غزة – “القدس العربي”: علمت “القدس العربي” من مصدر فلسطيني مطلع أن طلبات أمريكية قدمت عبر أكثر من مسؤول في إدارة الرئيس جو بايدن للجانب الفلسطيني، تدعوه للموافقة على إجراء “تحقيق مشترك” مع الجانب الإسرائيلي، في حادثة استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة برصاص قوات الاحتلال، وذلك بعد أن انهارت سريعا الرواية الإسرائيلية، التي حاولت التملص من المسؤولية عن إطلاق النار صوبها.
وأكد المصدر أن مسؤولين أمريكيين ضغطوا خلال الساعات الماضية، من أجل التحقيق المشترك، بعد انهيار الرواية الإسرائيلية حول ظروف استشهاد أبو عاقلة، وتأكدت جميع الجهات الدولية حتى اللحظة، بأن العيار الناري الذي اغتال الصحافية مصدره جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وحاول المسؤولون الأمريكيون خلال الاتصالات، التي نشطت بعد مراسم التشييع الكبيرة لأبو عاقلة من مقر الرئاسة الفلسطينية، الضغط على الجانب الفلسطيني من أجل القبول في تحقيق مشترك، بصيغة جديدة تشمل وجود أطراف أخرى، إلا أن ذلك الطلب أيضا قوبل بالرفض، والتأكيد على الموقف الفلسطيني الرافض لأن يكون أي وجود للجانب الإسرائيلي في لجنة التحقيق.
وقد اشتملت الطلبات الأمريكية أيضا، على نقل الرصاصة القاتلة التي أصابت أبو عاقلة للجانب الإسرائيلي، إلا أن الأمر قوبل بالرفض.
إعداد ملف كامل
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت حاول التملص من المسؤولية من خلال إلقاء اللوم على السلطة الفلسطينية لرفضها دعوات إسرائيلية لإجراء تحقيق مشترك. يشار إلى أن حسين الشيخ عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، قال إن إسرائيل طلبت من السلطة إجراء تحقيق مشترك وتسليمها الرصاصة التي اغتالت الصحافية شيرين أبو عاقلة، موضحا أن السلطة رفضت العرض الإسرائيلي. وأضاف “أكدنا على استكمال تحقيقنا بشكل مستقل وسنطلع عائلتها والولايات المتحدة وقطر وكل الجهات الرسمية والشعبية على نتائج التحقيق بشفافية عالية، وكل المؤشرات والدلائل والشهود يؤكدون اغتيالها من وحدات خاصة إسرائيلية”.
وعلمت “القدس العربي” أن لجنة التحقيق الفلسطينية الخاصة بحادثة استهداف أبو عاقلة من المقرر أن تضع عند الانتهاء من التحقيق، أن تضع ملفا كاملا، يشمل شهادة الشهود وتقرير الطب الشرعي، واللقطات التلفزيونية التي توثق العملية، بما في ذلك مكان تواجد الصحافيين وجنود الاحتلال، وسيقدم إلى الجهات المختصة.
ومن المقرر إلى جانب هذا الجهد، الذي باشرت فيه النيابة العامة الفلسطينية، جهة التحقيق الرسمية في السلطة الفلسطينية، أن يطلب الجانب الفلسطيني، بأن يتم تشكيل لجنة تحقيق دولية تحددها الأمم المتحدة، للتحقيق في الحادثة، استنادا لتصريحات الأمين العام الأخيرة، خاصة في ظل دعم دولة قطر التي تملك “قناة الجزيرة” الكبير لهذه الخطوة.
وحسب المصدر الذي تحدث لـ “القدس العربي” فإن اتصالات عدة أجريت بين مسؤولين فلسطينيين وآخرين قطريين منذ وقوع الحادثة، تنسق لتدويل القضية، بعد اتهام كل من السلطة الفلسطينية ودولة قطر لجيش الاحتلال، بإطلاق النار على الصحافية شيرين أبو عاقلة.
يشار إلى أن الأمين العام أنطونيو غوتيريش عبر عن شعوره بـ “الفزع” لمقتل شيرين أبو عاقلة، أثناء تغطيتها لعملية نفذتها قوات الجيش الإسرائيلية في جنين في الضفة الغربية. وقد دعا الأمين العام لإجراء “تحقيق مستقل وشفاف” في هذا الحادث وضمان محاسبة المسؤولين عنه”، وأدان جميع الاعتداءات وعمليات القتل التي يتعرض لها الصحافيون وأكد أيضا على “أن الصحافيين يجب ألا يكونوا أبدا هدفا للعنف.” وقال “يجب أن يكون العاملون في مجال الإعلام قادرين على أداء عملهم بحرية ودون مضايقة أو ترهيب أو خوف من استهدافهم”. وكرر الأمين العام اقتناعه الراسخ بأن “الصحافة الحرة ضرورية لتحقيق السلام والعدالة والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان”.
وكان مسؤولون أمميون آخرون قد دعوا أيضا إلى فتح تحقيق في مقتل شيرين أبو عاقلة، بمن فيهم الدكتور لؤي شبانه، المدير الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة للسكان للدول العربية، والمديرة العامة لـ اليونسكو”، أودري أزولاي، والمنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط تور وينسلاند، ومنسقة الشؤون الإنسانية للأرض الفلسطينية المحتلة، لين هاستينغز، بالإضافة إلى لجنة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وفي السياق، دعت وزارة الخارجية الصينية إلى فتح تحقيق دولي في ظروف استشهاد شيرين أبو عاقلة، وقالت في بيان لها: “ندعم تحقيقاً دولياً عادلاً في ظروف مقتل الصحافية أبو عاقلة برصاص الجيش الإسرائيلي”.
هذا وقد استنكرت نحو 229 منظمة حقوقية عربية ودولية، جريمة اغتيال الصحافية أبو عاقلة إثر استهدافها من قبل قوات دولة الاحتلال، وأكدت في بيان وقعت عليه أن جريمة الاحتلال التي استهدفت الإعلامية أبو عاقلة تعد “عملا مقصودا ومدبرا وجريمة اغتيال مكتملة الأركان”، وقالت إن “الشهيدة أبو عاقلة هي ضحية مباشرة لإرهاب الدولة المنظم، التي تتصرف بعقلية العصابات الإجرامية”، لافتة إلى أن الجريمة جاءت “نتيجة التحريض الممنهج على الصحافيين الفلسطينيين الذي تمارسه دولة الاحتلال ضدهم لدورهم المهني في كشف الحقيقة وفضح جرائمه”، ونددت في ذات الوقت بصمت المجتمع الدولي على جرائم الاحتلال التي يرتكبها بحق الشعب الفلسطيني، بسبب “ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين”.
وطالبت هذه المؤسسات بضرورة فتح تحقيق دولي محايد ومستقل وشفاف تحت إشراف المحكمة الجنائية الدولية للوقوف على جريمة الاستهداف، وبضرورة إطلاق حملة دولية من قبل نقابة الصحافيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحافيين والمنظمات الدولية غير الحكومية ومؤسسات حقوق الإنسان الفلسطينية لمحاسبة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وذلك لمنع إفلات الجناة من العقاب، وأشارت لضرورة رفع قضية حقوقية قانونية بشأن هذه الجريمة أمام المحكمة الجنائية الدولية، لمقاضاة القادة والسياسيين الإسرائيليين الذين يحرضون علانية على قتل المدنيين/ الفلسطينيين، بمن فيهم الصحافيون.
يشار إلى أن مؤسسة الحق، أجرت تحقيقا ميدانيا أوليا، في حادثة استشهاد الصحافية أبو عاقلة، وإصابة الصحافي علي السمودي، وذكرت أنه ووفقا لتحقيقاتها التي استندت إلى المشاهدات الميدانية، وزاوية إطلاق النار، اتضح أن إطلاق النار على الصحافيين كان من قبل جيش الاحتلال.
في المقابل انهارت الرواية الإسرائيلية بعد أقل من 24 ساعة على استشهاد أبو عاقلة، ولم تعد وسائل الإعلام العبرية ولا الساسة يثقون في رواية الجيش الأولية بأن مصدر العيار الناري الذي أصاب شيرين كان من الجانب الفلسطيني.
وقد أكد وزير الشتات الإسرائيلي، نحمان شاي، أن مصداقية إسرائيل “ليست أعلى ما يرام” في التحقيق في “جرائم حرب” مثل استهداف مراسلة قناة الجزيرة.
وقال شاي، الذي عمل سابقا متحدثا سابق باسم جيش الاحتلال، “ربما هناك حاجة إلى أخصائي أمريكي في علم الأمراض، يكون بإمكانه منح البُعد الدولي ويضيف مصداقية لهذا التحقيق”، وتابع “فمصداقية إسرائيل ليست أعلى ما يكون في أحداث كهذا وهذا يستند إلى الماضي”، وقال إن الإدارة الأمريكية ستمارس ضغوطا على إسرائيل، حتى تنتهي هذه القضية.
يشار إلى أن صحيفة “هآرتس” العبرية، ذكرت أن تحقيقاً أولياً أجراه جيش الاحتلال، أكد أن قوة عسكرية إسرائيلية كانت تتواجد على بعد 100-150 مترا من المكان الذي كان تتواجد فيه الصحافية أبو عاقلة لحظة استهدافها.
تخليدا لشهيدة الصحافة
وتخليدا للصحافية أبو عاقلة، أعلنت نقابة الصحافيين إطلاق “مؤسسة شيرين أبو عاقلة الدولية لدعم الصحافيات”، وقال نقيب الصحافيين ناصر أبو بكر إن إطلاق هذه المؤسسة يأتي تكريما ووفاء لروح الصحافية شيرين، التي أعدمها جيش الاحتلال الإسرائيلي مع سبق الاصرار. وأوضح أبو بكر أن إطلاق هذه المؤسسة جاء بالتنسيق مع الاتحاد الدولي للصحافيين، وستعمل على دعم الصحافيات في فلسطين والوطن العربي والعالم وتمكينهن، وتخصيص جائزة سنوية باسمها.
ودعا أبو بكر الى تضافر الجهود بين الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية، وعلى رأسها شبكة الجزيرة لدعم هذه المؤسسة، وأن تكون شريكا في مجلس إدارتها الذي سيضم مؤسسات وشخصيات محلية وعربية ودولية، مؤكدا أن شيرين كانت “نموذجا للصحافية المهنية والمحترفة، وسخرت حياتها لمهنتها المقدسة، لتكون حارسة للحقيقة، التي يحاول الاحتلال الإسرائيلي إخفاءها، ليواصل ارتكاب جرائمه بحق الشعب الفلسطيني بالخفاء، دون شاهد يفضح جرائمه”.
كما أعلنت جامعة بيرزيت، عن إطلاقها جائزة “شيرين أبو عاقلة للتميز الإعلامي” وهي جائزة سنوية تستهدف الإعلاميين الفلسطينيين، وتهدف إلى تحفيز الإبداع والعمل الإعلامي النوعي الذي يتناول قصة فلسطين.
وهذه الجائرة سيجري الإعلان عنها يوم 11 مايو/أيار من كل عام، وهو تاريخ استشهاد الصحافية شيرين أبو عاقلة، تكريما لدورها الوطني والإعلامي، كما أعلنت الجامعة أيضا عن تخصيص منحة دراسية سنوية باسم شيرين أبو عاقلة لإحدى طالبات الإعلام المتميزات أكاديميا كتشجيع للتميز الأكاديمي الإعلامي بعنوان “منحة الشهيدة شيرين أبو عاقلة للتميز الأكاديمي في مجال الصحافة والإعلام”.