“جبل الهيكل في أيدينا”، قال موتي غور في جهاز الاتصال بعد انتهاء المعركة على البلدة القديمة في القدس في حرب الأيام الستة. وتبين بعد ذلك كم كان هذا الإعلان مشحوناً وقابلاً للانفجار ومعقداً وحساساً من الناحية الدينية والقومية والسياسية والثقافية. أدركت الحكومة الإسرائيلية في حينه هذا التعقيد، واتخذت قراراً بأنه رغم إعلان سيادة إسرائيلي على كل القدس، إلا أن الأردن هو الذي سيكون مسؤولاً عن الإدارة الداخلية لجبل الهيكل الذي يضم فيه المسجد الأقصى، وأنه سيسمح لليهود بزيارة المكان دون الصلاة فيه، بل في حائط المبكى.
أحداث شهر رمضان 2022 جسدت الإمكانية الكامنة المتفجرة حول الحرم، وأوضحت بأن القدس، لا سيما المسجد الأقصى وباحات الحرم، تحولت إلى بؤرة أساسية في النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين. في رمضان ازدادت المواجهات بين قوات الأمن الإسرائيلية والفلسطينيين وعرب إسرائيل في هذا المكان، واشعلت حماسة متطرفين، لا انتماء تنظيمياً لمعظمهم، على تنفيذ عمليات إرهابية ضد يهود. حملات التحريض منفلتة العقال في الشبكات الاجتماعية وفي وسائل الإعلام الفلسطينية، التي قادتها حماس، عرضت كما يبدو خطة إسرائيلية لتقسيم الحرم زمانياً ومكانياً بما يشبه التقسيم الذي في الحرم الإبراهيمي في الخليل، الذي هو -حسب رأيهم- خرق “للوضع الراهن” في المكان.
عملت شرطة إسرائيل بتصميم وحكمة ضد الأحداث العنيفة عندما طلب إدخال رجال الشرطة إلى باحات المسجد الأقصى وعندما تحصن شباب فلسطينيون هناك وانتظموا لرشق الحجارة وإشعال المفرقعات على حائط المبكى. ورغم قوة الأحداث، لم تغلق إسرائيل المكان أمام المصلين المسلمين وسمحت بأداء الصلاة في المكان، ولم يسجل أي قتلى في هذه الأحداث، شهداء، الذين كان قتلهم سيزيد الحماسة والعنف. قامت قوات الشرطة بضبط النفس إزاء استفزازات رفع أعلام حماس في المكان. وضبط الشرطة لنفسها مكن من إحياء ليلة القدر التي شارك فيها أكثر من 250 ألف مسلم.
القتال من أجل الأقصى والمعلومات الكاذبة عن نية إسرائيل تغيير ترتيب الصلاة في المكان هو قوة محركة لأفراد وجماعات، ليس لمعظمهم انتماء تنظيمي، لتنفيذ عمليات قتل ضد مواطنين إسرائيليين. عملية البلطات التي تم تنفيذها في عيد الاستقلال في “إلعاد” رسمت استمرار النضال من أجل الحرم دون صلة بشهر رمضان، حيث الانتظام من أجل حمايته دفع الشباب الفلسطينيين لتلبية دعوة رئيس حماس في القطاع، يحيى السنوار، لتنفيذ عمليات بكل ما هو في متناول اليد، سواء بندقية أو سكين أو بلطة. وقد أضاف وأوضح المتحدث بلسان حماس، فوزي برهوم، أن “العملية في “إلعاد” عمل بطولي وشجاع ورد طبيعي على انتهاكات الاحتلال في المسجد الأقصى”.
هناك عدد من اللاعبين الذين يحددون روحية وقوة الأحداث في الحرم:
1-تعمل حماس على ترسيخ مكانتها كـ “حامية للمسجد الأقصى” من خلال الإدراك بأن التحريض حول الحرم سيزيد روح “المقاومة” في أوساط الفلسطينيين. انضمت جهات إسلامية لحماس، واستجابت لدعواتها وساهمت في ترسيخ صورة أن هذه المنظمة هي التي تسيطر على الأحداث في الحرم.
2-الحركة الإسلامية، الجناح الشمالي، ناشطة في تنظيم أعمال الشغب في الحرم؛ فقد قامت بتنظيم رحلات إلى الحرم، 100 حافلة في اليوم في شهر رمضان.
3– حزب التحرير الإسلامي، الذي يعمل ضد الأوقاف الإسلامية والسلطة الفلسطينية بتنسيق مع منظمة الشباب والطلاب التابعة لحماس، التي تنشط في الجامعات داخل الضفة الغربية. هذا الحزب أدخل في شهر رمضان مئات النشطاء إلى الحرم من خلال استغلال بعض الثغرات في الترتيبات، لعزل الحرم.
4-لجان التنسيق للأحياء العربية في شرقي القدس ومجموعات لشباب شرقي القدس، الذين وضعوا أمام أعينهم هدفاً يتمثل بحماية المسجد الأقصى من المستوطنين ومن صلاة اليهود فيه.
5-المرابطون برئاسة الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى.
6-مجموعات من الإسرائيليين الذين يريدون إثباتاً واسعاً للحضور والصلاة في الحرم، وجهات تستغل الأزمة السياسية في إسرائيل وتحاول دفع “راعم” إلى الانسحاب من الائتلاف بسبب الأحداث حول الحرم.
بواسطة الحرب النفسية التي ترتكز على استغلال التصورات التي تبنتها حماس، مثل رفع علم المنظمة في الحرم وإذكاء دعوات عامة للمصلين المسلمين على شرف محمد ضيف، رئيس الذراع العسكري للحركة، عرضت حماس الأحداث كـ “انتصار” على إسرائيل. على رأس قائمة الإنجازات التي تعرضها حماس تعزيز صورتها بأنها “حامية للقدس”؛ ومنع تقديم قرابين من قبل اليهود في الحرم؛ ومنع مسيرة الأعلام من الدخول إلى البلدة القديمة من منطقة باب العامود؛ وضعضعة استقرار الحكومة الإسرائيلية، وتبني أساليب “الإزعاج” في الحرم، مثلما يحدث على حدود القطاع؛ وفوق كل ذلك، أثبتت الأحداث -حسب المتحدثين بلسان حماس- بأن نهج “المقاومة” هو الذي يقود المعسكر الفلسطيني، وأن حماس يمكنها خلق ربط بين ساحات المواجهة المختلفة ضد إسرائيل.
خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس في الخارج، دعا إلى إنشاء “جيش الأقصى”، جيش مشترك للفلسطينيين والأمة الإسلامية. وحسب رأيه، المطلوب بلورة استراتيجية نضال مستمر تؤدي إلى إنهاء سيادة إسرائيل على الحرم والقدس، وبعد ذلك على كل فلسطين. ورئيس حماس في القطاع، يحيى السنوار، قال في خطاب ألقاه في 30 نيسان بأن المعركة لن تنتهي بانتهاء شهر رمضان، ومدح عرب إسرائيل الذين هبوا للدفاع عن المسجد الأقصى. وقال السنوار أيضاً بأن حماس مستعدة لنضال طويل لمنع رجال الشرطة الإسرائيلية والمستوطنين من الدخول إلى الحرم، وعدم السماح بتقسيم الحرم بين اليهود والمسلمين، ليس بمعنى تقسيم زماني ومكاني. وقد دعا الشعب الفلسطيني للاستعداد للمعركة الكبرى، إذا لم يوقف “الاحتلال” مهاجمة المسجد الأقصى والقدس، عندها ستندلع “حرب دينية إقليمية، ستظهر مثل كرة اللهب في الشرق الأوسط، بما في ذلك تدنيس آلاف الكنس في العالم”.
يتابع الأردن بقلق ما يحدث في الحرم عقب الخوف من تدهور أعمال الشغب إلى حدود المملكة. العائلة المالكة هي القيم الرسمي من قبل العالم الإسلامي على هذا المكان المقدس. منذ إقامة المملكة، تم وضع المكان تحت مسؤوليتها. واتفاق السلام مع إسرائيل أكد على المكانة الخاصة للأردن في هذا المكان. الحكومة الأردنية تتمسك بالتفاهمات التي تسمى الوضع الراهن في الحرم، الذي هو الحرم الشريف (المكان المقدس بالنسبة للإسلام والثالث من حيث أهميته في العالم الإسلامي)، رغم أنها غير مكتوبة وليس لها أي أهمية قانونية. والأوقاف الأردنية، مثل جميع التيارات الإسلامية، لا تعترف بسيادة إسرائيل على الحرم. منذ العام 1967 ترسخت تفاهمات ووجدت تسوية مؤقتة، وفي إطارها منحت إسرائيل الأوقاف الأردنية صلاحية إدارة الصلاة والخطب والمناسبات والحفريات والصيانة والدراسة وقواعد السلوك في المكان. ونص أيضاً على أنه غير مسموح لليهود بالصلاة في الحرم، ويسمح زيارتهم فقط وفي أوقات تم تحديدها مسبقاً مع الأوقاف الأردنية. تم تقسيم مهمة الحماية بين الأوقاف المسؤولة في منطقة الحرم، والشرطة الإسرائيلية المسؤولة عن حماية المكان بشكل شامل، وتمت بلورة تفاهمات بأن دخول قوات الشرطة إلى المكان يتم فقط في حالة الإخلال بالنظام والمس بحرية العبادة.
في السنوات الماضية، حدثت تطورات تشكل انعطافاً عن الوضع الراهن. الأول، الكثير من الإسرائيليين يقومون بزيارة الحرم ويريدون الصلاة فيه، وثمة جماعات وأفراد من اليهود يصلون رغم المنع. الثاني، الأوقاف الأردنية، مثل السلطة الفلسطينية، ضعفت جداً وفقدت السيطرة على المكان، وكثير من اللاعبين المتطرفين اقتحموا الفراغ الذي نشأ، وعلى رأسهم الحركة الإسلامية – الجناح الشمالي والشباب في شرقي القدس. ورداً على الأحداث الأخيرة، حولت إسرائيل لجهات في الإدارة الأمريكية وثيقة طلبت فيها إعادة الوضع الراهن حسب الصيغة الأردنية، التي تعني إدارة إسلامية كاملة للحرم بواسطة الأوقاف الأردنية، التي من صلاحياتها اتخاذ قرار من يدخل ومتى يدخل وكم عدد الذين يدخلون إلى المكان. إضافة إلى منع صلاة اليهود هناك.
الخلاصة والتوصيات
التحريض المتزايد وأعمال الشغب في باحات الحرم في شهر رمضان 2022 حركت عمليات لأفراد وأزواج، قتل فيها 19 إسرائيلياً. إلى جانب ذلك، نجحت إسرائيل في منع تدهور وتصعيد واسع في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة أيضاً. في السياق الإقليمي، رغم ارتفاع حجم الانتقادات العلنية لإسرائيل، لم يتم شرخ التعاون الاستراتيجي والأمني مع الدول العربية، ولم يتم حرف الاهتمام العالمي من الحرب في أوكرانيا إلى القدس.
يمكن إحصاء عدد من الإخفاقات في السياسة الإسرائيلية؛ فعلى المستوى الاستراتيجي، أدارت إسرائيل معارك صد واستيعاب تكتيكية دون معرفة أن الأمر يتعلق بمعركة جديدة على السيادة في الحرم ومواجهة مخربين ليس لهم انتماء تنظيمي. إضافة إلى ذلك، لم تجبِ إسرائيل ثمناً من حماس التي شجعت أحداث التصعيد. أما على المستوى التكتيكي، فهناك ثلاثة إخفاقات: صادقنا على دخول جمهور من الشباب الفلسطينيين وعرب من مواطني إسرائيل رغم وجود دلائل تشير إلى نواياهم بإحداث أعمال شغب؛ ولم تعرض حكومة إسرائيل التسويات التي بلورتها مع الأردن والأوقاف عشية شهر رمضان، التي تم خرقها من قبل المسلمين، وبهذا سمحت باتهام إسرائيل بخرق الوضع الراهن ونشأ توتر بين الدول؛ وتجنبت الحكومة الإسرائيلية المواجهة مع جهات سياسية وغيرها في إسرائيل، التي تريد تعزيز سيادة إسرائيل في الحرم بواسطة الحج والصلاة الجماعية لليهود فيه.
على إسرائيل أن تعيد تنظيم نفسها قبل معركة مستمرة للسيطرة على الحرم، على أساس الإدراك بأن الإمكانية الكامنة للانفجار في هذا المكان الحساس ستزداد عقب كل حادثة، سواء أكانت عيداً أو ذكرى. في الوقت نفسه، يجب عليها الاستعداد للتداعيات المرتقبة لفرض السيادة والنظام في هذا المكان، وتشجيع العمليات الإرهابية وتحدي مكانتها الإقليمية والدولية. ومطلوب تقليص نشاطات الجهات التي تقوض الاستقرار، والفصل بينها وتحييدها. في الطرف الإسلامي، المشكلة الأساسية هي عدم وجود عنوان مسؤول يمثل معظم الجهات. والأوقاف الأردنية، والسلطة الفلسطينية التي أبعدتها إسرائيل عن القدس والحرم، ليس لهما تأثير وغير قادرتين على فرض النظام والهدوء ومواجهة الجهات التي لا تخضع لها، مثلما لا تقبلان سيادة إسرائيل، وهما مستعدتان لمواجهة قوات الشرطة بلا خوف.
على إسرائيل العمل بحزم وتقييد دخول الجهات التي تضعضع الاستقرار في الحرم، سواء المسلمين أو اليهود. في الوقت نفسه، من المهم أن نحاول مرة أخرى تحديث الاتفاقات مع الأردن حول حرية العبادة للمسلمين في الحرم، إلى جانب ضمان النظام والاستقرار فيه، استناداً إلى الاتفاقات بين الدول ومن أجل الحصول على شرعية للخطوات في المستقبل أيضاً. كذلك، يجب عليها أن تفحص مع الأردن دمج السلطة الفلسطينية مع الأوقاف الأردنية، وبذلك ستمنع حماس من تحقيق إنجاز. يجب أن ترتكز التسويات على إحلال الاستقرار والهدوء وحماية المصلين المسلمين في المسجد الأقصى، واليهود في حائط “المبكى”، إلى جانب السماح بزيارة اليهود للحرم في أوقات محددة، مع الالتزام بمنع صلاتهم فيه. وإذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات فعالة مع الأردن، فيجب على إسرائيل أن تفحص منعاً مطلقاً لفترة قصيرة من الوصول إلى المكان، سواء للمسلمين أو اليهود.
إزاء حماس، تبددت التقديرات المتفائلة في إسرائيل مرة أخرى بخصوص اعتدالها والقدرة على التوصل إلى تفاهمات هادئة معها. تحسن حماس استغلال الفصل بين قطاع غزة، حيث الحفاظ على الهدوء وروتين الحياة، وبين المناطق الأخرى التي تعتبر بالنسبة لها ساحة نضال وتشجع فيها على تصعيد الإرهاب، سواء في القدس أو داخل إسرائيل أو الضفة الغربية أو جنوب لبنان. على حماس دفع ثمن التحريض، وقد حان الوقت لتستغل إسرائيل تفوقها التكنولوجي للتشويش على قنوات تأثير وتحريض حماس.
بقلم: أودي ديكل
نظرة عليا 10/5/2022