في وحدة السلب الأنطولوجي الواحد، قد ينسب العقل الأشياء راداً إياها إلى ماهيتها، في تسليمٍ ثابت يرد الآنية إلى الانعكاس الانطباعي، الذي يحضر النفسَ البشرية لاستيعاب الثبات والنقص والتبعية وتعليل ما تشتت أو تعدى عن حدود المنطق، ليحدث كثافةً بصرية غير قابلة لتتعدى مخاض التجارب والتحليل، فيصبح الوجود نتيجة لصيرورة، والديمومة خلاصة لحتمية دامغة لا تقبل التساؤلات، ويستخلص الذهن وجود الموجودات بشكلٍ مضبب وغائم، ثم ينتصبُ الذهنُ حافزاً للتناقضات التي تقع في الحياة، وينبلجُ عنها انحسارُ الشكلية الاجتماعية. وحين يوضع أدب طه حسين على ميزان الفلسفة، نجده متجسداً للحتمية في التنبؤ، سواء في سرده ونقده، أو تحليله وسيرته، ما منحه صفاءً ممنهجاً يقدمه في طابع النمطية الجدلية التي تحتملُ التأويل والتنظير.
في تلخيصٍ للتراكيب المتشابهة والمتنافرة للأحداث المسيرة والمخيرة التي تقود فكر حسين، تنبثقُ احتمالاتٌ للتركيبات البشرية المتغايرة، التي يتعرض لها، ويقدمها في قالبٍ كلاسيكي يجنحُ للحداثة يبصرها بعين الخبير، فيغسل ذنوب الحب في روايته «دعاء الكروان» من خلال انتقام فتاة عاملة لشقيقتها، التي كانت تحمل سفاحاً من الطبيب الثري في القرية، التي اضطرتا للهجرة إليها مع أمهما، في أنه يضع أنطولوجيا الوجود المتناهي والزائل في فلسفة الموت، مثلما فعل هايدغر، الذي كتب «الوجود والزمان» بمنتهى البوهيمية، التي استعصت على عقول كبار الفلاسفة، فجعل الشقيقة المسكينة تموت ثأراً للشرف من قبل خالها، وسخّر أختها لتنتقم من جلادها المتسبب في موتها ليلقى حتفه على يد الخال أيضاً، وهنا جعل طه حسين الخال رمزاً مبهماً للقضاء أو العدم، لينتشلَ الإنسان من وهمه الوجودي الدائم.
في مجموعته القصصية «المعذبون في الأرض»، تنوعٌ دراماتيكي في الأحداث والأشخاص، الذين ينتمون إلى فئة «المتألمين»، في ظل الفساد الاجتماعي والاقتصادي، الذي يأخذ منه حسين نماذج حصرية ليقدمها كأمثلة عمومية، التي تتسبب بأيديولوجيات لا تتمتع بمرونة تأقلمية، فالفرد فيها لا يتواءم مع الانحرافية السلوكية للبيئة والمحيط. وهو على غرار فيكتور هوغو الذي كتب قصة «البؤساء» ولاقت رواجاً هائلاً، في تقديم المجتمع بأسلوب خفيف من الشعر.
يتطرق طه حسين أيضاً في كتابه «الأيام» من خلال سيرته الذاتية للتظلم الاجتماعي الذي عاناه في طفولته، وعدم التأقلم مع الظروف، والتحدي الهائل الذي بذله في رحلته متبعاً قول هايدغر: «إن الموجود الذي ينبغي علينا إخضاعه للتحليل هو نحن أنفسنا، وكينونة هذا الموجود هي كينونتي أنا». هذا التصدي اللاذع في كتابات طه حسين رافقه في نقده لمن حوله من الأدباء مثل، العقاد وشوقي وحافظ، ففي كتاب «طه حسين يتحدث عن أعلام عصره»، يدلل على من تنكر ويشيد بمن تذكر فضائله معه وعليه، ويمتدح وينتقد حسب رؤيته الذاتية، بلا أي مراعاة أو محسوبيات، ويفرض ضميره في براعة جديرة بالثناء.
وهو يتنصل من الهيمنة التي تطغى في كتاباته رغم متانتها، فيعمد إلى الابتعاد جزئيا عن تطويع المعنى على حساب اللغة، ويضع متانة اللغة في الصدارة، ايماناً منه بمنح القدسية العالية لهذا التخاطب الروحي، الذي ينشأ عن شفافية الحروف، وعناقه الدائم للصوفية التعبيرية في الوصف والإشارة والترميز.
طه حسين ينتهج الفلسفة النمطية التي تحلل الوجود والموجود على طريقة هايدغرية تقوم على الاغتراب والقلق والموت، يرفض ضعف التكيف وتضاؤل النفس أمام المعوقات، وتتبع هذه الغائية أنماطاً سلوكية مختلفة، يتطرق إليها بكثيرٍ من الرقي، ويترك فسحةٍ من التأمل، ليستطيعَ تمييز الانحرافات السيكولوجية التي تطال قصصه وأرواح أبطالها، ويركز على المفهومات الشائعة للأسماء بصفتها الحقيقية، مبتعداً عن الإشارات الغامضة، وقد عرف عنه شدة ولعه بالتبصر الروحي أي رؤية ماهية الأشياء من خلال بصيرة متوازنة وحادة وبعيدة عن التطفل والتكبر، فيشير إلى العلم بصفته منقذ البشرية من الانحراف والدمار، مستعيناً بالعبر الذاتية ليشبع هذا التفكير إشباعاً رمزياً، ولكنه حقيقيا، يعزز من الانتماء الوجودي للواقع والمحيط.
نجح طه حسين في حياته في أن يستهدف الفئات المهمشة والحاكمة، ليلقي مجهر الضوء عليها لإفراغها من شحنتها الدراماتيكية وإزاحة بلور اللامبالاة عنها، ودور الإنسان في تفنيد عصور الظلام، وتشريع الروح لاستقبال النور الإلهي في تصوير وتصور دائم للأدب الذي منحه سنوات جمة من حياته، دون أن يظهر أي تذمر، أو تعبٍ، أو تقصير.
كاتبة لبنانية