يستعد السودانيون هذا الأسبوع للاحتفال بأكبر عملية انتقال سياسي للسلطة في الفترة الأخيرة، بعد ثورة سلمية قامت على شكل تظاهرات واعتصامات أذهلت العالم واستمرت نحو نصف عام، تخللتها الكثير من الأحداث. حيث من المفترض ان يعقد السبت (أمس) اجتماع مفصلي بغرض المصادقة على وثيقة الاتفاق النهائي ومهرها بالأحرف الأولى بعد انتهاء لجنة قانونية مشكلة من المجلس العسكري وإعلان الحرية والتغيير من كتابة مسودة الاتفاق النهائية التي تشمل الإعلان السياسي والإعلان الدستوري الذي ينظم عمل وصلاحيات مستويات الحكم المختلفة التي جرى الاتفاق عليها (مستوى سيادي – تنفيذي – تشريعي).
وأشار أحد الموظفين في مكتب الوساطة الإثيوبية والافريقية في حديث لـ”القدس العربي” إلى تفاؤله بالتوصل إلى اتفاق سريع في اليومين المقبلين حسب المعطيات الموجودة لديه وقال “في حال مصادقة الطرفين على مسودة الاتفاق بشكلها النهائي في اجتماع السبت سيتم تشكيل لجان فنية من الجانبين للإعداد للاحتفال والتوافق على موعده المقرر له مبدئيا ما بين يوم غد الاثنين والخميس المقبل، بالإضافة إلى تحديد موقعه ما بين ساحة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش لرمزيتها، أو اختيار أحد الساحات الكبيرة في الخرطوم لنفس الغرض. إلى جانب توجيه الدعوات لرؤساء دول الجوار وممثلين من الدول العربية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة”.
لكن القيادي في قوى الحرية والتغيير محمد وداعة، وهو من كتلة نداء السودان، تحدث لـ”القدس العربي” قائلا “إن الأمر لن يمر بمثل هذه السلاسة، وكان من المفروض التوقيع على الاتفاق السياسي ومن بعد ذلك الدخول في مناقشة وتوقيع الإعلان الدستوري الذي يأخذ مشروعيته من الاتفاق السياسي” مشيرا إلى أنهم يدرسون الاتفاق السياسي الآن ليقرروا موقفهم منه وبعدها سيدخلون لدراسة تفاصيل الإعلان الدستوري وان ذلك ربما يأخذ وقتا.
وكان الحزب الشيوعي السوداني وهو أحد الأحزاب المؤثرة في الساحة، أصدر تصريحا باسم السكرتير السياسي للحزب محمد مختار الخطيب مستهجنا التأخير الذي لازم تسليم وثيقة الإعلان الدستوري لممثليهم، وزاد الخطيب بإعادة موقفهم الداعي لعدم مشاركة أي من أعضاء المجلس العسكري في المجلس السيادي، وهو ما أعتبره أحد قيادات قوى الاجماع الوطني مؤشرا لاتجاه الحزب لخلط الأوراق، وانه ربما يؤخر مسألة التوقيع على الاتفاق لوقت متأخر، لكنه عاد وقال “هم سيعرقلون سرعة الوصول لاتفاق لكنهم في النهاية لن يخرجوا عن اجماع القوى السياسية والشعب السوداني ليقفوا لوحدهم في موقف المخالف وسيقبلون بالاتفاق في نهاية المطاف مع بعض التعديلات الطفيفة”.
ومن المنتظر ان يتم فور التوقيع النهائي للاتفاق تعيين رئيس الوزراء، وأعضاء المجلس السيادي من العسكريين والمدنيين، ومن جهة رئيس الوزراء ما زالت حظوظ الخبير الاقتصادي دكتور عبد الله حمدوك كبيرة جدا لإجماع كل الكتل عليه إلى جانب بروفيسور منتصر الطيب، حسب ما كشفت عنه “القدس العربي” الأسبوع الماضي. ولكن في مقابل ذلك ارتفعت أسهم رئيس حزب المؤتمر السوداني المهندس عمر الدقير، على غير ما كان متوقعا، وفي هذا الخصوص قال محمد وداعة القيادي في حزب البعث السوداني “أولا الدقير هو مرشح أحزاب نداء السودان – وهو تجمع صغير يضم 6 أحزاب داخل كتلة نداء السودان ليس من بينها حزب الأمة أو الحركات المسلحة- وحظوظه كبيرة إذا تم اعتماد مبدأ الكفاءة والحزبية معا، أو إذا ذهبت المعايير إلى الكفاءة والاستقلالية، ففي هذه الحالة أما ان يستقيل الدقير من رئاسة الحزب وهذا الأمر يعود له إن أراد ذلك، وما زال النقاش قائما على المعيار للاختيار هل هو حزبي وكفاءة، أم مستقل؟”.
يشار إلى ان الدقير ينتظره مشوار طويل، ان يتم اعتماده في كتلة نداء السودان أولا والتي تضم أحزابا وتنظيمات سياسية وحركات مسلحة، وهو اجماع صعب المنال، ومن ثم تنتظره موافقة الكتل الخمس في تحالف الحرية والتغيير، وهو أمر صعب أيضا، ومن ثم تجاوز معيار الكفاءة والاستقلالية.
وكان من المتوقع ان يتم التوقيع على الإعلان الدستوري والإعلان السياسي بالأحرف الأولى يوم الخميس في اجتماع دعت له الوساطة الافريقية بعد الفراغ من الصياغة القانونية، لكن حال دون ذلك تمسك بعض مكونات قوى الحرية والتغيير مثل تحالف قوى الاجماع بضرورة تسلم المسودة من أجل الاطلاع عليها قبل التوقيع، ومع ذلك تواصل الاجتماع بغرض تلافي النقاط المختلف عليها في الصياغة، ومنها هل سلطة مجلس السيادة هي (الاعتماد) للوزراء بدون إبداء رأي حولهم أم تستخدم صيغة (التشاور) التي تعني إعطاء سلطة الرفض أو القبول؟ وتم تجازوها باستخدام لفظ (الاعتماد) إلى جانب صيغة ارجاء تشكيل المجلس التشريعي لـ 90 يوما، حيث كانت تطالب قوى الحرية والتغيير بتثبيت موقفها الداعي لمنحها 67 في المئة من عضوية المجلس فيما رفض العسكر ذلك، وتم اعتماد صيغة (يحتفظ كل طرف بموقفه حول نسب المجلس التشريعي إلى ما بعد تشكيل المجلس السيادي ومجلس الوزراء) من دون تفصيل في موقف كل طرف.
وفي غضون ذلك عقد وفد من قوى الحرية والتغيير اجتماعا مع مكوناتها من قوى الكفاح المسلح في أديس أبابا التي تضم الحركة الشعبية لتحرير السودان قيادة عقار وحركة تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي وحركة العدل المساواة.
وقالت مريم الصادق المهدي، نائبة رئيس حزب الأمة القومي عضو الوفد: “إن اجتماعات أديس أبابا مع الجبهة الثورية، والحركات المسلحة الأخرى، تهدف إلى إجراء حوارات ومشاورات عميقة وجادة حول القضايا الوطنية والتحول الذي ينشده السودانيون” وأضافت “إن القضايا التي تهم قوى الحرية والتغيير تتمثل في كيفية سير التحول الديمقراطي مع صنع السلام في السودان ووقف الحرب”.
وأوضحت أن عملية بناء السلام تستغرق وقتا، مشيرة إلى أن قوى الحرية تبحث التفاصيل الجزئية الخاصة بالأشهر الستة الأولى من الاتفاق والمخصصة للسلام.
وزادت: “هذه الجزئية تم التوافق عليها في الاتفاقية، لكنها لم تفصل هذه المرحلة المهمة، لذلك نعقد هذه الاجتماعات لبحث طريقة تنفيذها”.
من جهته، قال القيادي في تجمع المهنيين السودانيين محمد ناجي الأصم: “إن لقاءات وفد قوى الحرية والتغيير مع الجبهة الثورية تهدف إلى تنوير قيادة الجبهة الثورية بما تم وبما يدور مع المجلس العسكري الانتقالي”.
وأضاف في تصريحات صحافية أنهم حريصون على ترتيب الوضع الداخلي التنظيمي والهيكلي لقوى الحرية والتغيير بشكل أفضل، حتى يستوعب كافة المكونات بالقدر المناسب والمعقول الذي يعبر عن الجميع.
وتابع: “تماسك قوى الحرية والتغيير أولوية استراتيجية لتماسك الفترة الانتقالية” نافيا وجود أي تباين مع الحركات المسلحة.
وأوضح الأصم أنه التقى رئيس الوزراء الإثيوبي في أديس أبابا، بطلب من الأخير كوسيط لطرفي الأزمة في الخرطوم، وأكد له ضرورة حضوره في مراسم التوقيع النهائي للاتفاق المنتظر بين طرفي الأزمة السودانية، كجزء أساسي في الوثيقة.
وفي ظل كل هذه المعطيات تبقى الاحتمالات مفتوحة نحو توقيع سريع على الاتفاق آخر الأسبوع المقبل وما بين العودة لنقطة الصفر في التفاوض في ظل تعنت بعض القوى السياسية المؤثرة إلى جانب معضلة اتفاق قوى الحرية والتغيير على مرشح مجمع عليه لرئاسة الوزراء وأعضاء المجلس السيادي، وهي مهمة لن تكون سهلة في أي حال من الأحوال.