قلاع العقول والسحر المكين

عندما كنا في مرحلة الطفولة، كانت تبهرنا جميعاً «حكاية سندريلا»، وكيف أتت لها الساحرة الطيبة، وبدّلت ثيابها المتسخة بأخرى فائقة الأناقة، بضربة عصى واحدة. ولكم كانت تحتبس أنفاسنا، ونشهق من فرط السعادة عندما تتحول ثمرة القرع إلى عربة تجرها خيول رائعة الجمال، هي في الأساس مجرد حشرات.
فمنذ ذلك اليوم، علمنا أن للسحر قوة براقة عظيمة، ولكم تمنى كل منا حينها أن يقابل هذه الجنية الطيبة. لكن الحال تبدل عندما قرأنا وشاهدنا «حكاية سنوايت»، ورأينا زوجة الأب الشريرة تستخدم السحر في إيذاء سنوايت البريئة. وتلك هي اللحظة الفارقة في حياة الأطفال؛ فحينها يدرك الطفل أن السحر يمكن أن يستخدم في أعمال الشر. ولكن في الوقت نفسه، يتسنى للبشر أن يمارسه. وكم تمنى الأطفال في هذه اللحظة أن يتعلموا السحر، حتى بدون أن يعترفوا بذلك لأنفسهم؛ فيكفي أن تشاهد الطفل بعد سماع أو مشاهدة هذه الحكاية يبدأ في مخاطبة المرآة – وكأنها المرآة المسحورة – مقلداً زوجة الأب الشريرة. والتفسير أنه، وبكل بساطة، اكتنز الطفل في عقله الباطن الرغبة في أن يسيطر على الأمور بأسرع طريقة، حتى لو كانت بالسحر مهما كان نوعه.
أما المفاجأة الكبرى، فكانت ظهور أفلام «هاري بوتر» التي اجتذبت مليارات المشاهدين من الأطفال والكبار، على الرغم من أن أبطالها مجرد أطفال، لكن لم يجعل هذا سلسلة هذه الأفلام موجهة للصغار. وعنصر الجذب في هذه الأفلام هو تقديم إثبات لعالم الطاقة المستترة، الكامنة في العقل الباطن، أن السحر حقيقة قائمة، ويمكن تعلمه. وفي حين طمح الأطفال في الالتحاق بمدرسة لتعليم السحر مثل هاري بوتر وأصدقائه، حاول العديد من البالغين والكبار إشباع هذه الرغبة الدفينة، إما بالطموح لتعلم بعض التعويذات السحرية لإصلاح ما يفسده الزمن في حياتنا، سواء أكانت من خلال ترديد بضع عبارات لها مفعول السحر من الكتب المقدسة والأذكار، أو محاولة تعلم تعاويذ سحرية، حتى لو كانت بسيطة، مثل تلك التي يرددها الأجداد لكيفية اجتذاب الأحباء، أو طرد الضيف الثقيل. ومن لا تتاح له فرصة فعل هذا، أو يدعي أنه لا يؤمن بذلك، فقد يلجأ إلى فتح نافذة على المستقبل، من خلال قراءة الكف، والفنجان، وأوراق التاروت، أو حتى معرفة الحظ، من خلال توقعات الأبراج. علماً بأن الكثير ممن يدعون عدم الإيمان بتلك الوسائل، إذا عرضت عليهم قراءة الطالع، قد يجربون ويرهفون السمع، مع ادعاء عدم تصديق ذلك.
لكن، الأمر قد تفاقم مؤخراً بشكل باتت السيطرة عليه حقاً مستحيلة. فقد انتشر على مواقع الإنترنت مواقع، ومدونات في – بادئ الأمر- لتعليم تعاويذ «السحر الأبيض» لاجتذاب الحبيب، والأصدقاء، والرزق، وما شابه ذلك من الرغبات المشروعة. والسحر في هذه الحالة قائم على مجرد إلقاء تعاويذ بسيطة، أو القيام بعمل طلاسم سهلة، لا تشابه تلك الكريهة التي يأتي بها السحرة في الأفلام. وقد ترتب على ازدياد عدد رواد تلك المواقع سواء من المطلعين على سبيل معرفة ما يدور فيها، أو من المتابعين الجيدين لها، على استحداث مواقع أخرى لتعليم «السحر الأسود».

والطامة الكبرى، كانت افتتاح قنوات لانهائية على اليوتيوب لعمل قراءات عامة وخاصة للفنجان، والتاروت، وخط الرمل. أضف إلى ذلك، قنوات لقراءة الحظ وملامح الشخصية، والحالة النفسية، وجوانب الحياة بالنسبة للأبراج المختلفة.

والغريب في الأمر، أن جميع هذه المواقع تم افتتاحها بشكل متزامن، بجميع اللغات، حتى تصير متاحة للجميع وبدون عوائق. ثم تطور الأمر، ووجدنا افتتاح أشخاص عينهم لصفحات لأنفسهم ليس لتعليم السحر، ولكن أيضاً لتقديم خدمات سحرية، أي أن الساحر في صورته القديمة، التي فيها يواري نفسه عن الأنظار، خشية أن يقع تحت طائلة القانون، من خلال ممارساته الشاذة، صار يجاهر بذلك بكل فخر، حتى وإن فعلها بشكل مموه.
والطامة الكبرى، كانت افتتاح قنوات لانهائية على اليوتيوب لعمل قراءات عامة وخاصة للفنجان، والتاروت، وخط الرمل. أضف إلى ذلك، قنوات لقراءة الحظ وملامح الشخصية، والحالة النفسية، وجوانب الحياة بالنسبة للأبراج المختلفة. وأصحاب تلك القنوات لهم صفحات بأسمائهم على الفيسبوك والإنستغرام، يؤكدون عليها في قنوات اليوتيوب الخاصة بهم. والمدهش في الأمر، عدد المشاهدات لهذه القنوات، وكذلك عدد المشتركين فيها حقاً هائلاً بشكل «خرافي»، لدرجة أنك قد تتصور أن الجميع قد انتقلوا من أرض الواقع، إلى تلك القنوات محاولين هدم أسوار المستقبل، حتى لو كان القائمون على هذه القنوات ليسوا مهرة، ويقدمون محتوى ضعيفا.
وبإمعان النظر في تفشي تلك الظاهرة الغريبة، نجد أنها ليست وليدة الصدفة؛ فهي، من ناحية، جزء من التجارب النفسية الحديثة التي تستهدف دمج علوم الباراسيكولوجي Parapsychology مع الطب النفسي، للسيطرة على القدرات الخارقة عند البشر. ومن ناحية أخرى، تهدف هذه التجارب إلى تنمية قدرات خاصة لدى الأفراد، الذين يتمتعون بتلك الموهبة حتى بدون أن يعلموا أنها متواجدة لديهم. فما يحدث في هذه الحالة هو عبارة عن جزء من تجربة تجري على نطاق واسع غير محدود، من خلال إرسال رسائل ضمنية Subliminal Messages للبشر أجمعين على سطح الكرة الأرضية. فليس وليد الصدفة التمهيد للتجربة من خلال انتشار أفلام على النطاق العالمي، بشكل مكثف عن السحر والسحرة، ورؤية المستقبل، بدون أدنى استثناء. وبلغ الأمر ذروته بانتشار تلك القصص من خلال حلقات تلفزيونية مثيرة، بشكل متزامن على الصعيد العالمي. فالرسائل الضمنية Subliminal Messages هنا يتم بثها مع بث تلك المواد المرئية، سواء أكانت سينمائية أو تلفزيونية مصنفة على أنها عروض لكل الأسرة. وتعمل هذه العروض الخبيثة النوايا على إثارة العقل الباطن لدى المشاهد، لتجعله يؤمن بوجود عالم آخر مواز، في القدرات الخارقة التي تتحدى حدود الزمن. ومن ثم، يستطيع الإنسان تحقيق حلم السفر للمستقبل، وإلقاء نظرة – قد تكون متمعنة ـ إلى ما سوف يحدث فيه من خلال السحر وقراءة المستقبل.
وبعد كل هذا، أما زلت لا تفكر في ما وراء ذلك من أسباب؟ فاتحاد الطب النفسي بعلوم الباراسيكولوجي، يستهدف فك طلاسم العقل البشري، التي لم يستطع أحد، مهما بلغت درجة براعته، التوصل لما يدور فيه من أفكار وخواطر. فهناك العاقل الذي يدعي الجنون، والمجنون الذي يلبس ثوب العقل، والخبيث، والطيب، والوفي، والجاسوس وغيرها من ملامح الشخصيات التي لا يمكن سبر غورها إلا بمعرفة ما يدور في عقلها. ومن ثم، وجب تجريد الإنسان من آخر درع له للتمتع بخصوصيته بعد انتهاك جميع أنواع الخصوصية من خلال الوسائل الرقمية الحديثة. وبالتأكيد، قلعة الخصوصية التامة الكامنة في العقل البشري على وشك أن يتم غزوها، لكن تلك المرة بأيدينا.

٭ كاتبة من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية