيون على شراء السلاح الفردي بعد انتشار وباء كورونا ليصل مجموع القطع التي بيعت بعد آذار/مارس أكثر من ثلاثة ملايين قطعة.

رابعا- هناك رئيس في البيت الأبيض يرفض لغاية الآن أن يقر بأنه سيتقبل الهزيمة في حالة فوز منافسه الديمقراطي، ويثير مسألة التزوير في الانتخابات، تلتف حوله جماعات من المتطرفين البيض والميليشيات المسلحة التي تعتبر نفسها رهن إشارته لتحرير أمريكا من الغرباء وإعادتها للعنصر الأبيض الذي في رأيهم، من بنى هذه البلاد وجعلها القوة الأعظم في العالم.

استطلاعات الرأي تقول إن الفارق بين المرشحين الآن وصل إلى 11 في المئة لصالح بايدن، وترامب يعتبر أن كل هذه الاستطلاعات كاذبة ومؤامرة وأنه مصر على ان انتصاره مؤكد ضد “جو النعسان” و”المتطرفة اليسارية” كمالا هاريس اللذين يريدان أن يفرضا نظاما اشتراكيا في البلاد.

في المرة الماضية كانت استطلاعات الرأي تعطي نفس الفارق لصالح المرشحة هيلاري كلينتون، لكن إطلاق العديد من الرسائل الإلكترونية السرية قبل موعد الانتخابات بأيام، والتي قيل إن “روسيا كانت وراءها” قلص الفارق بين الإثنين لعدة نقاط وفاز في المحصلة ترامب. عادت نظرية المؤامرة هذه الأيام تنتشر بسرعة وتشير إلى احتمال التدخل الروسي لصالح ترامب، إذ لا يخفى على أحد أن رجلا أرعن مثل ترامب يعزز الانشقاقات الداخلية ويعزل أمريكا عن حلفائها وأصدقائها ويورطها في أكثر من أزمة وصراع ويظهرها دولة مناهضة للقانون الدولي والعمل الجماعي، أفضل بكثير للاتحاد الروسي من إدارة واعية تعرف كيف ترمم الخراب الذي تركه ترامب داخليا وخارجيا. ولذا يجب ألاّ نعول على استطلاعات الرأي كثيرا وننتظر نتيجة الانتخابات فقد نخطئ جميعا ويفوز ترامب بدورة ثانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية