«عيسى»… فيلم روائي قصير يُجدد أزمة السينما المُستقلة مع الرقابة

أصبح مألوفاً أن تُثير أفلام المهرجانات جدلاً واسعاً حول ما تطرحه من قضايا وموضوعات، يتحفظ عليها البعض، وتقف حيالها الرقابة على المصنفات الفنية موقف المُدقق، وأحياناً المُتشدد إذا ما رأى الرقباء شيئاً لافتاً في الأحداث يستدعي التريث والتأني في منح الفيلم تصريحا بالعرض الخاص، أو العرض الجماهيري، وهي مسؤولية يضطلع بها الجهاز الرقابي كنوع من الحماية، وفق مقاييس ومعايير خاصة منصوص عليها في القانون المُنظم للعملية الرقابية واللوائح المُتصلة بهذا الشأن.
ولأن المبدعين وصُناع الأفلام يرون في الرقابة قيدا على حريتهم الفكرية والإبداعيةن فغالباً ما يحدث الصدام بينهما، وتأخذ المشكلة وقتاً للتفاهم والوصول إلى حلول وسطية تُحقق المُعادلة الصعبة بين حرية الإبداع وتفعيل الدور الرقابي، بما يستوجبه المنطق في المُحافظة على حقوق الطرفين.. المُبدع والرقيب.
ما يُثار الآن حول الفيلم الروائي القصير «عيسى» يشابه كثيراً ما حدث لأفلام سابقة، تم تأجيل عرضها لأسباب تتعلق بحساسية موضوعاتها، أو مصادر تمويلها، فالرقابة على المصنفات الفنية في مصر تأخذ بمبدأ الحيطة والحذر في ما يلتبس عليها، وهو أمر غير مُستنكر من الناحية الإجرائية، طالما أن النية خالصة لوجه المُجتمع، دون قصد مُسبق لتعطيل الحركة الفنية أو التربص بالأعمال المتميزة والمُختلفة. فكما هو واضح من المعلومات المنشورة عن الفيلم، أن أحداثة تدور حول شاب افريقي لا يتجاوز عمره السبعة عشر عاماً، يعيش في مصر ويتعرض لحادث عنيف فيهرع مُسرعاً لإنقاذ زملائه ومُحبيه، وتحت هذا التلخيص المُقتضب تنطوي الفكرة الأساسية وهي مناقشة واقع الافارقة المُغتربين في مصر بعرض بعض التفاصيل التي يسمح بها زمن الفيلم، وفي حدود الرؤية الخاصة لكاتب السيناريو والمخرج مراد مصطفى. وربما لأن الفيلم خاض غمار العديد من المسابقات الدولية في مهرجانات مهمة، وحصل على جائزة النُقاد من مهرجان «كان» الفرنسي، بالإضافة إلى 30 جائزة أخرى أدى ذلك الاحتفاء والتتويج إلى الانتباه ولفت الأنظار، فضلاً عن طبيعة الموضوع المطروح وخصوصيته وعملية الإنتاج المُشترك التي تدخل فيها مجموعة عناصر وكيانات إنتاجية.
كل هذه أسباب حتمت على رقابة المُصنفات الفنية التفتيش في المضمون وقراءة الفيلم قراءة متأنية، ليكون السماح بعرضه داخل مهرجان القاهرة السينمائي، أو خارجه على مسؤوليتهم ودون غضاضة، أو حرج من أي نوع، لأن هناك رأيا عاما يُمثل المرجعية النهائية في الحُكم على أي عمل فني، وهو حق مُكتسب له بوصفة المُتلقي الأول والأخير والمُستهدف الرئيسي من الرسالة الإبداعية ومضامينها الجزئية والكلية.
يذكرنا فيلم عيسى بتجارب سينمائية كان لها الأثر والصدى نفسه، حين تم عرضها في المهرجانات، أو في دور العرض، ومن أبرز الأمثلة فيلم «ريش» الذي تحول فيه رب الأسرة إلى دجاجة في مشهد أثار حفيظة الكثيرين، كونه يحمل تلميحاً بعجز الشخصية المصرية وقهرها أمام الظروف الاقتصادية والاجتماعية، حسب تفسير المشهد في حينه من قبل البعض. هناك أيضاً مجموعة أفلام واجهت أزمات من النوع نفسه مع الرقابة والجمهور من أهمها فيلم «أصحاب ولا أعز» الذي قامت ببطولته منى زكي وتوقف البعض عند دورها بالتحديد، حيث وصف بالجرأة الشديدة غير المسبوقة في السينما المصرية، كذلك تم الاعتراض في أوقات سابقة على أفلام سياسية مهمة كفيلم «طلق صناعي» للمخرج خالد دياب وهو مزيج من الكوميديا والسخرية اتسمت بها الأحداث لتمرير بعض المفاهيم الناقدة بقوة لظواهر كثيرة في المجتمع المصري، على قدر من الحساسية والدقة ومن قبله بسنوات عديدة حدثت زوبعة إبان عرض فيلم «ليلة سقوط بغداد» للمخرج محمد أمين، واحتجت الرقابة التي كان يترأسها في ذلك الوقت الناقد علي أبو شادي على عرض الفيلم في مهرجان السينما الروائية، وسُمح بعرضه بعد مداولات كحالة استثنائية. كما أن بعض النماذج من الأفلام العربية لم يتم الترحيب بها جماهيرياً كالفيلم العراقي الكردي «عبور التراب» للمخرج شوكت أمين، على سبيل المثال، الذي عُرض في إحدى دورات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وأثار جدلاً واسعا. وأيضاً فيلم «ابن بابل» فرغم تميزه الفني والإنساني لم يحظ بالإجماع النقدي والجماهيري. غير أن هناك تجارب سينمائية على قدر كبير من التميز التقني والموضوعي واجه صُناعها عند عرضها لأول مرة أزمات واختلافات في الرؤى والاستقبال والتحليل، ولم يُنقص ذلك من قيمتها الفنية والإبداعية شيئاً كفيلم «الجنة الآن» للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، وفيلم «صلاة العشاء» وهو روائي قصير للمخرج يوسف علاري.
ويُعد كل ما سبق من أفلام مصرية وعربية مجرد أمثلة لنماذج أحدثت دوياً وحركت الماء الراكد في الساحة السينمائية، ودللت على نشاط وحيوية الحركة الفنية والإبداعية بمُختلف مشاربها وفروعها وجهات إنتاجها المُستقلة وغير المُستقلة.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية