السمكة بريئة في عيد الكذابين

حجم الخط
1

كنت قد تحدثت في مقال سابق عن جمالية الكذب، وعن أهميته في حياة البالغين، مستندة إلى بعض القراءات الأدبية، أهمها رواية إيلينا فيرانتي «حياة البالغين الكاذبة» يومها كتبت من زاوية محدودة، تناولت من خلالها موضوع الكذب كمُكَوِّن إبداعي، وعامل أساسي أحيانا لإبراز جماليات الأشياء في الكتابة، أو في العمارة، أو في باقي الفنون التي تعج بها حياتنا.
كان من الممكن أيضا أن أضع «الكذب» في ميزان أخلاقي، وأكتفي بالتنظير على أنّه من أسوأ ما يمكن أن يحدث في حياة الإنسان، لولا أوْجُه الكذب الكثيرة التي يتنكّر بها، ليتوغّل في تفاصيل حياتنا. في أواخر ستينيات القرن الماضي سقطت طائرة في بلد عربي، أعتقد أنه الجزائر في الفاتح من إبريل/نيسان، فأذيع الخبر على الإذاعة الوطنية لكن جمهور المستمعين تعامل مع الخبر كما لو أنّه كذبة أبريل. لا أحد صدّق الخبر، والسبب أن الحادثة صادفت هذا التاريخ اللعين.
يميل الناس إلى تكذيب الحقائق حين لا تتناسب مع قدرتهم الاستيعابية، وكثيرا ما يفضلون تصديق الكذبة للسبب نفسه. منذ بدء الخليقة وجد الكذب، ولا أعتقد أنه ارتبط بهذا التاريخ المظلوم، فالأول من إبريل بريء من تخريفات الإنسان. على مدى العصور كان الكذب الطريقة الأفضل لإدارة الحروب، والسيطرة على الشعوب، وتحقيق المكاسب، وتبرئة مجرمين، وصنع مصائر غير متوقعة، لأفراد كما لأمم بأكملها. يأتي الكذب دوما في طليعة المحادثات الدبلوماسية، تماما كما في الأدب وأمور أخرى. وبعض أصدقائنا يجدون متعة لمعايدة رفاقهم في سلك الإعلام، أو السياسة، أو الأدب في هذا اليوم، كما لو أن الكذب يخصهم وحدهم. وفي ما تصرّ نساء كثيرات على أن «الكذب ملح الرجال» وأنهم الجنس الأجدر بالمعايدة في هذا اليوم، يرد هؤلاء على أن النساء، بناء على هذا الاعتقاد، فهن لا يقلن الحقيقة أبدا لرجالهن، ولكل أسبابها، لهذا يُقال ـ والله أعلم ـ إن أسعد الزوجات من يتقنَّ فن الكذب على أزواجهن، وهذه وصفة لا يمكنني تأكيد نجاعتها، على المتزوجات فعل ذلك.
غير ذلك، الكذب يزداد في حياتنا ولا ينقص، ويأخذ مجراه الشرعي بشكل غريب. في السنوات الأخيرة، فرضت مواقع التواصل الاجتماعي نمطا معينا من الكذب، يعتمد تلميع صورة الشخص قبل تثبيت إطلالته عبرها، وقد حقق بعض نجوم السوشيال ميديا ثروات، لأنهم أتقنوا لعبة الكذب، وقدموا صورة جميلة عنهم، تنافي تماما ما يعيشونه. بعضهم ابتكر الشخصية التي يحلم بها، فلا صورة البروفايل صورته، ولا المعلومات التي تتصدّره معلوماته، ولا حتى الاسم اسمه. يُدرج قائمة من المعلومات ويختبئ خلفها، ويعيش حياة افتراضية موازية تماما لحياته في الواقع دون أن يشعر بأي خلل في ذلك.
سابقا كان انتحال شخصية أمرا خطيرا، يعاقب عليه القانون، اليوم أصبح نوعا من التسلية التي قد تكون عواقبها وخيمة، وقد تكون غير ذلك تماما، إذا يشعر المتأمِّل لهذا الفضاء الافتراضي، أنه كرنفال يدخله المقنعون كل لغاية في نفسه. يتساوى الضعفاء والأقوياء في استعمال الكذب، إنه ليس الوصفة لفئة معينة، فهو ورقة يعتقد البعض أنها الرابحة، ويحرص على إخفائها للأوقات المناسبة. رغم أن حكمة القدماء تقول إن الكذّاب لا أحد يصدقه، حتى حين يتفوّه بالحقيقة، وغالبا ما ترفض شهادته في محاكم الدنيا كلها… إلا في ما ندر. بالنسبة لبعض عباقرة الفن مثل بابلو بيكاسو فإن الفن كذبة تعطينا لمحة عن الحقيقة، وكأن الكذب جسر عبور نحو الحقيقة. فأي عاقل يصدق ذلك؟

سنة 1972 أطلق وزير الصحة الفرنسي كذبة في الفاتح من إبريل مفادها منع التدخين منعا باتا في الأماكن العامة، بعد خمس وثلاثين سنة أصبحت الكذبة حقيقة. وهذا يعني أن بعض الأكاذيب قد تتحوّل لحقائق، فلا شيء ثابت على حاله في عالمنا المتحرّك.

في يوم الكذب العالمي أرسلت لي صديقة تسجيلا لأحد أصدقائها يهنئها فيه بيوم الكذب على أنه يوم يخص الإعلاميين، ومن محاسن الصدف أن التسجيل من صديق دبلوماسي، قالت لي شبه حزينة: «ندفع أثمانا باهظة لقول الحقيقة، ثم يأتي من يلفق لنا هذه التهمة».
منذ سنوات ما كان لهذا اليوم هذا الصدى، فقد ولدت وكبرت في بيئة تنبذ الكذب ولو مزاحا. وكل حكايات الأول من نيسان كانت تصلنا من العالم الغربي، حتى أني أذكر فيما أذكر، أني حين اقتنيت مجموعة «أكاذيب سمكة « لأحلام مستغانمي استغربت لماذا اختارت الكاتبة ذلك العنوان، الذي لا مرجعية له في الثقافة العربية؟ خاصة أنها تربط بين أكاذيب السمكة ومولدها في شهر نيسان، إذ قالت في تغريدة قديمة:»أنا بنت نيسان، شهر الكذب، وليس من عادة الأسماك أن تصدق، غير أن لي نبل الاعتراف بذلك…ولم أتردد في تنبيه القارئ بين جملتين إلى احتمال أن يكون ما يقرأه في رواياتي منسوجا من دانتيل الأكاذيب». تجتمع الشجاعة والخطورة في هذا الإعتراف، كونه يحيلنا إلى إمكانية إعادة بناء تاريخ بأكمله بتدوينات متأخرة، ومع أنه مرتبط هنا بالمتخيل، إلاّ أن مقولة بيكاسو السابقة تذكرنا بحقيقة مختلفة. في قصة تاريخية غير أكيدة نسبت دعابة الكذبة المرتبطة بالسمكة في هذا اليوم لحادثة تعود لأيام سقوط الأندلس، حين نُشِرت قصدا شائعة بين مسلميها، على أن سفنا تنتظرهم على الشاطئ لإيصالهم لبرِّ الأمان في الشمال الافريقي، وحين اجتمعوا هناك أجهز عليهم الصليبيون، مثلما يجهز الصياديون على شباكهم المليئة بالأسماك.
لا تُذكر هذه القصة في المراجع المتعلّقة بكذبة إبريل، وإن كانت السمكة مع الأيام تربّعت على عرش كل المرويات المتعلّقة بالكذب المباح في هذا اليوم، وأصبحت بطلتها، بدءا بتغيير التقويم الغريغوري من طرف ملك فرنسا شارل التاسع، إلى طقوس الصوم المسيحي، الذي يجعل من السمكة ملكة الموائد في غياب اللحوم والدجاج، إلى قانون منع صيد الأسماك، بدءا من هذا التاريخ، إلى تربع السمكة على سلم الأبراج الفلكية في هذا الشهر.
سنة 1972 أطلق وزير الصحة الفرنسي كذبة في الفاتح من إبريل مفادها منع التدخين منعا باتا في الأماكن العامة، بعد خمس وثلاثين سنة أصبحت الكذبة حقيقة. وهذا يعني أن بعض الأكاذيب قد تتحوّل لحقائق، فلا شيء ثابت على حاله في عالمنا المتحرّك. وربما لهذا السبب اعتُبِر هذا اليوم عيدا للجنون في روسيا والسويد وسويسرا… لكنه جنون فعلا يتكرر كل سنة، في أغلب الدول الغربية، بين إطلاق النكت الكاذبة بين الأصدقاء والمعارف، وتنافس الصحف على حبك أكثر الأكاذيب إتقانا، نكتشف غرابة الطبيعة البشرية في عشق الكذب، واتباع الوهم. بعض الصحف الجادة في أوروبا مثلا، أثارت سخرية قرائها لأنّها انزلقت في المطب السنوي لأكذوبة إبريل، أقلُّها ضررا طبعا تلك الأخبار المتعلّقة بانطلاق تصوير أفلام لنجوم سينما. وإن كان أغلب الكذب يطلق بسبب مخاوف وهمية من عواقب الحقيقة، فإن المُتّفق عليه إجمالا هو أن الكذبة الواحدة متى وُلِدت جرّت خلفها أكاذيب كثيرة، حتى وإن كان الهدف منها التسلية، ثم إنّ بعضها من كثرة تكراره يصبح حقيقيا أكثر من الحقيقة نفسها، وأسمع همسا هنا بشأن بعض أوضاعنا التي بنيت على أكاذيب، وهذا ربما صحيح، لكن المؤسف أن دراسة قامت بها إحدى الجامعات البريطانية خلصت إلى أن متوسّط الكذب عند الفرد في كل المجتمعات يتراوح بين كذبة وخمس كذبات يوميا، وأن عدد الأكاذيب يزداد كلما زادت نسبة الخوف من الآخر، إنّها درع واقٍ للاحتماء أو لحماية هذا الآخر مرات من نفسه وأخرى من أنفسنا.
في اليوم العالمي للكذابين، علينا أن نحتفي بالسمكة لأنها بريئة من خطايا الإنسان، في انتظار أن يتفوّق على نفسه، ويصمت بدل التلفُّظِ بمزيد من الأكاذيب.

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية