السلطة وصناعة الثقافة

هناك ما يسمى «الثقافة الرسمية» وهي الثقافة المعتمدة من قبل السلطة الحاكمة والنخبة العلمية والفكرية والمبدعة القريبة من السلطة أو التي تحظى باحترام جموع الشعب، بوصفها الثقافة الرسمية، التي غالبا ما تكون مصاغة باللغة الفصيحة، وتبدو في الدين والأدب الرصين والفنون الرفيعة، وهي غالبا ما تحوز مكانة عالية في منظور الأفراد وفي مؤسسات المجتمع، وتقابلها الثقافة الشعبية التي تكون سائدة بين مختلف شرائح الشعب، ومتجلية في فنونهم وتكون لغتها هي اللهجات الدارجة بين الناس.
وجاء في تعريف الثقافة الرسمية Official Culture بأنها: المؤسسات الثقافية كما تمثلها السلطات السياسية في الدولة أو الأمة.. وهي كل ما يصدر عن السلطة المدنية أو الدينية، وتسود في مراكز الدولة ومؤسساتها. وهي كمعيار مفروض تنتشر في منطقة بأكملها، من مركز خارج تماما عن حدود المجتمعات المحلية، أو البيئات الفعالة، حيث تنمو الثقافة الشعبية، ويمكن وصف العملية التي تنتشر بمقتضاها الثقافة الرسمية إما في الاتجاه إلى المركز أو الإيحاء المركزي.
ربط هذا التعريف معايير الثقافة الرسمية بكونها الثقافة السائدة في مؤسسات الثقافة التابعة لأجهزة الدولة، التي تشمل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، والمسارح، ودور النشر، وأيضا المساجد ومراكز التوعية والإرشاد. فهذه المؤسسات موجهّة بشكل مباشر أو غير مباشر من سلطات الدولة والحكم، وأيضا النخب المثقفة والعلماء، والتوجيه المباشر يكون بالتركيز على خطاب فكري وثقافي معين، كأن يكون الخطاب مروّجا للاشتراكية أو القومية أو الليبرالية، وغالبا تتوازى معه سائر الخطابات في دوائر الفنون والصحف مع هذا التوّجه، وهذا لا يمنع من وجود وسائل إعلامية وفنية أخرى معارضة، ولكن نتحدث عما هو سائد وموجه من السلطة، وهناك توجيه غير المباشر يكاد يكون خفيا، يستشعره المسؤول الثقافي، من خلال المنابر الأخرى، وتعليمات الحكومة ومَن في السلطة، وهذا يبدو في الأنظمة غير الديمقراطية، حيث تخضع منابر التوجيه والثقافة والإرشاد لتوجهات الحكومة، وتتلون مع تبدلاتها السياسية والفكرية والاجتماعية.
ولا تقتصر توجهات المؤسسات الثقافية على العاصمة، بل تتعداها إلى سائر الأقاليم من محافظات ومدن وقرى، في ما يسمى « الثقافة ذات قوة الطرد المركزية» التي تنشأ في المركز الاجتماعي، وتنتشر عن طريق المحاكاة الحرة، ويمكن أن تتمدد هذه الثقافة وتصبح «ثقافة متحركة Mobile Culture» وتكون أكثر تفوقا وفي حالة انتشار دائمة. وهذا يتوقف على طبيعة الرسالة المبتغاة، ومدى إخلاص القائمين عليها، وطبيعة تأهيلهم الفكري، وأيضا مدى تقبّل الناس لهم ولخطابهم الثقافي، وتفهّمهم لعروضهم الفنية.
ولا شك في أن هناك فجوة بين الثقافة الرسمية والثقافة الشعبية، فنحن نرصد ظواهر عديدة، نتلمسها في شواهد كثيرة، وقبل تناول الأبعاد يستحسن أن نشير إلى أن مفهوم الفجوة بما يعنيه من وجود فراغات قد يصل إلى انقطاع وعجز عن الاتصال والتواصل؛ وليس هذا كائنا في عصرنا الحاضر فقط، بل حدث كثيرا، في عصور سابقة، ويرتبط حدوثه بعوامل مجتمعية وسياسية واقتصادية، فعندما يشتد الاستبداد، يتعاظم إقصاء الشرائح الاجتماعية الفقيرة، وتتقرب إلى الحاكم الفئاتُ الفاسدة التي تحتقر أبناء الشعب، وتراه خدما لها، فتتعاظم الحواجز النفسية، ويشتد الحقد الاجتماعي، وقد يصل إلى احتراب وتمزق مجتمعي، فتتعاظم الفجوة الثقافية، وتنعزل الفئات الاجتماعية، وتنكب كل طائفة أو إثنية أو مذهبية على ثقافتها، تجترّها وتمتاح منها، وتهاجم غيرها من الثقافات.

هناك فجوة بين الثقافة الرسمية والثقافة الشعبية، فنحن نرصد ظواهر عديدة، نتلمسها في شواهد كثيرة، وقبل تناول الأبعاد يستحسن أن نشير إلى أن مفهوم الفجوة بما يعنيه من وجود فراغات قد يصل إلى انقطاع وعجز عن الاتصال والتواصل.

إن هذه الفجوة ليست وليدة اليوم ولا السنوات الأخيرة، وإنما هي متفاوتة ومتأرجحة وفق المتغيرات السياسية والاجتماعية والفكرية في المجتمع، فإذا كانت الحكومات متسلطة مستبدة، فإنها تستخدم المؤسسات الثقافية في الترويج لتوجهاتها، وتحوّل العملية الثقافية إلى احتفاليات ومهرجانات ومعارض، تستقطب بدورها أنصاف الموهوبين، وما يستتبع ذلك من شللية وتنفيع متبادل، واللهاث وراء المناصب، وما يستتبع ذلك من إقصاء للمثقفين الجادين والمبدعين الحقيقيين، الذين يفضلون النأي بأنفسهم عن واقع ثقافي بائس عن ولوج الحظيرة الثقافية الرسمية، ما يستتبع قلة إبداعهم وابتعادهم التدريجي عن الحياة العامة؛ وانحصار تواصلهم مع الجمهور في ندوات قليلة العدد، نخبوية الخطاب، تقتصر على العاصمة والمدن الكبرى، وتندر لقاءاتها في الريف والأحياء الشعبية والعشوائيات. فإذا حاول البعض منهم التواصل مع الجماهير، فإن حركته تظل محدودة ضعيفة التأثير، محاربة من المؤسسات الرسمية أو تعاني الإهمال من جانبها، خاصة إذا كانت من تيار فكري أو سياسي يخالف توجهات الحكومة.
وقد استتبع هذا، انقسام النخبة إلى جبهات مختلفة، تعمل لتعميق الفجوة، فهناك من النخبة من تجمّد عند قناعات معينة، ولا يسعى إلى تجديدها أو قبول ما يخالفها، فهناك من يرفض الأدب الشعبي (شعرا أغاني وحكايات) وإن علا مستواه، ويعلي من شأن الفصيح، وإن كان مكرورا رديئا، وهذا لا يجعله بمنأى عن التواصل الجماهيري، حاصرا ذاته في طلابه أو مقالاته وكتبه. وهناك من تصلبت رؤاه الأيديولوجية، فجعلته شخصيا ديماغوجيا، مقصيا كل من يخالفه في الرأي، مما يجعله محاربا لمن يخالف توجهاته أو مبتعدا هو عنهم. أيضا، هناك من النخبة جبهة تسعى للحفاظ على ما هو قائم، لأنه يؤمّن مصلحتها، وتقابلها جبهة تسعى إلى تغيير القائم لأنها ترى أن مصلحتها لا تتحقق إلا بالتغيير، وهنا يكون التنافس من أجل المصالح الشخصية والآنية، وتكون المصيبة أن يستقطب كل فريق من الجماهير ما يخدم مصالحه ورؤاه .
وفي حالة الفشل، فإن جبهات النخبة تتصارع، كلٌ يعتقد بصوابية خلفياته، ويحمّل الفشل إلى الضغوط الخارجية وانحرافات القيادات في المؤسسات الثقافية والأخطاء التنظيمية، مبقيا الخلفية الثقافية أو الفكرية في موقع التقديس. وهذه مشكلة أن تظل الرؤى والفلسفات والقناعات – خاصة ما تبنته السلطة ـ في منأى عن المساءلة والمناقشة، وإعادة المراجعة والنقد، وأيضا اختبار مدى القبول الجماهيري لها، ونجاحها على أرض الواقع، وتوجيهها للناس بشكل حقيقي.
ونختتم هذا المقال بقصة طريفة رواها الفنان التشكيلي المصري أحمد غانم ـ رحمه الله – وكان ينادي بالإبداع التشكيلي على الجدران، حيث قام بمشروع مع زملائه من طلبة كلية الفنون الجميلة في السبعينيات من القرن العشرين بالرسم على جدران في حي شعبي من أحياء القاهرة بهدف الرقي بالمستوى الفني والجمالي للحي، وسط استغراب السكان، وإعجابهم في آن، فلما فرغوا من إبداعهم، ونالوا ثناء أساتذتهم، لم تمض أشهر قليلة إلا وتلطخت هذه الإبداعات وتشوهت وسرعان ما اندثرت، مؤكدا أنه لا فن بدون توعية، ولا توعية بدون تخطيط ثقافي وتنوير فكري وفني للناس، فالثقافة عملية متكاملة تحتاج لجهود جماعية مدروسة. وقبل أن نتوجه إلى الجماهير والبسطاء، علينا أن نعرف حاجتهم من الفنون والثقافة، لنرتقي بهم.

٭ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية