جرى مساء الخميس 12 كانون الثاني/يناير احتفال في مقر الأمم المتحدة لنقل رئاسة مجموعة الـ77 زائد الصين، من باكستان إلى كوبا. والمجموعة التي تحمل هذا الاسم مكونة من 135 دولة لكنها ظلت متمسكة باسمها الأصلي عند انطلاقها في حزيران/يونيو عام 1964. وهي تركز على القضايا الاقتصادية والتنمية وتحاول قدر الإمكان ألا تزج نفسها في الخلافات السياسية. وترأست باكستان هذه المجموعة أربع مرات كان آخرها عام 2022 كما ترأستها فلسطين عام 2019.
وألقى وزير خارجية باكستان، بلاول بوتو زردراي كلمة افتتاحية عن طريق الفيديو أثناء نقل الرئاسة وتسليمها إلى وزير خارجية كوبا، برونو رودريغز باريا، الذي شارك في الاحتفال شخصيا. بينما رحب الرئيس الكوبي، ميغيل ديازكانل برموديز، بانتقال الرئاسة إلى بلاده عبر كلمة مسجلة من هافانا.
قبل دخول السفير الباكستاني، منير أكرم، لقاعة الاحتفال التقى بعدد من وسائل الإعلام المعتمدة لدى مقر الأمم المتحدة وراجع معهم أهم التحديات التي واجهتها المجموعة في السنة الماضية والتي تواجه الدول النامية هذه الأيام وعلى رأسها المناخ والأوبئة والديون ونقل التكنولوجيا والحكم الرشيد.
«القدس العربي» التقت السفير منير أكرم وأجرت معه حوارا هنا نصه:
○ كيف تقيمون مؤتمر الدول المانحة الذي عقد مؤخرا في جنيف لمساعدة باكستان لتخطي الآثار المدمرة للفيضانات التي تعرضت لها البلاد في الصيف الماضي؟
• تابعتم ردود فعل رئيس الوزراء الباكستاني ووزير الخارجية حول مؤتمر جنيف للدول المانحة حول فيضانات باكستان. لقد رحبا بالرد الإيجابي الكبير للمجتمع الدولي المتعلق بإعادة الإعمار في باكستان. وضعنا أمام المشاركين في المؤتمر وثيقة دقيقة حول الأوضاع التي نجمت عن الفيضانات وكان رد فعل المجتمع الدولي من كل الجهات إيجابيا ومعبرا عن تضامن دولي واسع مع باكستان. وعبر الأمين العام للأمم المتحدة عن ترحيبه بنتائج المؤتمر، فقد كانت التعهدات والإلتزامات، ربما لأول مرة، من الدول النامية أكثر من الدول المتقدمة. البنك الإسلامي للتنمية تعهد بـ 2.2 مليار دولار، وكذلك جاءت تعهدات كبيرة من السعودية والإمارات العربية وقطر تزيد عن المليارين. كان مؤتمرا فريدا من نوعه، وكنا سعداء بحجم المشاركة والتعهدات. فرنسا كانت أيضا سخية، حيث تحدث الرئيس ماكرون، وكذلك التعهدات من الولايات المتحدة والصين، كلهم قدموا تبرعات سخية. الجزء الصعب يبدأ الآن بتقديم مشاريع محددة لإعادة الإعمار كي تتدفق أموال التعهدات.
○ كان اسم باكستان مدرجا على قائمة الدول التي ستخاطب مجلس الأمن في الجلسىة الطارئة التي عقدت يوم الخميس 5 كانون الثاني/يناير حول القدس وانتهاكات وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير للحرم الشريف، لكن في اللحظة الأخيرة لم تدع لإلقاء الكلمة. هل من تفسير؟
• حول قائمة المتحدثين في مجلس الأمن يوم الخميس 5 كانون الثاني/يناير، كان هناك خلاف حول الأولويات لدى إخوتنا في منظمة التعاون الإسلامي وعلى وجه الخصوص في المجموعة العربية. تلك الصعوبات ليست جديدة وتواجهنا من حين لآخر. وكون باكستان ترأس منظمة التعاون الإسلامي الآن، فلا يمكنها أن تتكلم باسم المنظمة إلا إذا حصلت على إجماع من الدول الأعضاء حول الرسالة التي نريد طرحها. والإجماع هذا من مسؤولية الدول الأعضاء، وأحيانا نفشل في تحقيق الإجماع وهو أمر مؤسف. باكستان ستظل على موقفها الموضوعي من هذه الخلافات لكن هذه هي الحقيقة والواقع.
○ التقى وفد من المجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجموعة دول عدم الانحياز ولجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف مع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش لبحث مسألة انتهاكات إسرائيل للحرم الشريف، ما هي الرسالة التي أوصلتموها للأمين العام؟
• جهودنا تقوم على أساس أن نحاول أن نقنع الأمين العام بوجاهة الموقف من القدس. هذا وضع في غاية الحساسية. إن تدنيس الأماكن المقدسة في القدس أمر قابل للانفجار، ليس فقط في فلسطين والعالم العربي بل والعالم الإسلامي بشكل عام. هذه الممارسات لها ارتدادات واسعة في الشارع نريد أن نوصل الرسالة للأمين العام وآخرين أن عليهم أن يتأملوا وبشكل معمق كيف يمكن ألا تتكرر مثل هذه الممارسات. نحن نتفهم طبيعة الحكومة الإسرائيلية الجديدة، لكن هذا النوع من الاستفزازات ليس ضروريا كما أنه خطير. ونريد من الأمين العام أن يتكلم بصوت عالٍ، وبتكرار أكثر وبالتالي يقوم بمحاولة إقناع مجلس الأمن أن يأخذ خطوات أكثر وضوحا لمعالجة هذا الوضع.
○ الحكومة الإسرائيلية الجديدة هي الأكثر تطرفا في تاريخ إسرائيل. ما الذي يمكن عمله على مستوى منظمة التعاون الإسلامي؟
• تعرف أن منظمة التعاون الإسلامي هي منظمة مؤثرة ومهمة وتدين ممارسات السلطات الإسرائيلية والتي غالبا ما تتعرض للانتقادات والإدانة من قبل المجتمع الدولي. ولكن إذا أردنا أي تغيير في سياسات المجتمع الدولي فلا يمكن أن يتم ذلك من دون تغيير على الأرض. يمكن الاعتماد على منظمة التعاون الإسلامي في تقديم المساعدات لكن التغيير الحقيقي يجب أن يأتي من الميدان.
○ وكيف يمكن الاستفادة وتفعيل دور المنظمات الدولية؟ الأمين العام شبه صامت وممثله على الأرض، تور وينسيلاند صامت باستمرار أمام هذه الانتهاكات الإسرائيلية. ما العمل؟
• هذا شيء مؤسف. وعلى منظمة التعاون الإسلامي أن تضغط على الأمين العام لاتخاذ موقف واضح وهو ما ننوي فعله عند لقاءاتنا بالأمين العام ورئيس مجلس الأمن والمسؤولين الآخرين. نأمل أن يصغوا لصوت العالم الإسلامي.
○ الهند تنكر أن هناك مسألة اسمها كشمير. كيف ترى تعامل الأمم المتحدة مع قضية كشمير وكيف تقيم دورها في تهميش هذه القضية؟
• تتمنى الهند أن تدفن هذا الموضوع. لا تريد لأحد أن يعرف ما يجري في كشمير المحتلة من قبلها. لكن الحقيقة أن كثيرا من الأشياء تحدث في كشمير وأهمها العنف المفرط وانتهاكات حقوق الإنسان. الهند باستخدامها القوة المفرطة تعمل على إدامة الاحتلال. ومن الواضح أنها لا تعير أي أهمية لقرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن. بالنسبة للعالم، الهند دولة كبيرة ذات سوق واسع، وشريك استراتيجي لبعض القوى الغربية الرئيسية، ولذا لا تشعر بأن هناك أي ضغط يمارس عليها. لكن الحقيقة أن على العالم أن يدرك خطورة أن يكون هناك صراع يشمل دولتين شديدتي التسلح، وتملكان ترسانة نووية، وهو ما يتجاهله العالم. دولتان جارتان مسلحتان حتى الأسنان ويتم تجاهل الصراع بينهما أمر خطير، خاصة وأن مستوى التحمل والتسامح مختلف بالنسبة لكل منهما ويمكن تجاوز الخط الأحمر الذي قد يؤدي إلى نتيجة وخيمة. منهجنا في هذا الصراع هو مطالبة الهند بوقف انتهاكات حقوق الإنسان في كشمير، وعليها أن تعاود النظر وتتراجع عن قرارها بإلغاء الوضع الخاص لكشمير، وإعادة نظام الحكم الذاتي للإقليم، ثم يقوم البلدان الهند وباكستان باستئناف الحوار بينهما كما كان الوضع في الماضي والبحث عن حل مقبول للطرفين ومقبول أيضا للشعب الكشميري. نحن نؤمن أن الإمكانية لهذا الحل كانت موجودة قبل أن تلغي الهند بشكل انفرادي الوضع الخاص للإقليم يوم 5 آب/أغسطس 2019 ونؤمن بأن تلك الخطوة الأحادية التي اتخذتها الهند آنذاك قد أضاعت فرصة الحوار والحلول المقبولة.
○ كيف تقيم العلاقة بين مجموعة 77 زائد الصين ومجموعة دول عدم الانحياز؟ هل هناك قواسم مشتركة بين المجموعتين اللتين تضمان كثيرا من نفس الدول الأعضاء، وهل هناك تنسيق بينهما؟
• هناك مؤتمر على مستوى القمة لدول الجنوب سيعقد في كانون الأول/ديسمبر المقبل، وسيلتقي الطرفان في نفس المؤتمر. قضايا التنمية تتداخل كثيرا بين المجموعتين. فبينما مجموعة دول عدم الانحياز منظمة سياسية أولا، مجموعة الـ 77 زائد الصين تعتني بقضايا التنمية أساسا.
○ دعنا ننتقل إلى موضوع آخر يتعلق بالحرب في أوكرانيا. أعلنت نائبة الرئيس الأوكراني أنها تنوي تقديم مشروع قرار للجمعية العامة بهدف اعتماده كقرار يتضمن خطة السلام التي طرحها الرئيس الأوكراني زيلينسكي والمكونة من عشر نقاط. وقالت المسؤولة إنها بصدد توسيع الدعم الواسع لمشروع القرار هذا ليشمل مجموعة الـ 77 زائد الصين. هل تشعر أنك مضطر لأخذ موقف مع أحد المعسكرين؟ كيف أثر ذلك النزاع على عملك بشكل عام في الأمم المتحدة وفي رئاسة مجموعة الـ 77 زائد الصين؟
• بصفتي كنت رئيسا لمجموعة الـ 77 زائد الصين خلال عام 2022 أقول إن المجوعة ليس لها أي تأثير لأنها تركز فقط على القضايا التنموية. لقد أبقينا هذه المسألة خارج إطارنا كمجموعة وتركنا الموقف للإطار الوطني. نحن نحترم القواعد، ونعلم أن الصراع في أوكرانيا فيه بعض القضايا العديدة والكامنة غير الظاهرة. كان السياق الذي نفضله للأطراف هو محاولة إيجاد حل للنزاع، حسنًا، لم نر ذلك الأمل. لذلك بمجرد أن نرى فرصة للحل سنجد الرغبة في الذهاب باتجاه تلك الطريق.
○ تحدثت للتو عن العولمة، وأنت تعتقد أنه لا توجد طريقة للتراجع عن العولمة ولكن كما تعلم، رأينا مؤخرًا الحرب التجارية التي ما زالت مستمرة بين الصين والولايات المتحدة. هناك قيود على صادرات تكنولوجية محددة إلى الصين، والشيء نفسه يقال عن الصادرات الصينية للولايات المتحدة. وعندما يكون هناك خصام بين اللاعبين الكبار بالتأكيد تقع أضرار جانبية. فهل سبق لك أن أجريت أي تقييم للأضرار الجانبية إذا استمرت حرب التكنولوجيا هذه أو الحرب التجارية بين البلدين؟ هل لديك خطة طوارئ؟
• لا أعتقد أنه كان هناك نقاش في مجموعة 77 على وجه التحديد حول هذه المسألة. لكن يمكنني أن أقدم وجهة نظري الشخصية حول هذا الموضوع. سيكون من المؤسف أن تكون هناك حرب تجارية حقيقية، ونعلم أن بعض الإجراءات قد اتخذت من قبل الولايات المتحدة والصين مثل التعريفات والقيود. لكن تجارة الصين مع الولايات المتحدة تشكل 15 في المئة من إجمالي تجارتها. التجارة الأمريكية مع الصين تدور في نفس النطاق. لذلك حتى إذا كانت هناك حرب تجارية بين البلدين فإنها تقتصر على الأداة. أعتقد أن الأضرار الجانبية ستكون موجودة. لكننا نعتقد أن الصين ستوسع تجارتها مع أصدقائها الإقليميين، وستقوم الولايات المتحدة أيضًا بتوسيع التجارة مع جيرانها خاصة كندا والمكسيك. لذلك، ستذهب التجارة إلى مكان آخر وهو ما حدث بالفعل. لكن بشكل عام، عاجلاً أم آجلاً، أعتقد أن البلدين سيدركان أن فتح التجارة أفضل من الإغلاق لأنه فوز متبادل. إغلاق المقايضة والتبادل سيشكل حالة خاسرة للجانبين. نأمل أنه بمرور الوقت، بغض النظر عن اتجاه السياسة، على الأقل فيما يتعلق بالتجارة والاستثمار، نأمل أن نرى ذلك.