اعتُبرت الرقابة والسلطات الرقابية، غالباً، عاملاً خارجياً وفوقياً على الأعمال الثقافية، يحدّ من حريتها، ويعيق إمكانياتها الإبداعية، وقدرتها على التعبير. إلا أنه من الصعب اختزال الرقابة، بوصفها ظاهرة ثقافية واجتماعية وسياسية، بالصورة التقليدية، عن أشخاص متزمتين أو قمعيين، يحملون مقصات، يقتطعون بها الأفكار والتعبيرات الجريئة والمتمردة، فهذه أكثر تجسيدات الرقابة تبسيطاً، والخطوة الأخيرة، التي تأتي عادةً بعد سلسلة طويلة من القواعد والإكراهات والهيمنة الأيديولوجية، والتوازنات بين القوى الاجتماعية والسياسية، التي تشكّل، بمجملها، جانباً أساسياً من البيئة التي يُنتج داخلها، وبالتفاعل معها، أي منتج ثقافي، ولا يمكن أن يوجد بدونها.
كما أن الرقابة لا تقتصر على التقييدات السياسية والأخلاقية، فهناك «رقابة» الصنعة والأسلوب الفني، والمخزون الفكري والاجتماعي للبلاغة السائدة، والتعبيرات والصور المتداولة، التي لا يمكن لأي مبدع تجاهلها، حتى لو أراد التمرّد عليها أو تطويرها، وإلا فإن عمله سيكون مهدداً بانعدام القيمة وغياب المعنى. بعبارة أخرى لا يوجد إبداع حر بالمطلق، والرقابة تساهم، داخلياً، في صياغة أسس وشروط الإبداع، وحدود ما يمكن أن يقال ومعناه في عصر ما، بل إن كل محاولات التجديد تأتي دائماً بتفاعل مُنتج مع الرقابة.
بهذا المعنى يمكن اعتبار السلطة، التي تمثّلها الرقابة، عاملاً مؤسساً، وليس معيقاً بالضرورة، لتشكّل الخطاب الثقافي؛ والحديث عن طريقتين، انتهج أحداهما أو كلاهما العاملون في المجال الثقافي، للتعامل مع الرقباء: الأولى هي محاولة تمثّل السلطات الرقابية، والانهماك بتدريب الذات على الالتزام بالقواعد، وإعادة تكرارها بأفضل صورة ممكنة، ومن زوايا مبتكرة، فلا يصبح التكرار هنا علامة على الجمود أو الخضوع، بقدر ما هو «الإبداع» بحد ذاته، واكتساباً للقوة عن طريق الاستناد إلى ما هو مقبول ومرحّب به اجتماعياً. وربما كان خير مثال عن ذلك عازفو الموسيقى الكلاسيكية، والمنشدون الدينيون؛ والطريقة الثانية هي محاولة التمرد والتحايل على الرقابة، عن طريق إحداث كسر أو خلخلة ما في القواعد السائدة، ما ينشئ مجالاً للدهشة والإحساس بالخروج عن المألوف، لا معنى له بدون حضور الإكراهات والأساليب التقليدية في ذهن المتلقي. وكل الآداب والفنون الحداثية مثال جيد عن هذا. الانتباه لأهمية الرقابة في الإنتاج الثقافي يساهم بفهم العمل الإبداعي عموماً، بوصفه واقعة اجتماعية، بدلاً من التصورات الرومانسية عن الإلهام الذاتي الحر للمبدعين، وينبّه إلى أن الرقابة لم ولن تزول، حتى في أكثر المجتمعات ديمقراطية. فما الصيغ والآليات الرقابية الأساسية في شرطنا المعاصر؟ وكيف تساهم في صياغة أشكال ومضامين الأعمال الثقافية؟ والأهم: ما الشروط الإبداعية التي توفرها للعاملين الثقافيين، سواء في حال التكرار أو التمرد؟
معايير المجتمع الافتراضي
لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي يوماً موطناً أساسياً للإنتاج الثقافي، إلا أنها لعبت دوراً مهماً في ترويج الأعمال الإبداعية، والتفاعل بين منتجيها وجمهورهم، وقياس جانب من الرأي العام، حول كيفية تلقي الناس للعمل الثقافي، و«حساسياتهم» المختلفة تجاهه. فضلاً عن ازدياد أهميتها الثقافية، بعد إجراءات الإغلاق والحجر، المرافقة لانتشار فيروس كورونا، فأصبحت، بشكل متزايد، نوعاً من الحيّز العام الثقافي. وعلى الرغم من أن منصات التواصل مارست دائماً نوعاً من الرقابة على ما ينشر فيها، إلا أن بقاءها بدون منظومة رقابية، واضحة المعالم، أثار دوماً كثيراً من الاستياء. ومع تصاعد الحديث عن دورها في نشر «خطاب الكراهية» و«الأخبار الزائفة» فضلاً عن اتهامها بالمساهمة بالتلاعب بنتائج الانتخابات الأمريكية نفسها، بدأت الشركات المشرفة عليها بمحاولة مأسسة أنشطتها الرقابية، فأصبح الحديث يدور عن «معايير المجتمع» التي يجب على المستخدمين الالتزام بها، أثناء تواصلهم الافتراضي.
حديث مواقع التواصل عن «معايير المجتمع» يُذكّر، إلى حد ما، ببعض مقولات الرقابة العربية عن «تقاليد المجتمع والعائلة» و«الآداب العامة» إلا أنه من المتعذّر المماثلة بين هذين النوعين من الرقابة، فالرقابة العربية أكثر موضعية وأقل سيولة.
ويمكن القول إن قيام شركات كبرى بصياغة معايير مجتمع كوني من المستخدمين، بكل هذه العلنية والوضوح، وقدرتها على فرض الرقابة، وحظر أي شخص، حتى الرئيس الأمريكي نفسه، أمر غير مسبوق تاريخياً، ويبدو أن رقابة مواقع التواصل ستصبح من الشروط الأساسية للإنتاج الثقافي في المستقبل. لا يمكن لجهة تسعى لصياغة معايير اجتماعية عامة، أياً كانت هذه المعايير، ألا تكون جهة محافظة، بمعنى أنها تحاول ترسيخ وتثبيت قيم معينة، تعبّر عن متن اجتماعي سائد، وجعلها تقليداً على الجميع الالتزام به. كما أن مواقع التواصل باتت تمتلك سلطة تحديد الحقيقي من الزائف، والصحيح من الخاطئ، بناء على مرجعية أيديولوجية، توفرها شبكات إعلامية ومؤسسات سياسية وثقافية مستقرة. ورغم أن النزعة المحافظة شرط جوهري في أي رقابة، وهو ما حفّز المبدعين المجددين دوماً على تحديها ومحاولة تجاوزها، إلا أن الميل المحافظ لمنصات التواصل، صعّب التحدي إلى حد كبير، نظراً لأسلوب عمل خوارزمياتها، القادرة على الوصول اللصيق للحيّز الخاص للأفراد، وتقديم اهتمامات وقيم معينة، بوصفها امتداداً طبيعياً لميولهم واختياراتهم الثقافية والاستهلاكية والسياسية.
ضمن هذا الشرط يزدهر التكرار أكثر من التجديد، خاصةً أن القصص الرائجة trends هي من أهم أساليب تحفيز الجدل وبناء القناعات على مواقع التواصل، إلا أن نمط التكرار الافتراضي يفتقر إلى الإتقان والتعقيد والرسوخ، التي تتسم بهم التقاليد المجتمعية والفنون المحافظة، وليس على المكررين بذل مجهود شاق لتطويع الذات واكتساب المهارات، ولهذا انعكاساته الكبيرة على طبيعة الأعمال الثقافية، القابلة للانتشار على مواقع التواصل، التي يمكن أن تتحوّل بدورها إلى قصص رائجة، مضطرة إلى مراعاة كم هائل من الحساسيات ومعايير المجتمع المستحدثة. وسيصبح من الصعب على الفاعل الثقافي أن يقول شيئاً مغايراً لما قيل سلفاً، ومحروماً، في الوقت نفسه، من إظهار براعة واتقان متينين، لا تحتملهما الطبيعة السائلة والمتسرّعة لما هو رائج.
مشكلة الصواب السياسي
شبّه الممثل الكوميدي البريطاني روان أتكينسون (مستر بين) مؤخراً، دعاة ما يسمى «ثقافة الإلغاء» والصواب السياسي بعصابات القرون الوسطى، فهم، حسبه، «يجوبون الدروب بحثاً عن شخص ما لإحراقه» ويمنعون البشر من التعرّض لمجموعة واسعة من الآراء، ملقياً اللوم على مواقع التواصل الاجتماعي، التي رفعت من مستوى الاستقطاب السياسي، وساهمت ببناء نظرة ثنائية ومبسّطة للمجتمع، فيصبح المخالفون للسائد أعداءً، يستحقون الإلغاء بكل بساطة.
وعلى الرغم من أن وجهة نظر أتكينسون لا تخلو من وجاهة، إلا أن الاستقطاب السياسي والاجتماعي ليس مجرد ظاهرة قروسطية، ولطالما كان هناك من يستحقون الإلغاء، بنظر السلطة السائدة، حتى في أشد الأزمنة الحديثة تنوّراً، كما أن صوت معارضي الإلغاء الثقافي عالٍ دوماً، لدرجة أن هناك نوعاً كاملاً من الأعمال الثقافية، يزدهر بناءً على تحديه العلني والفخور للصواب السياسي.
ربما لا تكون المشكلة بوجود عصابات تجوب الدروب، فدائماً ما نجح منتجو الثقافة بالتملّص من هذا النوع من العصابات، إما من خلال تعديل أسلوب أعمالهم، لإيصال ما يريدون بدون مواجهة مباشرة، أو عن طريق الرحيل إلى بيئات ثقافية أخرى، توفّر حريات أكبر. الأزمة الفعلية للإنتاج الثقافي المعاصر قد تكمن في شروطه البنيوية ذاتها، خاصة انحلال الحيز العام والمؤسسات الاجتماعية الصلبة، رغم كل الرقابة والإلغاء، اللذين كانا سائدين فيهما، لحساب أنواع أكثر مرونة من الرقابة، تعمل على أنماط افتراضية وغير اجتماعية للتواصل، وهو ما يجعل كثيراً من المنتجات الإبداعية، سواء كانت تؤيد الصواب السياسي أو تناهضه، تدور في دائرة مفرغة من التكرار غير المبدع. ولكن هل توجد بيئات ثقافية، أكثر رحابة، يمكن الهجرة إليها؟
الرقابة السهلة
حديث مواقع التواصل عن «معايير المجتمع» يُذكّر، إلى حد ما، ببعض مقولات الرقابة العربية عن «تقاليد المجتمع والعائلة» و«الآداب العامة» إلا أنه من المتعذّر المماثلة بين هذين النوعين من الرقابة، فالرقابة العربية أكثر موضعية وأقل سيولة، وتعمل بالاستعانة بأجهزة عنفية، مثل أجهزة الشرطة والمحاكم وضغط الجماعات المتشددة، في ظل تدهور الهيمنة الأيديولوجية لدولة الاستقلال العربية.
وعلى الرغم من المخاطر الشديدة، التي قد يتعرّض لها منتجو الثقافة العرب، والتي قد تصل إلى فقدانهم لحرياتهم أو حياتهم، إلا أنهم قادرون على العمل على تخوم عالمين، فبإمكانهم، لدرجة ما، التحايل على أحكام الرقابة العربية، أو الهروب من سلطتها إلى أمكنة أخرى، على الأقل؛ وما تزال لديهم، من جهة أخرى، كثير من القضايا «الصلبة» وعلى رأسها التغيير الديمقراطي والمساواة القانونية، ما يجعلهم معنيين بدرجة أقل بإكراهات الرقابة الغربية.
لا يعني هذا بالطبع أن البيئة الثقافية العربية باتت أرحب من نظيراتها في الدول الغربية، أو أن منتجي الثقافة العرب لا يتأثرون بالشروط البنيوية للإنتاج الثقافي المعاصر، ولكن يشير إلى وجود فرصة ما، لمتكلمي العربية، لتعامل ذكي مع الشروط الرقابية التي يعيشونها، قد تمكّنهم من تجاوز بعض الحدود الثقافية المعاصرة.