طبع حدثان كبيران المشهد في المملكة العربية السعودية. قممٌ تاريخية ثلاث سعودية- خليجية – عربية مع أمريكا ومثلها مع الصين. تعدّدت قراءة الحدثين. جرى وصفهما بـ”الحدثين المتقابلين” و”المتضاربين” و”التكامليَّين”. أوصاف تحتملُ الجدل حولها، إنما ما لا يحتملُ الجدل أن الحدثين يؤكدان أهمية الرافعة السياسية والاقتصادية التي تُشكّلها المملكة للمنطقة في التوازنات الدولية، ليس فقط من منظور أمن الطاقة، إنما بما منظور الفرص الاستثمارية الكبرى والطموحة التي تُعبّر عنها رؤية 2030 بما تحمله من خطط التحوُّل الاقتصادي من الاتكاء على “الذهب الأسود” إلى تنويع الموارد غير النفطية في مختلف المجالات الإنتاجية، بدءاً من السياحة مروراً بالصناعات المتنوعة والطاقة البديلة وانتهاء بالفضاء.
تدفع المنطقة ثمن الإستراتيجيات الأمريكية فيها. يدفع حلفاء واشنطن الكلفة كيفما تقلّبت سياسة ساكن “البيت الأبيض” انخراطاً ودعماً، أو غزواً، أو انسحاباً وإدارة ظهر. وفي مقدمة المستهدَفين، إيجاباً أو سلباً، تكون الرياض. قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كانت السعودية تُرتِّب “البيت الخليجي” لاحتواء تداعيات الاتفاق النووي الإيراني الذي كانت إدارة جو بايدن على وشك إنجاح مفاوضات إعادة إحيائه. وكان أول ما فعله الرئيس الديموقراطي لدى وصوله إلى “البيت الأبيض” هو رفع “جماعة الحوثي” من لائحة الإرهاب التي أدرجها عليها سلفه دونالد ترامب. اتُخذتِ الخطوةُ لإرضاء إيران، حتى لو شكَّلتْ ضغطاً على الحليف السعودي الذي كانت أراضيه ومنابع نفطه ومصافيه هدفاً للصواريخ البالستية والمسيَّرات الانتحارية الإيرانية بواسطة الحوثيين في المواجهة الأمريكية – الإيرانية المفتوحة. كانت المصلحة الأمريكية – الغربية تقضي بغضُّ الطرف عن خطر تلك الصواريخ البالستية والحاجة إلى التصدّي لها باكراً. بعد الحرب الروسية – الأوكرانية ودخول إيران على خط تزويد موسكو بأنواع من المسيَّرات الإيرانية واستخدام الصواريخ البالستية، استفاق الغرب.
شكَّلتِ الحربُ الروسيةُ على أوكرانيا خلطاً للأوراق، فحاذرت السعودية الاصطفافات العامودية. خلقتِ الحربُ اضطرابات في الأمن الغذائي وأمن الطاقة وتبدلات جيوسياسية. طار الاتفاق النووي عن الطاولة، وكانت هناك حاجة أمريكية لزيادة إنتاج النفط من الشرق الأوسط، أولاً لتأمين حاجة الدول الأوروبية لإبعادها عن النفط والغاز الروسيين. وثانياً، لخفض الأسعار لإرضاء الناخبين الأمريكيين الغاضبين من ارتفاع نسبة التضخم على مشارف انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس التي أُجريت في تشرين الثاني/نوفمبر.
الرئيس الأمريكي الذي قال إنه سيجعل من السعودية “دولة منبوذة” بسبب ملف حقوق الإنسان على خلفية مقتل جمال خاشقجي، أتى إلى الرياض حاملاً شعار “لن نترك المنطقة لتملأها روسيا والصين”، هادفاً إلى إعادة ترتيب حضوره في المنطقة بما يُقفل الباب أمام ثغرات تسرُّب صيني وروسي أكبر يُحدث انقلاباً حتمياً في موازين القوى في الشرق الأوسط. حَمَـلَ في قمة جدة “رؤية العودة” تجديداً للشراكات الإستراتيجية في المنطقة التي اضمحلت يوم صاغ صنّاع القرار الأمريكي استراتيجية حصار الصين لقطع الطريق على طموحات الهيمنة الصينية على العالم من بوابة الاقتصاد.
طال النقاش حينها حول ما حققته قمم جدة لبايدن، وما إذا كان قد نجح في ترميم الجسور مع المنتج الأكبر للنفط في “منظمة أوبك”. بدا أن الرياح لم تجرِ كما كانت تشتهي سفن بايدن حين قررت مجموعة “أوبك بلس”، التي تضمُّ منظمة “أوبك” وحلفاء آخرين من بينهم روسيا، خفض إنتاج النفط بمقدار مليوني برميل يومياً في أوائل تشرين الأول/أكتوبر. غضبتْ واشنطن، واتهمتْ “أوبك بلس” بالتحالف مع روسيا، مستهدفة السعودية من وراء الاتهام، في وقت كانت الرياض تؤكد أن القرارات التي تتخذها المنظمة تنطلقُ من اعتبارات الحفاظ على تحقيق التوازن في سوق النفط. ولكن الغضب لم يكن بسبب القرار، بل بسبب توقيته، إذ كشف السعوديون طلب الديموقراطيين إرجاء القرار إلى ما بعد الانتخابات النصفية.
في لغة الأرقام، يقول السعوديون إن أمريكا كانت الشريك التجاري الأكبر للسعودية، لكن منذ الاكتفاء الأمريكي من النفط الصخري، بدأ الميزان التجاري مع السعودية ينخفض منذ 2011 بأكثر من 65 في المئة، وتحوَّلت الصين إلى الشريك التجاري الأول للمملكة مع العام 2021. جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى المملكة لترفع مستوى العلاقة بين البلدين إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، ووصل مجموع الاتفاقيات التي وُقّعت بين البلدين إلى نحو 30 مليار دولار.
تلك الشراكة تُلبي تطلعات السعودية إلى تنويع تحالفاتها الاقتصادية والسياسية كما طموحات بكين في تحقيق مبادرة “الحزام والطريق” حيث تشارك 123 دولة في طريق الحرير الجديد الذي تريد الصين من خلاله تسريع وصول منتجاتها إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك آسيا، وأوروبا، وأفريقيا، والأميركتين الجنوبية والوسطى.
يلفتُ محللون سعوديون إلى أن الرياض اتخذت منذ 1990 قرار التوجّه شرقاً، ولم تأتِ القمة السعودية – الصينية على عجل ولا لخلق توازنٍ مع القمة السعودية – الأمريكية، بل تمَّ التحضير لها منذ سنتين. والسعودية هي جزء من مبادرة “الحزام والطريق” منذ 2013 وتستفيدُ اقتصادياً من طريق الحرير الجديد الذي سيغطي 70 في المئة من خريطة العالم. وهي تعمل في الوقت نفسه على جذب الاستثمارات الأجنبية ومنها الصينية إليها في إطار تحقيق رؤية 2030 وتنفيذ مدينتها -الحلم “نيوم” على ساحل البحر الأحمر.
يختلفُ توصيف العلاقة السعودية مع الصين عن تلك التي تحكم العلاقة مع أمريكا. فالصين هي شريك، فيما أمريكا هي حليف. لا مراهنات على إمكان أن تملأ الصين وروسيا الفراغ إذا انسحبت الولايات المتحدة من المنطقة، فلا أحد يتقدّم على مكانتها العسكرية لدى دول المنطقة، ولا البحث أساساً يتناول البُعد العسكري. أبعد الرهانات أن تستطيع الصين، التي هي عضو في مجلس الأمن كما هي روسيا، في لعب دور في لجم إيران عن دورها السلبي في الإقليم نظراً إلى العلاقة التي تربط بكين بطهران، وما يتم الحديث حوله عن حلف إستراتيجي بين الصين، وروسيا، وإيران.
وقبل أسابيع، عاد الحديث عن احتمال استئناف المحادثات السعودية – الإيرانية التي كانت بدأت في بغداد، وتوقفت قبل جولتها السادسة بموقف إيراني على خلفية إعدامات نفذتها السعودية طالت أشخاصاً من جماعة الحوثي. ولكن اللافت أن عودة الحديث راهناً تترافق مع اتهامات إيرانية للرياض بلعب دور تحريضي في احتجاجات إيران ليس فقط إعلامياً بل أيضاً على الصعيد الاستخباراتي، وأن أشكالاً من الدعم العسكري تُقدَّم إلى البلوش في إيران. ويقول أحد منظري محور إيران أن طهران أَعدَّتْ ملفاً كاملاً عن دور الرياض في الاحتجاجات لوضعه على طاولة المحادثات حين يتّفق الطرفان على الجلوس مجدداً.