السفر بين التجريد في المعنى والتجويد في الإبداع

حجم الخط
0

السفر في حياة الأدباء والشعراء وكذلك الرسامين، يعتبر انفعالا إدراكيا يولد الإبداع الجمالي «الجيوكاندي»، ويحترق بالرغبة، ويفتقد للتماسك الداخلي، لأنه يمزج الدمعة الهاطلة مع ضباب الغربة، والابتسامة المنشقة من التأهب الدائم الذي تلفحه خصلات الرحيل، ويشكل انطلاقا ماورائيا لتفجير مخزون الإحساس في أعماقهم، ويوسع حدقة تبصرهم ويفتح للإدراك شعابا لا تحصى من التعبير والتغيير المكاني، مما يبرم بينهم وبين هذا الإطار الوجودي تأهبا إنسانيا، كي يمخروا عباب الريح ويحدثوا الأشجار ويفيئوا تحت ظلال الطبيعة الجديدة التي وفرها لهم هذا المكان.

هذه الحالة الترحالية تعرف بفلسفة التنقيب، التي قد تحوي سائر الفلسفات والفينومولوجيا الساطعة تحت بردة الحساسية المفرطة، وقد يئمون في سفرهم وجه الحضارات التي تشكل نقطة الانطلاق في حيز المبدع وتفكيره وكيانه، وتمنحه نزوعا انطباعيا مميزا.

وقد عبر غوته عن هذا في كتابه «آلام فرتر» التي تحصي يوميات رسام آثر الانطلاق إلى مناطق ريفية جديدة ليحفز شعوره الأيديولوجي، من خلال حصد مشاهد بهية تغني خصائص البنية التركيبية لرسائله، التي يرسل بها بانتظام إلى صديقه، فيفصل ما يحوم في خياله حتى لحظة انتحاره، بسبب حب مستحيل من طرف واحد، إذ نراه منصهرا بالطبيعة، حتى في تجسيد الوجوم الذهني والذبول النفسي والتحول المزاجي الشديد، ويوصي بأن يدفن جسده بين شجرتين أحبهما شديد الحب، وهو ما يسري في نظرية البعد الفيزيائي وعلاقته بين الكينونة والخارج.

أما غوستاف فلوبير، فقد نصّب نفسه رحالا في عوالم الشرق، كي يستقي مدا عاطفيا يذكي شرارة إبداعه، وسافر إلى مصر، لتخرج من بعدها رائعته «مدام بوفاري» التي أحدثت انقلابا أدبيا وسوسيولوجيا في أنحاء أوروبا، إذ وجهت النقد اللاذع للطبقة البورجوازية التي كانت بمفهوم العصر منزهة عن الهفوات.

وبالنسبة لفيكتور هوغو الذي اضطر إلى أن يهجر وطنه الأم فرنسا لمدة عشرين عاما فرارا من حكم نابليون، فقد تمخضت هذه الغربة القسرية بعد عودته عن كتابه «البؤساء» الذي كان بمثابة إغواء نقدي للأدب السياسي برمته، وجلبت نظريات شتى من كل حدب وصوب، وهو ما استوحى منه لاحقا الفيلسوف الفرنسي ديبريه أفكاره المبنية على انكفاء الذات عن التشبث في اتباع أيديولوجيا عقلانية خالصة.

وحتى عندما فقد ابنته الوحيدة وكتب لها قصيدة «غدا.. عند الفجر»، لم يستطع أن يتسمر في مقعده، أو يتأمل عبر شرفته وهو يدونها، بل آثر الرحيل في طي الغابات التي تكتنز حزنه الدفين، والتسكع على حافة الدمع في مدار مشفر، لا يفك طلاسمه غير قلبه المتهاوي، فهو يهرول بين الأشجار، وينتظر الفجر مسافرا إليه، بهبات دمع سخين تحرق مغارب ومشارق المكان، وكأنه عصفورٌ كسيرٌ هرم من الانكسار الدفين، ينفض جناحيه على حزن لم يشهد «لمثله» مثيلا. هو يحرق ولا يكتب المكان والزمان فقط، بل يضرم بهما النيران المتأججة في تخوم وجعه المدمى، يصف الكنايات عن نواتها، يتوارى في استعارات تجهش نبضا وإحساسا، ويرخي لشفق مدامعه الأسدال.

وفي محراب إحساسه الفلسفي، تبوأ ميخائيل نعيمة لقب الناسك المعتزل، بسبب غربته، التي جعلته يغربل الناس دون أن يعاشرهم، ويسربل الأعماق بلون المتأمل. ومن هنا نبتت موهبته وتجذرت وانبثقت مثل الشرارة الأولى لفجر محتمل. وهو الذي ينتمي إلى مدرسة الواقعيين، وكان متعلقا بالتبرير لكل حدث أو موقف، ومع هذا، جلس قرب النهر المتجمد في صقيع يشبه الجليد المتنمر على قلبه، وكتب قصيدة النهر التي تشتعل بالرومانسية والشاعرية المفرطة.

وفي ترحاله المتجذر عن طبيعته الفضولية، كتب أرنست همنغواي قصة: «النهر الكبير ذو القلبين» في شبه جزيرة ميشيغان، وكأن الماء المنحدر من قمم الغيب انصب وحيا إبداعيا توج مسيرته التي عززها انتقاؤه للأعمال المثيرة للجدل، التي يصب فيها اندفاعاته الذاتية، والتي تعكس فلسفة إيكولوجية تربطه بالطبيعة والإنسان. وكذلك، تمرغ الشاعر الإسباني لوركا بخيبات وصدمات الانتقال إلى نيويورك مع فرناندو دي لوس ريوس، على متن سفينة انتقلت به من ضفة التوحد مع صفات بيئته ووشم الغجر المحفور على ساعد قلمه، إلى مدينة خالية من الوقار الذهني، تضطرب بالحياة السريعة والإيقاع المقلق، وكتب هنالك ديوانه الشهير «شاعر في نيويورك» الذي وصف فيه العزلة الجبرية لقلبه المفرط في نوستالجيا دراماتيكية متأصلة. وفي اعتقاده بأن عزلته هناك قد أرهقت خاطره وشتتت محاوره الغرائزية لاستعادة جذوره.

مزج عناصر الترحال في البوتقة الفنية توقد شعلة الخلق الإبداعي، وتؤجج مراده المتنوع، ولهذا نرى معظم الروايات الخالدة تتمحور حول فكرة الهجرة، أو السفر، أو الانتقال، مثل رواية «مئة عام من العزلة» لماركيز، و»الخيمائي» لباولو كويلو و»ثم تشرق الشمس»، و»التلال الخضراء في افريقيا» لإرنست همنغواي، وكذلك لون الكثير من الرسامين التشكيليين بالصمت الأزرق ودائع السفر المضنية، مثل لوحة «رفقة السفر»لأجوستوس، ولوحة «طوف ميدوسا» للرسام الفرنسي الرومانسي تيودور جيريكو، ولوحة «وداعا أيها الأب» للفنان الهولندي برنارد بلومرز، وكأن شهقات الحنين تتواتر وتتبلور في إناء الصياغة المتمكنة للبعث السردي والبصري، والفلسفة التأملية تقحم حصون الوجودية بارتداد الصورة والفعل، وتولج كينونة الانصهار في تكتلات الصراع القائم منذ القديم بين المغامرة في المجهول والشوق للديار.

وفي التحام عنيف بين المعنى والمبنى، يتنبأ الكاتب بمعاناته، من خلال السفر الذي يألفه حتى لو لم يرتح إليه ويسرح فيه، ويشرد في اسطوانات داخلية من التساؤلات الحية والتجهم الحماسي الذي يدفعه لتبني الأفكار الجريئة والمطلة على التنجيم، والراغبة في التعميم المكاني والزماني بسحر التغيير وأهمية الهوية. وهذا بحد ذاته تفقهٌ في تجاويف العلل، وتثقفٌ في محاور التجريد والتجويد. ويظل المبدع عالقا في هذه الدوامة التراكمية من حب المجازفة والإقدام عليها، ثم الرجوع عنها لتدوين ما تجمع في أغواره من الصراع الوجداني القائم منذ التصوير الأول للإنسان وفضوله العقيم.

كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية