انسحب النظام من محافظات الأطراف في شرق وجنوب سوريا استعداد لمعركة دمشق الكبرى فيما يبدو، في حين تستعد إدارة العمليات العسكرية المعارضة لدخول حمص بحذر شديد.
وتبدلت خرائط السيطرة خلال الأيام القليلة الماضية بشكل لافت في وسط البلاد وشرقها، حيث قطعت فصائل المعارضة بشكل نهائي طريق طهران ـ بيروت وحرمت الميليشيات الإيرانية استخدام الطريق البري الذي أحكم النظام وحلفاؤه السيطرة عليه بعد طرد تنظيم “الدولة الإسلامية” من سوريا عام 2019.
وتوضح خرائط السيطرة حتى السبت، أن النظام يتجه للحفاظ على سوريا المفيدة كما اسماها الأسد عام 2015 أو ما تبقى منها، والمقصود بسوريا المفيدة هي دمشق ومناطق تواجد الطائفة العلوية في الساحل السوري وحمص وسهل الغاب.
يحاول الأسد اليوم استعادة خريطة نفوذ أقرب ما تكون لخريطة صيف عام 2015، قبل التدخل الروسي إلى جانبه، عندما كان يقاتل بمساندة حزب الله والميليشيات الإيرانية، وهذا يعني انه حسم قراره بالمضي بالحرب حتى النهاية.
ومع التخلي الروسي عنه، يتجه النظام إلى استخدام الأوراق القديمة كلها، وأبرزها القصف بالسلاح الكيميائي، وكانت “القدس العربي” نشرت وثيقة في تشرين الأول (أكتوبر) تشير إلى احتمالية ذلك. أما الورقة الأهم والتي يمكن أن تعقد المشهد السوري كما يعتقد الأسد، فهي ورقة إخراج تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى الساحة، وهذا يفسر من خلال الانسحابات المفاجئة من كامل طريق دير الزور – حمص ومحيط منطقة الـ 55، أي عمليا إخلاء البادية، ما يفتح شهية خلايا التنظيم لوضع قدم له في ظل المتغيرات المتسارعة.
في التحركات الميدانية، تسلمت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” مراكز عدة مدن في شرق سوريا من النظام السوري والميليشيات الرديفة باستثناء القواعد الإيرانية في معدان بريف الرقة الشرقي والتبني بريف دير الزور الغربي وقاعد الإمام علي العسكرية جنوب مدينة البوكمال. حصل ذلك بالتزامن مع انسحاب قوات النظام والميليشيات إلى حدود محافظة حمص الإدارية، حيث تجمعت الميليشيات الإيرانية في مدينة تدمر الصحراوية التي تعرضت لقصف إسرائيلي قبل أقل من شهر.
وقبل ذلك شهد ريف حلب الشرقي تبادل سيطرة بين “قسد” وقوات النظام وفصائل الجيش الوطني الموالي لتركيا. فقد سيطر المقاتلون الأكراد الخميس، على مدينة الخفسة بريف حلب الشرقي، بعد اشتباكات مع قوات “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا، وأكد قائد عسكري في الجيش الوطني لـ”القدس العربي” أن قوات “قسد” أحكمت سيطرتها على محطة مياه “بابيري” المصدر الرئيسي لتزويد مدينة حلب بمياه الشرب القادمة من نهر الفرات.
وكان المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية، قد نشر على موقعه الرسمي الأربعاء الماضي بياناً أكد من خلاله على أن “قسد” لم تتقدم بريف حلب الشرقي، وأنه لا تغيرات في خريطة السيطرة في المنطقة، وجاء في البيان، “لا تغيير في خريطة التوزع العسكري فيما يتعلق بقوّاتنا. على العكس من ذلك، تصدت قوّاتنا خلال اليومين الماضيين لعدة هجمات نفذتها مرتزقة الاحتلال التركي على مناطق سيطرة قوّات مجلسي منبج وطبقة العسكريين، حيث تم التصدي لها وإيقاع العديد من القتلى في صفوفهم جثث بعضهم وقعت بأيدي مقاتلينا”.
بموازاة ذلك، اتهمت “قسد” فصائل الجيش الوطني المنضوية في غرفة عمليات “فجر الحرية” بأنها أخلت بالتفاهمات المتعلقة بإجلاء المدنيين من منطقة الشهباء وتل رفعت شمال حلب، وقالت “قسد” في بيانٍ لها أن فصائل “فجر الحرية” اختطفت أكثر من 120 آلية كانت متجهة إلى شمال شرق سوريا، متهمة إياها باحتجاز عدد كبير من المدنيين.
بالمقابل، أكدت مصادر مقربة من الجيش الوطني أن اتهامات “قسد” عارية عن الصحة، لافتة إلى أن “قسد” تحاول إجبار سكان المنطقة من “الأكراد” على ترك مناطقهم، الأمر الذي ترفضه فصائل الجيش الوطني، وأكدت المصادر على أن حقوق سكان المنطقة من “الأكراد” ستكون مصانة ولن يطالها أي انتهاك.
وفي منطقتي الشيخ مقصود والأشرفية حيث تنتشر وحدات حماية الشعب الكردية (المكون الرئيسي لقسد) أظهرت عدة مقاطع مصورة انتشار قناصين تابعين للأخيرة على أسطح المنازل، وسط تداول معلومات عن اتفاق سري يقضي بعدم المواجهة بين غرفة عمليات “ردع العدوان” التي تتزعمها هيئة تحرير الشام، وبين “قسد”.
وفي سياق متصل، تحدثت عدة مصادر إعلامية محلية عن حل الخلاف بين غرفة عمليات “ردع العدوان” وغرفة عمليات “فجر الحرية” فيما يشير إلى أن هيئة “تحرير الشام” أفسحت المجال لفصائل الجيش الوطني لاستئناف مواجهاتها مع قوات “قسد”.
الجدير بالذكر، أن منصات إعلامية تابعة لـ “القوة المشتركة” التابعة للجيش الوطني، نشرت الخميس مقاطع فيديو تظهر استهداف مسيرات أطلقتها لعدة مواقع تابعة لـ “قسد” في مدينة منبج، فيما تداول ناشطون محليون أخباراً تشير إلى مفاوضات قد تنتهي بخروج “قسد” من منبج من دون عمليات قتالية.
في محافظة حماة وسط البلاد، تمكنت غرفة عمليات “ردع العدوان” من دون أي مواجهات تذكر مع قوات النظام، من السيطرة على مدينة سلمية، ذات الغالبية الإسماعيلية، الواقعة على مسافة 30 كم شرق مدينة حماة، وحسب مصادر محلية في سلمية تحدثت معها “القدس العربي” بصعوبة بسبب انقطاع الاتصالات، فإن سيطرة قوات المعارضة على سلمية تمت بعد اتفاق ومفاوضات بين ممثلين عن غرفة العمليات، وبين أعضاء المجلس الإسماعيلي الذي اتخذ قرار الحياد، وعدم استخدام السلاح بوجه السوريين، وبتنسيق من منظمة الآغا خان الدولية، التي يرأسها الزعيم الروحي للطائفة الإسماعيلية في العالم، وهو الذي قام بحملة اتصالات دولية للحصول على ضمانات بعدم التعرض للإسماعيليين في سوريا أو مصياف في حال امتدت المعارك غرب مدينة حماة، حسب ما أكدت بعثتان أوربيتان إلى سوريا لـ”القدس العربي”.
وأشارت المصادر في سلمية إلى أن قوات النظام، والمؤسسات الأمنية التابعة لها، انسحبت من مدينة سلمية بعد طلب من الأهالي والوجهاء، وبعد إتمام الاتفاق مع غرفة عمليات “ردع العدوان”.
حماية الممتلكات والأرواح
وأكد أحد قياديي “ردع العدوان” في مقطع مصور على مدخل سلمية، أن غرفة العمليات ستعمل على صون وحماية الممتلكات والأرواح في سلمية، وستحترم الأعراف والعادات والخصوصية التي تتميز بها، وبعد دخول قوات “ردع العدوان” للمدينة خرجت مظاهرة ليلية للتعبير عن الفرح بعدم حدوث أي اقتتال في سلمية، وردد المتظاهرون هتافات ضد نظام الأسد.
وفي اتفاق مماثل، أبرمت فصائل المعارضة اتفاقا مع وجهاء ومسؤولي مدينة محردة ذات الغالبية المسيحية بريف حماة الشمالي، وتعهدت الفصائل بعدم دخول المدينة أو التعرض لأهلها وتركهم يديرون شؤونها، وتعتبر المدينة معقلا لميليشيا القوات السهلية الموالية لروسيا ويقودها سيمون الوكيل.
وفي إطار العمليات العسكرية وسط سوريا، تقدم آلاف المقاتلين انطلاقا من حماة باتجاه مدينتي الرستن وتلبيسة على محور طريق حلب ـ دمشق /M5، وينحدر أغلب المقاتلين المندفعين جنوبا من محافظة حمص، وينتمون لفصائل مختلفة، تتبع الجيش الوطني أو فصائل “إدارة العمليات العسكرية”. وترافق ذلك التقدم مع انتفاضة مقاتلي المعارضة المتواجدين أساسا في الرستن وتلبيسة ودير معلة والدار الكبيرة.
وأحدث سقوط مدينة حماة بيد فصائل المعارضة وإعلانها التوجه إلى حمص، حالة خوف وارتباك كبيرة في قلب مدينة حمص، ما تسبب بحالة نزوح جماعي وكبير خصوصا من أحياء النزهة ووادي الذهب وعكرمة وهي الأحياء ذات الغالبية السكانية العلوية وتعتبر خزان شبيحة النظام وقاعدة الميليشيات الرديفة كالدفاع الوطني وكتائب البعث.
في جنوب سوريا، كثف قادة فصائل الجيش الحر السابق في درعا اجتماعاتهم خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، ومع بدء معركة حماة اتخذ القادة الرئيسيون قرار طرد قوات النظام السوري من جنوب سوريا، وحرت تواصلات واسعة مع قادة الفصائل المحلية في محافظة السويداء واتفقت الأطراف على يوم الجمعة موعدا لاطلاق العملية.
بدوره، علم المسؤولون الأمنيون في الجنوب نية الفصائل بدء الهجوم وهو ما جعل العميد لؤي العلي رئيس فرع الأمن العسكري يأخذ قرار إخلاء الأفرع بالتنسيق مع رؤوساء الإدارات الأمنية بما فيها شعبة المخابرات العسكرية، وهو ما اتضح من خلال افراغ سجون الأفرع الأمنية جميعا ونقلهم إلى العاصمة دمشق.
وأفرغ النظام فرع الأمن العسكري في المنطقة الجنوبية بالسويداء والأقسام الملحقة به في الصنمين والشجرة ومدينة درعا. وكذلك أفرغ فرع المخابرات الجوية في السويداء والأقسام والمفارز التابعة له وأفرع أمن الدولة والأمن الجنائي والأمن السياسي في المحافظتين.
التخطيط والتحشيد
وتشير مصادر “القدس العربي” إلى أن أبا مرشد البردان القيادي في اللجنة المركزية وأحد أبرز الشخصيات المعارضة في ريف درعا الغربي، لعب دورا في عملية التخطيط والتحشيد للمعركة.
وأخبرت المصادر أن عددا كبيرا من قادة الجيش الحر المنضوي في الجبهة الجنوبية سابقا قد غادروا الأردن باتجاه سوريا على دفعات في إطار الاستعداد للمعركة ضد النظام. ومن أبرز القادة محمد المحاميد الملقب “زغلول” قائد فرقة أهل السنة سابقا وأنس الزعيم قائد فلوجة حوران سابقا، أبو أياد الكايد أحمد ابراهيم القاسم وبراء النابلسي القياديان في “المعتز بالله” ورائد الراضي أحد أبرز القادة في جيش اليرموك سابقا، إضافة إلى عدد كبير من قادة الصفين الثاني والثالث.
وانطلقت العمليات صباح الجمعة بشكل متفرق، وهاجمت كل مجموعة من المجموعات قطعات الجيش والحواجز والمفارز حسب منطقة الانتشار القريبة منها. وكانت المجموعات قد وجهت خلال الأيام الأخيرة نداءات وتحذيرات متكررة للعناصر والمجندين والضباط من أجل الانشقاق، ولاقت التحذيرات استجابة كبيرة بعد سيطرة فصائل المعارضة على حلب وحماة وحسن المعاملة التي أظهرها مقاتلو إدارة العمليات العسكرية في حلب وإدلب وحماة، ففضل المجندون وعدد لا بأس به من الضباط الانشقاق وحفظ أرواحهم على المشاركة في معارك صد، مصيرها الخسارة الحتمية.
وأعلنت فصائل المعارضة تشكيل غرفة عمليات الجنوب وأطلقت اسم “معركة كسر القيود ” على تحركها العسكري، وفي غضون ساعات ليل الجمعة أعلن العقيد نسيم أبو عرة، المتحدث باسم غرفة العمليات الجنوب البيان رقم واحد تحت شعار “وجهتنا دمشق والملتقى ساحة الأمويين”، وقال في بيان مصور نشر على المعرفات الرسمية على وسائط التواصل الاجتماعي، إن سوريا تعيش حركة تحرر شامل، ووجه المتحدث رسائل متعددة إلى “المكونات للاندماج في سوريا موحدة.. خالية من الإرهاب والطائفية” ولفت إلى انهم يقفون على أبواب دمشق “شركاء في التحرر مع جبل السويداء الاشم ووثوار القنيطرة”.
وأكد على “ضبط حدود الجنوب مع المحافظة على أمنه واستقراره وندعو كل دول العالم لتكون مع قرار الشعب السوري في نيل حريته وبناء دولته المدنية”.
ووجه إلى “حماية الموسسات من التخريب واستمرار الموسسات المدنية في عملها” وطالب قوى الجيش السوري أن “تلتحق بركب سوريا الجديدة”.
وفي سياق متصل، علمت “القدس العربي” من مصدر عسكري في درعا، أن عمان هي من طلبت من اللواء الثامن الذي يقوده أحمد العودة بالتمركز في معبر نصيب، حيث أغلقه المتظاهرون وطردوا موظفي الجمارك والعناصر الأمنية المتواجدة فيه، وبعد خروجهم توجهت مجموعات عسكرية بهدف حمايته. ويعزو المصدر طلب المسؤولين الأردنيين من اللواء الثامن التمركز في المعبر من أجل حمايته ومنع العبث أو التخريب فيه.