كان لاشتغال وتفعيل مصطلح الخطاب دور مهم في إعادة النظر وتقليب الأشكال الإبداعية والعلمية وفق تحديدات هذا المفهوم، لأنه أعاد – أو جعل الباحثين يعيدون – اكتشاف مكونات واستراتيجيات كل خطاب داخل كيان واسع، بحيث يبدو هذا الكيان الواسع أشبه بالإطار الذي يحتوي ويستوعب كل التحويرات التي يوجدها ويؤسسها كل شكل كتابي ارتباطا بهذا الكيان الواسع من ناحية، وارتباطا بخصوصية منطلقاته وأسسه التي يؤسسها في حركة مستمرة من جانب آخر.
ولم يعد القارئ يشعر بالدهشة داخل الحيز الأدبي بتجلياته العديدة مطالعة مصطلحات مثل (الخطاب الروائي)، أو (الخطاب الشعري)، أو (الخطاب النقدي)، فمثل هذه المصطلحات تشير إلى فاعلية الخطاب، وفي الوقت ذاته تشير إلى تلوينات وتحويرات الأشكال الكتابية، سواء أكانت مشدودة للفنون، أو مشدودة إلى المناحي العلمية. يتوجه اهتمامنا إلى معاينة ارتباط الخطاب النقدي بالسرد، أي بوصفه خطابا سرديا، يمارس دائما تأسيس مرتكزات وتحولات انطلاقا من نظرة إطارية للبناء العام، وارتباطا بنظرة مجهرية تحاول التركيز على النقلات والتحولات الجزئية التي تحدث داخل كل كتابة نقدية.
واعتبار الكتابة النقدية خطابا سرديا سوف يؤدي بالضرورة إلى كشف المرتكزات الأساسية التي يستحضرها الناقد للوصول إلى أهدافه، والكشف عن العقل النقدي وطبيعته وتوزعه إلى انشداده إلى المؤسس القديم من خلال فاعلية طبقات المعرفة المترسبة في ذهنه، أو إلى تطلعه نحو المعاينة النصية المشكلة آنيا محاولا التخلص من كل استلاب يشده للخلف.
السردية النقدية
يصبح استخدام السرد في الخطاب النقدي استراتيجية تحليلية، فاختيارات الناقد – سواء في حركته وارتداده إلى فاعلية وحضور أنساق قديمة أو أطر فنية أو في تطلعه لمعاينة نصه قيد التشكل – تصبح جزءا من تجل سردي له مشروعيته. فدراسة الخطاب النقدي- بوصفه سردا كما يقول ستيفن تفرسن- ترتبط بمعاينة العناصر السردية المتأصلة أو معاينة الأفعال التي تهدف إلى الإقناع أو غير ذك من الغايات المحددة.
في النقد الأدبي يأخذ مفهوم السرد معنى مختلفا يتأسس وفقا لنوعية الكتابة وطبيعتها الحاكمة والمهيمنة، فالنقد أقرب إلى الخطاب الشارح المشدود والتابع إلى خطاب آخر، ومن ثم فكونه خطابا شارحا يمارس تأثيرا في استراتيجيته السردية الخاصة ومنطلقاته في إثبات مشروعيتها من خلال التأكيد عليها. فالسردية النقدية موزعة بين منطقين: منطق النص الذي يشكل مجال الاشتغال وبنيته، وما يوجده من إحالة إلى سرديات سابقة، ومنطق الناقد الذي لا يقارب النص وهو خال من ثقافة وتكوين خاصين، ولكنه يقاربه وهو مملوء بقراءات سابقة، وقناعات فنية مؤسسة، ومرتكزات أيديولوجية لها تأثير بالضرورة في آلية الاقتراب والحركة، وفي اختيار- أو إهمال- الجزئيات التي يستند إليها لتحبيك مقاربته النقدية. ومن هنا تتشكل الخصوصية السردية في الكتابة النقدية، بكونها مشدودة إلى ثنائية أساسية.
السردية النقدية تستند إلى وسائل خاصة في بحثها عن تجليات جديدة، تجعل الكتابة النقدية مساوية في حركتها وفي حفرها للكتابة الإبداعية من خلال البحث عن طرق جديدة لمقاربة الفكرة في تجليها على نحو مميز. فالكتابة النقدية بناء مواز للكتابة الإبداعية، بالرغم من كونها كتابة نابعة مشدودة إلى نص تمّ إنجازه والانتهاء منه، ولكنها بالرغم من استنادها إلى هذا المنجز تبني وتؤسس إطارا خاصا في أطره الفكرية والمعرفية، وهذا البناء له آلياته السردية في التشكيل من خلال محاورات الحركة للانطلاق إلى الأمام والخلف، وفي حركتها تؤسس بنى سردية بانفتاحها على بنى دلالية مختزنة، ويبدو حضورها مشدودا وموزعا بين مؤسس قديم، وجديد في طور التكوين المستمر.
وإذا كنا في الجزء السابق قد أشرنا إلى الكتل السردية الكبرى في الكتابة النقدية من خلال عناوين الفصول، فإن الجزئية الأكثر الأهمية هي الجزئية المرتبطة بالسردية النقدية المتوارية، فهي العملية السردية غير الظاهرة، لأنها تنبع من التوجيه المستمر للفكرة داخل كل فصل من الكتاب، أو داخل كل جزء من البحث. فالكتابة النقدية داخل كل فصل أو داخل أي عنوان فرعي سردية من نوع ما، لأنها مزدانة بكل الحيل التي يستند إليها الناقد في ممارسته النقدية، وفي التأسيس لحركته، وطبيعة انتقاله من فكرة إلى أخرى، سواء تدثر بالذاتي الشخصي فتتشكل سردية قائمة على المعايشة والمعرفة بالمبدع في فترة من الفترات، وكأن الكتابة النقدية باستنادها إلى سردية المعايشة والتجربة تمارس نوعا خاصا من الاصطفاء لخطابها.
وهذا قد يوجهنا في معاينة مقاربة النقاد انطلاقا من سردية هذه الكتابة إلى النظر بشكل خاص إلى طبيعة الضمائر المهيمنة في تنوع المقاربة النقدية، وتشكيل أفقها السردي، فتتوزع إلى مقاربة نقدية لا تخلو من حضور الذات وفاعليتها، أو إلى مقاربة موضوعية، تضع- أو توهمنا بوضع- مساحة فاصلة من خلال إبعاد الذاتي وتأسيس الموضوعي اعتمادا على التغييب، مؤسسة حججها من خلاله، لإثبات مشروعية تأويله، وتنمية هذا التأويل، وفق مناح ومنطلقات قائمة على الارتداد، وعلى فعل المقارنة للإشارة إلى مساحات التداخل والاختلاف.
التجليات والمظاهر
النصوص الأدبية في العقود الأخيرة تحولت إلى نصوص غامضة ومبهمة في الغالب، تحتاج إلى مزيد من الاشتغال، وإلى تلمس المداخل التي يمكن أن تكون فاعلة في تمهيد أو تعبيد سبل الدخول إليها، وأعتقد أن الناقد يطل إلى النصوص الأدبية في البداية من خلال سرديات الذات المشابهة لسردية النص، حيث تتجلى أثناء القراءة عمليات إسقاط وانعكاس دائمين بين ما هو نصي وما هو ذاتي معيش. هناك سرديات جاهزة أصبحت بتكرار الإلحاح عليها أيقونات سردية تمارس دورها في تلقي النصوص، ويمكن أن نضرب مثالا على ذلك من خلال فكرة الزمن والتفسخ والتحلل الملازم لكل شيء، بداية من مسرحية «روميو وجوليت» حين قال عن مربية الأخيرة: «إن أصابع الزمن اللعين قد أحاطت بخاصرة الظهيرة»، وكيف تمّ تناول هذه الفكرة بسرديتها في نتاج النقاد، وكيف حدث لها إحلال تدريجي لتؤدي دورها في تنميط نسق آخر يرتبط بالحب وليس بالزمن.
وعي الذات حين يتعامل مع النصوص الأدبية، يستند إلى سردية متوارية، لا تتجلى بشكل مباشر وصريح، لأن الوحيد الذي يدرك حدودها ومنطلقاتها وتشعبها الناقد نفسه، ولكن يمكن الإحساس بحضورها في تناول النص وآلية تحبيك الكتابة النقدية، وفي الوقوف عند جزئيات معينة. فعدد كبير من إسهام النقاد – وخاصة النقاد التعبيريين الذين لا يلتزمون بالمنهج التزاما حرفيا – يستندون إلى تجارب الذات السردية في تعاملهم مع النصوص استنادا إلى تجارب ذاتية، وإلى حضور الذات ووعيها. وحضور الذات يأخذ أشكالا مختلفة، ربما يتجلى أولها في حضور ضمير المتكلم بوصفه خيطا ينظم حركة المعنى النامية في النص أو الكتابة النقدية.
هناك نمط ثان أو مظهر آخر من السردية يتمثل في المحكي السردي، فسرد القصص في الكتابة النقدية، لا يأتي عاريا من الدلالة، ولكنه وثيق الصلة بالإقناع والتوجيه نحو المنحى الفكري، ويتجلى ذلك واضحا في كتابات الجاحظ في محكياته ومرويات رسائله، فمن خلال هذه المحكيات التي تتسرب في هدوء، والحكي وحركته غير المنظورة إلى القارئ في صورة حكاية منقولة يستطيع أن يقوّض أنساقا مطبقة، ويعطي لغيرها مشروعية الوجود والتداول. فسرد القصص أو المحكيات في الكتابة النقدية يأتي وكأنه ممارسة حجاجية لا تكفّ عن التعرية والتوجيه نحو مشروعية الطرح الفكري الناتج عن اختيار قصة أو حكاية حيث يشكل منعطفا سيميائيا في هذه الكتابة النقدية، يمكن أن يدعم وجهة النظر في بناء توجه تأويلي محدد، أو تأكيد وإعطاء المشروعية لهذا التأويل.
ويقترب من سردية المحكي سردية المعايشة والمعرفة في تجليها الواضح، بمعنى أن يقص الناقد أثناء مقاربته النقدية شيئا عن تجاربه المشتركة مع المبدع ومعايشته له في فترات زمنية من حياته. وهذه السردية قد تعطي إحساسا بمعرفة مختلفة ذات خصوصية، لأنها أتاحت للناقد معرفة ومعايشة تجارب لم يعايشها النقاد الآخرون الذين لم يتعاملوا سوى مع النص مكتوبا، فالأول منفتح على معرفة قد تتيح له تأويل البنية من خلال الإحالة على الحوادث والسياقات الحضارية المولدة للنص، والأخير ليس لديه سوى بنية لا تحيل إلا إلى دلالات نصية.
وربما تكون من الجزئيات السردية الفاعلة في منتج النقاد في ارتدادهم إليها لفهم النصوص، ولفتح كوى للولوج إليها، جزئية السردية الأسطورية، لأنها تحيل إلى بنية سردية جاهزة من جانب، وتحيل إلى أسئلة الوجود والتساؤلات المستمرة من جانب آخر. وفي تعامل النقاد معها ندرك أن هناك مساحات شاسعة للحركة والاشتغال، إما بالوقوف عند حدودها وطبيعة استخدامها في كونها تساعده على تصوّر النص وفهمه وفك حجابه، أو بالوقوف عند الفارق الحيوي في وجودها في إطار مادتها الخام البدائية، أو في إطارها النصي الذي يغيّر في طبيعتها ويحوّر في بنيتها. فالسردية الأسطورية في تناول الناقد ليست ساكنة، ولكنها متغيرة من نص إلى نص في تجليها طبقا للمناحي الفكرية، وللبناء النصي العام الذي يغيّر في طبيعتها، لأنها تصبح- في السياق النصي- بنية جزئية تتجاوب وتتساوق في تشكيل بناء نصي.
وثمة سردية قد يكون لها الحضور الأكثر أهمية في كتابات النقاد المعاصرين، وهي السردية المستندة إلى ذاكرة منفتحة وإلى ثقافة دينامية متحركة. فالذاكرة تحيل إلى الشبيه والنظير، وفي الوقت ذاته تحيل إلى المباين أو المغاير، وذلك من خلال التركيز على مجموعة التوجهات أو الفصائل الإبداعية التي تتشابه أو تتباين في منطلقاتها المعرفية بالرغم من اختلاف الأزمنة والسياقات الحضارية، فتصبح هذه السردية في حركيتها وانتقالها من آني إلى سابق من أهم الوسائل الفاعلة أو الحيل التي يتذرع بها الناقد لبناء نصه النقدي، وجعله إطارا مملوءا بالتشابهات والاختلافات والإضافات.
فالسردية النقدية في كل المظاهر السابقة – وفي ظل وجود مظاهر أخرى بالضرورة وتجليات عديدة – تختلف عن سرديات الفن في أشكاله المعهودة، لأنها متوارية مشدودة إلى أطر فكرية، وإلى الإجابة عن أسئلة معرفية ترتبط بمعاينة النص الأدبي الآني موضوع المقاربة، وكيفية تشكل أجزائه، وتكوّن منعطفاته. فالسرد في الفنون السردية تحوّل وحركة من خلال المكان والزمان وتحولاتهما، ولكن السرد النقدي سرد يرتبط بالإجراءات ومجمل العمليات والوسائل التي يقوم بها الذهن أو العقل النقدي، لكي يرتّب منطلقاته الفكرية، سواء من خلال التخطيط العام للبحث أو التبويب العام للكتاب، أو من خلال النقلات والتحولات الجزئية والمجهرية التي تحمل نوعا من حركة تدريجية والانتقال نحو الهدف، ولكنها تبدو وكأنها حركة بطيئة تحتاج إلى الإصغاء للنص وتراكيبه وبنيته.