كيف ينظر اليمين الأمريكي إلى حراك السترات الصفراء؟
فلندع جانباً شخصية مثل ستيف بانون، “كبير ستراتيجيي البيت الأبيض” كما كانت تسميته تقول خلال توليه المنصب طيلة الأشهر السبعة الأولى من الإدارة الراهنة؛ فهذا رجل يؤمن بأنّ طيف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما يمثّل من يمين وانعزال وذرائعية، يجوس حشود الاحتجاج في أيّ، وكلّ، شوارع الغرب المعاصر: من النمسا والمجر، إلى هنغاريا وإيطاليا، دون إغفال فرنسا وبلجيكا هذه الأيام على نحو خاص.
ولنذهب، في المقابل، إلى رجل مثل فريد زكريا؛ الصحافي الأمريكي من أصل هندي، الكاتب المساهم في “واشنطن بوست” و”نيوزويك” و”تايم”، مقدّم البرامج في CNN، أحد مهندسي التبرير العقائدي لغزو العراق سنة 2003، ومؤلف “العالم ما بعد الأمريكي” و”مستقبل الحرية: الديمقراطية اللاليبرالية في الداخل والخارج”. إنه، باختصار، نموذج الليبرالي الوسطي، حسب تعريفه لنفسه، واليميني غير الوسطي طبقاً لمواقفه كافة، وليس على وجه التقريب؛ سواء اتصل الأمر بالتفلسف حول شؤون الداخل الأمريكي، أو التنظير للموقع القيادي الكوني الذي أُلقي على عاتق أمريكا مرّة وإلى الأبد.
حراك السترات الصفراء، وليس في فرنسا وحدها بل قياساً على نظائره في بريطانيا والولايات المتحدة، حتى دون سترات من أيّ لون؛ هو، في يقين زكريا، “ردّ فعل ريفي ضدّ النُخب المدينية”، حتى إذا اكتسى ببعض ملامح “شبه طبقية، شبه ثقافية، مع عنصر اقتصاد كبير”، كما يشخص في مقالة نشرتها “واشنطن بوست” مؤخراً تحت عنوان “خطّ الافتراق الجديد في السياسة الغربية”. وأمّا جوهر هذا الخطّ فإنه، بوضوح مذهل حقاً: “الشرخ بين المدينيين الأفضل تعليماً نسبياً، وسكان الأرياف الأقلّ تعليماً”… ليس نسبياً، هذه المرّة!
ولن يكتمل اختزال زكريا إلا إذا لجأ إلى مؤرخ متفلسف (قد لا تكون مصادفة أنه إسرائيلي!)، من طراز يوفال هراري، صاحب “21 درساً للقرن الواحد والعشرين”؛ وإلى ركيزة في نظريته تقول إنّ الإيديولوجيات الثلاث الأقوى في القرن العشرين (الفاشية والشيوعية والديمقراطية الرأسمالية) وضعت “الإنسان العادي” في صدارة وعودها المستقبلية، وحان الآن أوان السؤال عمّ تبقى له، ذلك الإنسان، في عصر الكومبيوتر والعقل الآلي. في عبارة أخرى، جوهر السترات الصفراء في فرنسا، أو أيّ مكان آخر من هذا الغرب الرأسمالي، يخصّ هذا الافتراق أيضاً في قناعة زكريا.
وقبل عقد من الزمان، تأمل معلّق أمريكي يميني محافظ آخر، جيم هوغلاند، ما كانت فرنسا تشهده من حركة احتجاج عارمة ضدّ قانون العمل الجديد، الذي عُرف باسم “عقد الوظيفة الأولى”؛ فأطلق على الحراك ذاك صفة “الجنون”، قبل أنّ يردّه إلى جنون سنة 1789، عام الثورة الفرنسية التي لم تبدّل وجه فرنسا مرّة وإلى الأبد فحسب، بل قلبت أوروبا بأسرها رأساً على عقب. يومذاك لم يكن المتظاهرون يرتدون أية سترات ملوّنة، ولم يكن “خطّ الافتراق” يفصل بين الريف والمدينة، ولهذا لم يملك هوغلاند مقاومة إغراء تلفيق جذور فلسفية للحراك، تعود إلى 360 سنة خلت: إلى رينيه ديكارت، ومبدأ الشكّ، والعبارة الشهيرة التي انقلبت على يد هوغلاند إلى “أنا أحتجّ، إذن أنا موجود”!.
والحال أنّ مسخ الوقائع عن طريق زجّها في دوائر فاسدة من المقارنات التاريخية الركيكة والإحالات الفلسفية الكاريكاتورية، ليس ناجماً عن بلادة أو غباء أو قصور إدراك في هذا الميدان بالذات، أي الاحتجاج الشعبي الواسع القائم على أسباب مطلبية ومعيشية مصيرية. إنه، بالأحرى، منهج متكامل يعتنقه أصحابه عن سابق قصد وتصميم، للتعمية على الحقائق الجوهرية التي تخصّ سلسلة مآزق الليبرالية الوحشية، والطور الراهن من مآلات اقتصاد السوق.
هنا خطّ الافتراق الحقّ، فلتقفزوا هنا، إذن!