السحر الأسود يغزو العقول

من أفضل اللحظات التي نشعر فيها بالنشوة في حكاية علاء الدين، هي اللحظة التي يجد فيها هذا الصبي الفقير المشرد المصباح المسحور، ثم يبدأ في فركه، فيخرج الجني، ويلبي طلباته، وفجأة يصير علاء الدين أميرا مهيبا مطاعا. ولكن عندما يُسرق المصباح منه، يزول كل هذا، ولا يتبقى إلا علاء الدين بمكانته الاجتماعية القديمة الفقيرة. ولكن يكون قد اكتسب شخصية أكثر نضجاً، تستميت لتحقيق آمالها. وبالفعل، يصل في النهاية لمبتغاه بدون مصباح أو سحر، حيث أن السحر كله صار يكمن في شخصه هو. وسواء نسمع هذه القصة، أو نقرأها، أو حتى نشاهدها، نجد أننا سواء أكنا كبارا أو صغارا نستفيد منها، ونستقي العبرة، ونحاول أن نطبق الدروس المستفادة منها في حياتنا العادية، حسب استيعابنا لها. مع الأخذ في الاعتبار أنه لن يقوم الجميع بفهم رسالة هذه الحكاية؛ فهناك من يسمعها، ويستمتع بها، ويعتبرها مجرد حكاية مسلية، لا أكثر ولا أقل. ومن ثم، يسمعها، وقد ينساها، ولا يتذكر منها سوى اللحظات المثيرة، التي قد ينسى أيضاً تفاصيلها. فاستيعاب المرء للأشياء يعتمد بالضرورة على أمرين: أحدهما، قدرات المرء الذهنية، والآخر مدى الجدية في تحقيق أهدافه، وهذا بالفعل ما حدث بالنسبة لبطل الحكاية علاء الدين.
ونزولاً على أرض الواقع، هل فكرت يوماً لماذا توضع مثل تلك الحكايات في متناول الأطفال في مراحل تعليمهم الأولى؟ الإجابة هي للسبب نفسه الذي كانت فيه شهرزاد بطلة حكايات ألف ليلة وليلة تصر على تكرار مثل تلك الحكايات في صور مختلفة، على مسمع الملك شهريار. وذلك السبب هو: ترويض نزعات الملك، وإخراج أفضل ما عنده بطريقة غير مباشرة، تعتمد على الاستيعاب، أي أن شهرزاد كانت تقوم بدور المعلم، الذي يلقن الطالب دروسه، بطرح العديد من القضايا أمامه؛ لدغدغة أفكاره. وهذا هو المقصد نفسه الذي من أجله يتم طرح مثل تلك الحكايات على العامة في الماضي والحاضر، خاصة على الأطفال في مراحل تنشئتهم الأولى؛ لأن قدراتهم الاستيعابية أكبر؛ بسبب أنهم يسعون لإيجاد القدوة لرسم ملامح شخصياتهم.
ومن الناحية النفسية التعليمية، نجد أن ما يحدث في هذه الحالة هو عملية تلقين مقننة للطالب، تقوم على إرسال رسائل للعقل الواعي للإنسان Conscious ، تسمى برسائل فوق العتبة Supraliminal Messages؛ لأنها تخاطب الجزء الأعلى من عتبة الدماغ المطلقة Absolute Threshold Level الخاص بالوعي، يستقبل الدماغ تلك الرسائل من خلال إثارة محفزات فوقية Supraliminal Stimuli تثير ردود أفعال عصبية تستهدف تغيير السلوك بشكل مباشر. وهذا، قد يسمى مجازاً السحر الأبيض. لكن، مع تقدم العلوم، وعملية البحث العلمي، وجدنا أن الطب النفسي حالياً لا يستهدف إلا العقل الباطن Subconscious المسؤول عن نحو 95% من العمليات الذهنية بعقل الإنسان، والمتحكم الرئيسي في سلوكه وأفعاله، بدون أن يدري؛ حيث أن العقل الباطن Subconscious يكمن في الجزء الأسفل من عتبة الدماغ المطلقة Absolute Threshold Level، ولإثارته، يستلزم استحداث نوع آخر من المحفزات Stimuli. ومن ثم، كان لابد من استحداث ما يسمى بالرسائل الضمنية Subliminal Messages، التي تتسلل لتخاطب الجزء الأسفل لعتبة الدماغ المطلقة مباشرة.

استخدام الرسائل الضمنية على هذا النحو منتهى الإيجابية؛ فلكل شيء في هذا العالم جانب إيجابي وآخر سلبي. أما المشكلة الكبرى فتكمن في معرفة العواقب.

فردود الأفعال العصبية التي تثيرها تلك الرسائل، لا يمكن أبداً ملاحظتها لأنها تسلل للصندوق الأسود مباشرة الكامن في عقل الإنسان، الذي يسمى بالعقل الباطن. ومن ثم، فيمكن اعتبار تلك العملية نوعاً من السحر الذي يمارس على الإنسان، بصورة تفوق بمراحل التنويم المغناطيسي. وعلى هذا، تمت تسميتها مجازاً «السحر الأسود». فلو كنا نشجب استخدام الرسائل الضمنية، والشجب على أساس أنها ممارسة غير أخلاقية؛ لأنه يتم استخدامها بطريقة غير مناسبة لإخضاع البشر لهيمنة جهات معينة، فماذا لو تعلم أنه صار يتم استخدام الرسائل الضمنية في العملية التعليمية؟
فبعيداً عن العملية الدراسية داخل الفصول الدراسية المدرسية، التي من الصعب تغييرها جذرياً في جميع بلاد العالم، على حد سواء، لكن علماء الطب النفسي الحديث بدؤوا بالفعل إطلاق تجارب «السحر الأسود» على مبتغي التعليم الحر. فبعد نجاح استخدام عملية الرسائل الضمنية المنقطع النظير في الانتخابات والتسويق، التي تم اختبارها بشكل أساسي على البالغين، اتجه علماء الطب النفسي لإعادة هيكلة عقول الصغار، والراغبين في تحسين قدراتهم المعرفية. فلو حدث ودخلت على اليوتيوب، أو قمت بشراء وسائل التعليم السمعية بدون بمجهود، خاصة تلك المختصة بتعليم اللغات، لسوف تجد أنها تقوم بشكل أساسي على استخدام وسيلة الرسائل الضمنية. وبالإضافة لذلك، فإنها تنبلج عندما تعطيك رسائل مسجلة مدتها ثماني ساعات، تقوم بإعادة وتكرار معلومات لا تتعدى الساعة أو يمكن أقل، وتضع عنواناً لها «تعلم وأنت نائم». فيقوم الفرد بتشغيل هذا المحتوى، الذي وبكل شفافية، تعلوه كلمة إيكو EKO، فيظن المرء أنها تعني كلمة صدى Echo، باللغة الإنكليزية، وتم تحريف الكتابة للتسهيل، بدون أن يشك أي فرد أنها لربما كانت جزءاً من مشروع «إم كيه أولترا» MKUltra، الذي لا تزال دقائقه لا يعلمها سوى جــــهات صارت غير معلومة، بعد إتلاف الوثائق التي تحـــددها، وتتبع مدى تقدم مشروعاتها. وبالطريقة نفسها، تجد أن مدربي تنمــــية المهارات الفردية التابعـــين لمجال تنمية الموارد البشرية يستخدمون، بدون معرفـــة العواقب الرسائل الضمنية، ويعلنون ذلك بكل فخر واعتزاز؛ لأنهم توصلوا لطريقة سحرية لتعليم اللغات، وزرع توكيدات معينة في نفوس من يسمعهم ويشاهد تسجيلاتهم، لزيادة الثقة في النفس، وخلق طريقة مثلى للتعامل مع الآخرين.
وبدون أدنى شك، استخدام الرسائل الضمنية على هذا النحو منتهى الإيجابية؛ فلكل شيء في هذا العالم جانب إيجابي وآخر سلبي. أما المشكلة الكبرى فتكمن في معرفة العواقب. فمثلاً، الحروب، على الرغم من عواقبها الوخيمة، لكنها كانت السبب في تقدم جميع مجالات العلوم العلمية والنظرية، بلا استثناء. لكنها لا تزال حروبا، ولا تزال آثارها المدمرة باقية. وبناء على ذلك، خروج عينات التجربة لمجال مبتغي التعلم الحر، ونجاحها المنقطع النظير، لسوف يكون الحافز لدخول التجربة نفسها للفصول الدراسية التقليدية، وحينها لن يتم تحديد ما يتم توجيهه من رسائل ضمنية لعقول الصغار في مرحلة تكوين شخصيتهم.

٭ كاتبة من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية