السعَايَة والوشاية خِطَاباً

السعاية والوشاية مترادفان في العربية، وتبدو السعاية كأنها اسم ذو فخامة لاسم شعبي هو الوشاية، إذ هما يفيدان المعنى نفسه الذي يظهر في مدخل كليهما المعجمي؛ فقد ورد في مادة (س. ع. ي) في «لسان العرب»: «سعى به سِعَاية إلى الوالي: وَشَى» ( ل.ع. 14/386). وورد في مادة (و. ش. ي) في المعجم نفسه: «وشَى به إلى السلطان وِشَايَةً أي سَعَى» ( ل.ع.15/ 393).
المرادفة في اللغة كالمشابهة في البلاغة لا تعني التماهي وزوال الحدود بين المترادفين، إذ توجد فوريقات دلالية هي التي تصنع الفروق وتجعل اللفظين كلمتين مستقلتين. المسلمون في الظواهر سيعتمدون على قول ابن منظور في اللسان بأن الفرق بين السعاية والوشاية، أن هذه تكون إلى السلطان وما كان في رتبته، وتلك تكون للوالي وما كان في رتبته، غير أن الاطمئنان إلى هذا الرأي غير مفيد، بحكم إطلاق لفظ السلطان على كل ذي سلطة، بما في ذلك الوالي وأنه لم يعرف العرب قديما لقبا خلافيا اسمه السلطان، بل هو تسمية عامة وليست تسمية لخطة خلافية.
ينبغي أن يبحث عن الفرق بين السعاية والوشاية في ثنايا الاشتقاق، لأن لكل كلمة أسرتها الاشتقاقية، التي تورثها خصائصها الدلالية. يبدو من غريب المفارقات أن الوشاية مقبلة من أسرة دلالية أنتجت لنا ألفاظا، أفادت البلاغيين، وأهل الفن عموما بألفاظهم فمن (و.ش.ي) جاءت التوشية والموشى والوشاء والوشي، الذي يعني خَلْط الألوان خلطا فنيا، ويعني في الكلام الجمع بين الكلام جمعا فنيا يأخذ بألباب المستمعين ويشدهم بما فيه من مزج فني يخرج عن المألوف. الواشي من هذا الباب غير بعيد عن ابن عمه الوشاء، لأنه يلعب على الكلام، ويُنتج الخطاب الذي يشده مستمعه إليه بما فيه. والوشاء أيضا واشٍ لأنه وهو يركب صنوفَ الألوان من الكلام إنما يسعى بك إلى كونٍ مفارق لما عرفْتَ؛ هو يكذب كذبا فنيا ليجعلك تستعذب الكلام، مثلما قد يكذب الواشي وهو يبالغ في نقل الكلام تهويلا وتجييشا. فكما أنه لا قيمة لتوشية بلا تزيين للكلام، لا قيمة لوشاية بلا تزييف للكلام، وليس من فرق كبير لا لفظا ولا هدفا بين التزيين والتزييف؛ فقد يحملونك في الفن من التزيين إلى التزييف الجميل، وقد يحملونك في السياسة من التزييف إلى التزيين الجميل. يجتمع الواشي والوَشاء في هذا اللعب على الكلام كل حسب اختصاصه؛ يجتمعان ويكون الشيطان الشعري أو السياسي ثالثهما؛ ولا غرابة في أن من أعمال الشيطان الغوايَةَ والإغراء والتزيين والتزييف. ليس الشيطان هنا إلا رمزا لطرف آخر هو غير الوشاء والموشى له وغير الواشي والموشَى إليه، هذه القوة الثالثة هي التي تكون وسيطا بين باث الرسالة ومتلقيها، تقول للباث ابتدع ما شئت فستجد من يتقبلك أحسن متقبل.
في الوشي والوشاية شيء مشترك آخر نجده في دور المتلقي، ذلك أن خطاب الوشاية ليس كلاما مسترسلا يلقى على مسامع متلق صامت ينتظر استكمال الخطاب ليتحرك بالتنكيل بالواشي. ينتظر من الموشى إليه وهو السلطان أكان واليا أو ما فوقه أو دونه، أن يستوشي الواشي، أو أن يُوشيَهُ فـ»أوشى الشيء: استخرجه برفق» و»استوشى الحديث استخرجه بالبحث، والمسألة كما يستوشى جرْي الفرس وهو ضربه جنبه بعقبيه وتحريكه ليجري» ( ل. ع.15/ 393). هذا الفعل مفيد في الطابع الاستنطاقي للوشاية، فهو ليس خطابا مسترسلا، بل هو خطاب مستخرج بالسؤال.

يضيفه معنى السعاية إلى هذا الضرب من الأقوال أنه خطاب رسمي بما أن مصدره شخص موظف رسميا لهذه الوظيفة، وهذا ما يجعل خطاب السعاية خطابا يشبه ما يعرف اليوم بالتقارير السرية، التي يرفعها موظفو التقارير ويتقاضون عليه أجرا أو هو جزء من الأجر.

في الوشاية مضمون أساسي هو الذي «يحمله» الواشي إلى السلطان (هكذا الأصل في الوشاية قبل أن تعمم على الناس) ولكن السياسي الذي لا يكتفي بنص الوشاية المختصر يكون من دوره أن «يستخرج» المزيد من المعطيات بالسؤال، وهذا ما يعطي خطاب الوشاية بعدا تفاعليا. وهكذا فإن خطاب الوشاية ليس خطابا جاهزا ومعطى مقدما للوشاية نواة خطاب أولى، وبعد أن يلقى الخطاب النواة على مسامع السلطان يصبح نصا متسعا ومولدا بالاستقصاء. الواشي ليس ناقلَ حديث، بل هو أيضا مجيب على أسئلة غرضها وضع الحديث في إطاره، أو تقديم تفاصيل ومعلومات تخدم نواة الخبر المنقول. ليس الواشي مصدر خبر أو ناقلا أو محدثا، بل هو أيضا صانع أخبار، وفق سيرورة يحددها الموشى له وليس الموشى له مصب أخبار، بل هو مولد خبر بما لديه من قدرة على الاستقصاء والاستخبار. خلاصة خطاب الوشاية هو ما يقع في نفس الموشى له وليس ما كان، أو وقع في نفس الواشي. يبدأ خطاب الوشاية خبرا يستوعبه الواشي جيدا ويصنع له استراتيجيا للبث، وينتهي الخبرُ خطابا كاملا ليس الذي هو قيل بالضرورة، بل هو ما قيل تضاف إليه أقوالٌ ضمنية يستنتجها الموشى له بالاستيشاء.
هذه أهم سمات الوشاية، التي استمددتها من عائلتها الاشتقاقية، وهي غير سمات السعاية التي استمددتها من (س. ع. ي). السعي كما هو معلوم حركة ذات مسار معلوم في فضاء فيزيائي، يقطعها فاعل هو الساعي الذي تتردد حركته بين المشي والعدو. الساعي هو في الحقيقة اختصارٌ للساعي بالشيء، أو الشخص أي هو تسمية لا تهم الحركة، بل غايتها ووجهتها من ناحية، وما حمله الساعي وهو يسعى من ناحية أخرى. في هذه المادة ما يدل على أن السعاية عمل، وليس في الوشاية ما يدل على ذلك، إذ جاء في «اللسان»: «السعي: الكسبُ.. وسعى لهم وعليهم عمل لهم وكسب» (ل.ع.14/385). السعاية تنتمي اشتقاقيا إلى وزن يطلق على الوظائف مثل، الولاية والخلافة في الوظائف الرفيعة، والدلالة والسقاية في الوظائف العامة، والتجارة والنجارة في الوظائف الوسطى. لا نعلم إن كان السعاة مكلفين رسميا بوظيفة «حمل» الأخبار الخطرة إلى أصحاب السلطان، وينخرطون في جهاز أقرب إلى ما يعرف اليوم بجهاز الاستخبارات؟ أم أنها مهمة وقتية أو تطوعية أو نفعية؟ غير أن ما يمكن تأكيده أن السياسيات القديمة لا تخلو من هذه الوظيفة.
ما يضيفه معنى السعاية إلى هذا الضرب من الأقوال أنه خطاب رسمي بما أن مصدره شخص موظف رسميا لهذه الوظيفة، وهذا ما يجعل خطاب السعاية خطابا يشبه ما يعرف اليوم بالتقارير السرية، التي يرفعها موظفو التقارير ويتقاضون عليه أجرا أو هو جزء من الأجر.
كنت أقرأ مقدمة الشيخ الفاضل بن عاشور على تحقيق ديوان بشار بن برد، حتى استوقفني قوله، إن سبب قتل الخليفة المهدي لبشار أنه هجاه ببيتين، وأنه هجاه بهما في «حلقة يونس النحوي فسعى به يونس إلى الوزير». وأضاف بن عاشور: «وقال المعري في رسالة الغفران: قيل إن الذي سعى به إلى الوزير هو سيبويه، وكان حاضرا في حلقة يونس النحوي» (الديوان، 1/40). وبالطبع يذكر بن عاشور كيف أن المعري دافع عن سيبويه، بأنه لا يمكن أن يسف هذا الإسفاف، ولسنا ندري أهو دفاع يشمل أيضا يونس النحوي أستاذ سيبويه أو لا. وبقطع النظر عن أن السعاية حدثت أم لم تحدث، فإن ما يعنينا ههنا أنها استعملت على أنها جزء من الدسيسة بين صنفين من المثقفين متعاديين. مثقف السلطة يسعى بمثقف خارجي أو فوضوي هو بشار الإخباري (الذي ليس هو بالضرورة الواقعي).
هي سعاية فيها امتداد للخلاف العميق بين النحاة والشعراء، خلاف نشاطه في كل عصر النقاد، أوجدوا له خلفيات عدائية داخل الخطاب السجالي الذي حكم كثيرا من الخطابات العالمة قديما، بما فيها الخطاب النقدي. لسنا ضد الخلاف الفكري فذلك ظاهرة صحية إلا أن الخلاف إن دخل باب السعاية دخل مرحلة الاستئصال.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية