«السد» فيلم أساسه الطين والإنسان الصامت والمكتوم والصورة هي التعويض علي شرّي: رغبت بفهم منطق السدود والصراع على الماء وسد مروي وناسه أوحيا بالفيلم

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: في أعماله جوامع مشتركة ينطلق منها ليبني فيلماً على أسسٍ صلبة. الأرض هي البداية، ويليها الماء والطين أو التراب. علي شرّي مخرج صاحب رؤيا خاصة في تقديم أفكاره. هو الفنان الآتي من النحت ومن التشكيل وعالم الرقمنة. يقدّم أعماله السينمائية بلغة فنية خاصة جداً من شأنها استيلاد سيل من الأسئلة.

يُدرك علي شرّي أن أفلامه ليست ذات شعبية مُطلقة، لكنها بالنسبة له تحاكي الإنسان بماضيه وحاضره وتطلعاته المستقبلية. مع فيلم «السد» الذي خرج إلى الشاشات مؤخراً، خاطب الإنسان الذي يعمل بصمت ودون كلل لتحصيل عيشه، وفي شتى الظروف والأحوال. راح إلى سد مروي في السودان وجعل من عمّال الطوب نجوم فيلمه. عمّال سمتهم العمل والصمت، وكأن شقاء الجسد يحتاج لأن يتوج بشقاء الروح.
مع المخرج والكاتب علي شرّي هذا الحوار:
○ يشغلك التعبير بكل المتاح بين يديك من خبرات ومهارات والإنسان هو المحور كما قال فيلم «السد». الناس معذّبون هل لاح ضوء من مكان ما؟
•لست أدري إن كنت أمتلك جواباً على هذا السؤال الصعب. نعيش عنفاً في أكثر من مكان ومنه لبنان، حيث عشت كما غيري حروباً متعددة، وأعتقد أن الفن يشكّل عاملاً مساعداً لتحمُّل كل ما يحيط بنا. والفن يساعدنا لفهم كيفية تداخل تجربتنا الشخصية مع تجارب الآخرين حولنا. نعتقد خطأ ان ما نعيشه مستجد، لكنه جزء من تاريخ، ومن المنطقة والإنسانية. لست أدري إن كان للفن دور في بث الأمل، لكنه دون شك يساعد في تحمُّل الواقع. نحن نحتاج الجمال رغم كافة الصعاب، ونحتاج لإنتاج أشياء جميلة.
○ بعد فيلمين قصيرين قدمت فيلمك الروائي الأول «السد» رمزيات مشاهده ناطقة أكثر من أبطاله. هل هو انحياز إلى حرفتك الأولى البصريات؟
•أكيد. هو رهان على نطق الصورة من دون كلام. مكونات الفيلم من موسيقى وصوت وزمن المشاهد، جميعها بصدد سرد قصة. باعتقادي أن الفيلم يشبه منطق الحُلُم أكثر من تقديمه للواقع. كل منا يستيقظ صباحاً فإن كان قد شاهد حُلُماً، يعمل لتفسيره كي يفهم الواقع. هذا ما أراه من علاقة للسينما بالواقع، أنها تنتمي لمنطق الحُلم أيضاً، وتمكننا أكثر من فهم الواقع.
○ كم تأثّر تكوين مشاهد الفيلم بخلفية تكوين اللوحة التشكيلية؟ جمعت بين المطر والهواء والرمال والنار؟
•عناصر الماء والهواء والنار والتراب بالنسبة لي مدخل للتمكن من بناء وفهم القصة والتاريخ. يُنتج التاريخ مواد ويترك أثره على العائلة في حدث ما. فنحن الآن نلتقي ونتحاور في مكان لا تزال آثار تفجير الرابع من آب حاضرة فيه. هذا التفجير حدث تاريخي غيّر شكل المدينة. يمكننا بناء مدخل لتلك الأحداث بالنظر إلى العناصر، وكيف للنار والماء أن تشكّل مدخلاً لفهم ما حدث. العناصر هي لبُّ الفيلم وبالتأكيد مبعثها اهتماماتي وانشغالاتي وخاصة النحت. في النحت أستعمل التراب والطين وهي عناصر أساسية في الفن الذي أنجزه. في فيلم السد التركيز على عنصر الطين. فالعمّال يصنعون الطوب منه. والإنسانية جمعاء تنتمي للطين بدءاً من خلق آدم. وفي التورات خُلقت الغولا من الطين. وإنكيدو صديق كلكامش مخلوق من الطين. على الدوام رأت الإنسانية في خليط الماء والتراب بداية لنخلق ونصنع منهما عوالم مختلفة عن عالمنا. وما يقوم به ماهر في الفيلم هو خلق عالم مختلف عن العالم القمعي الذي يعيش فيه. يعيش ماهر من الطين، وكذلك يستعمله لخلق عوالم تختلف عن ما يعيشه من قمع وديكتاتورية.
○ كل من شاهد وسيشاهد «السد» له حشرية السؤال لماذا علي شرّي اللبناني أمام سد مروي السوداني؟
•صحيح. سدّ مروي هو أحد السدود الثلاثة التي تنتج الكهرباء على النيل، وهو الذي أخذني إلى السودان. إلى مروي هناك سد أسوان في مصر، وسد النهضة الكبير في أثيوبيا والذي أدى ولا يزال إلى صراع بين مصر وأثيوبيا على كميات المياه. رغبت بفهم الصراع على الماء وزيارة مناطق السدود وخاصة سد مروي الذي انجز سنة 2009. لم يكن الفيلم هدفاً، وحين التقيت بالعمال وأمضيت وقتاً معهم، أوحى المكان وناسه بالفيلم السينمائي. كل فيلم أنجزه يجب أن يكون مزروعاً بالأرض أي أن نقطة البداية مكان وأرض وجغرافية وتاريخ، ومن خلال تلك العناصر أبني قصتي. بالنسبة لي كلبناني وبعد كارثة الرابع من آب لا يزال الجرح كبيراً وطرياً، ومن الصعوبة مقاربة الحدث بفيلم سينمائي. الابتعاد بالزمن والجغرافيا عن الجرح والوطني الكبير قد يسهل الطريق لبناء فن عليه.
○ فقط الممرضة هي المرأة الوحيدة في السد. لماذا كل هذا الغياب؟
•هو الواقع الذي يعيش فيه العمال. كنت مهتماً بإظهار غياب المرأة. نفهم من ماهر أنه يخاطب حبيبته عندما يتيح له الهاتف. بعد تصوير الفيلم تزوج ماهر من حبيبته. في الواقع العمل في الطوب موسمي، والعمّال يقيمون في مكان العمل بين 9 و10 أشهر، ومن ثم يعودون إلى قراهم. يتوقف العمل لشهرين أو ثلاثة خلال الصيف بسبب فيضان النهر حيث يتشكل الطمي. ينخفض الماء في ايلول/سبتمبر وتنطلق دورة العمل. هذه الإقامة الطويلة تشكل تلك العلاقة بين العمّال. فهم منظمون ويديرون أمورهم بشكل تعاوني ويتناوبون على إعداد الطعام. وفي الوقت عينه كل منهم يعيش وحدته. ومن هنا منبع الصمت في الفيلم. يهدف العمّال للعمل وتحصيل المال والعودة إلى قراهم. ومزيداً من العمل والإنتاج يعني مزيداً من تحصيل المال. وغياب المرأة مرده لهذا الواقع. وحده مشهد الممرضة تعتني بجرح ماهر كسر هذا الغياب.
○ بطل فيلمك ماهر الخير يصارع الطين ويدلكه صعوداً والمطر ينهمر. ما هي مندرجات هذا الصراع والغضب المتفجر من يديه وعينيه؟
•لسنا على علم بما يبنيه ماهر بعيداً عن موقع العمل. وفي موقع العمل يبني الفرن الذي يشوي حجارة الطوب. في الصحراء كان ماهر يبني كفنان بعيداً عن إرادة الخالق. في حركته هذه كان يُخرج ما بداخله. شعور الوحشة ليس تعبيراً بسيطاً، بل هو مستمد من الوحش أو المكان الموحش الذي تسكنه الوحوش. برأي إنها الوحدة التي تُخرج الوحش الذي بداخلنا. وبالعودة إلى الشعر الجاهلي قرأنا عن الصحراء التي تظهر فيها الكائنات والوحوش، والشجرة الناطقة، فالمتخيل مع الصحراء هو المكان الذي تظهر فيه كائنات أخرى، أي هو مكان للخيال. مع المشاهد التي ظهر فيها ماهر وحيداً في الصحراء كنّا حيال المساحة المتخيلة.
○ بالإجمال شخصيات الفيلم راضية بحالها وحده ماهر يبحث عن شيء ما. لماذا هذا التفاوت في مشاعر الشخصيات؟
•العمّال جميعهم بصدد تأمين عيشهم، وتالياً حياة عائلاتهم في القرى. يختلف ماهر عن الآخرين لأنه يحمل مشروعاً ويحاول الخروج من دوّامة العمل. أن يكدح الإنسان ليل نهار في سبيل العيش فهذا هو القمع بحد ذاته، والذي تنفذه أنظمة قمعية كما نظام البشير، إنه القبول والرضوخ بهدف تأمين لقمة العيش. لكنّ ماهر يحمل طموحاً آخر. السد فيلم يسير وفق سرديتين. الأولى يخطها ماهر، والثانية نسمعها عبر الراديو وتتمثّل بفصول الثورة التي اندلعت في الخرطوم، لإسقاط ديكتاتور استمر 30 سنة في الحكم. إن سألتني هل للخيال أن يشكل مشروعاً سياسياً للتغيير؟ الجواب نعم. نحن فشلنا في 17 تشرين 2019 لأننا لم نتمكن من تخيُّل النظام البديل. الرؤيا المستقبلية تستدعي خيالاً يؤدي لعمل سياسي.
○ برأيك كيف انعكست الثورة في الخرطوم على عالم العزلة القائمة قريباً من سد مروي؟ وما هو الرابط بينهما؟
•حدث أننا تواجدنا في الموقع لدى اندلاع الثورة، شاهدنا متابعة العمال للثورة عبر الراديو والتلفزيون دون أي تعليق، وكأن الأمر لا يعنيهم. هناك شعرت كيف بات هذا الحدث الكبير وسقوط البشير بعد 30 سنة من الحكم، حدثاً صغيراً في حياتهم. سألت العمّال عن التغيير الذي تركه سقوط البشير في حياتهم فكان الجواب «باتت الحياة أكثر كلفة… ارتفعت الأسعار». شعرت وكأن الأمور تسير عبر زمنين. الزمن السياسي الذي تسير الأحداث وفقه، والزمن الأطول الذي يعود لآلاف السنوات، حيث العمّال يجهدون في صناعة الطوب، إنه الزمن الحالي والزمن المرتبط بالتاريخ.
○ لماذا تقصّدت كتم الغضب لدى العمّال؟
•لديهم غضب ورضوخ في مكان ما، يشعرون بالظلم ولا يعبرون، وحده ماهر يُظهر انفعالاته. ربما يرى العمّال أنهم غير قادرين على التغيير، رغم شعورهم بالظلم.
○ في فيلميك «القَلِق والحفّار» قرأت دون مشاهدة أنك تبحث في سيرورة عالمنا. ماذا تقول في انحداره الكبير الحاصل؟
•أحاول البحث في النُظُم التي تمارس القمع والظلم. صحيح أن المقموعين غير مسؤولين عن القمع والظلُم، إنما تغيير الواقع يجب أن ينطلق منهم. فالظالم لن يعمل للتغيير. «القَلِق» الذي أنجزته سنة 2013 فيلم يتناول الفوالق الزلزالية الثلاثة التي يقع عليها لبنان وعدم جهوزيته للمواجهة. حمل الفيلم معنى مجازي بتناوله الخطر الكامن في الأرض، لمقاربة الخطر فوق الأرض. للأسف نحن بمواجهة الخطر فوق وتحت الأرض. الفيلم عبارة عن بحث في كيفية العيش في قلق دائم. طموحي محاولة لفهم العالم وليس تغييره.
○ وماذا عن «الحفّار»؟
•فيلم يتتبع حارساً لمقابر أثرية عمرها خمسة الآف سنة في الإمارات العربية. كل ما في الأرض نُقل إلى المتحف، وبقيت الحفر. إنه رجل من باكستان يحرس الحفر الفارغة منذ عشرين سنة. بالتأكيد تحتاج المتاحف الوطنية لبناء سردية تاريخية للأوطان، أما الحداثة التي تبني متحفاً، فهي قائمة على المحرم كما نكش القبور ونقل الرفاة إلى المتحف الوطني. قالت الحداثة بأن بناء التاريخ يحتاج لمتاحف، والمتاحف تحتاج للدليل. «الحفّار» يتتبع فقط المسار المهني اليومي المكلّف به الحارس، وأهمه الحفاظ على المكان كما هو كي يبقى لنا تاريخ. والسؤال كيف لنا في لبنان بناء تاريخ لمدينة بيروت التي لاحقها الدمار سبع مرّات؟ وهل لنا الاتفاق على قصة موحدة للوطن؟ وهل هذا ممكن من خلال ممارسات الدمار والعنف؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية