الخرطوم-“القدس العربي”: يعيش السودانيون في عزلة عن العالم وعن بعضهم البعض في الداخل منذ اليوم الثالث في هذا الشهر وذلك بسبب قطع خدمة الإنترنت بعد ساعتين من فض المجلس العسكري لاعتصام سلمي أمام مقر الجيش أسفر عن مقتل أكثر من 120 شخصا حسب لجنة الأطباء المركزية.
وبعد صمت لعدة أيام، اعترف المجلس العسكري الذي أطاح بحكومة البشير في الحادي عشر من نيسان/ابريل الماضي بأنهم قاموا بقطع خدمة الإنترنت عمدا، حيث ذكر ذلك عضو المجلس الفريق صلاح عبد الخالق في مقابلة مع “بي بي سي”. ثم جاء الناطق الرسمي باسم المجلس شمس الدين الكباشي، ليعلن ذلك صراحة في مؤتمر صحافي، مؤكدا أن الإنترنت أصبح مهددا للأمن القومي وقطع ولا مجال لإعادة هذه الخدمة إلا بعد أن تنتهي الأسباب والتي أجملها في انتشار الشائعات.
وحسب وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في السودان، وصل عدد مستخدمي شبكة الإنترنت العام الماضي إلى أكثر من 13 مليونا، وارتفع معدل الاستخدام عبر المحمول بنسبة 5,5 في المئة في العام الماضي. ويتوقع أن تكون هذه النسبة قد زادت في هذا العام.
انتهاك صارخ لحقوق الإنسان
وتعطلت حياة الناس بشكل واضح بسبب قطع الإنترنت، ويقول مصطفى المك أنه تفاجأ بعد إنتهاء الكهرباء في منزله بأن التزود بالخدمة من جديد يكلفه مشوارا لا يقل عن عشرين كيلومترا، وذلك للوصول إلى مكاتب شركة الكهرباء، بعد أن كان يحصل على الخدمة في دقائق معدودات عبر تطبيق على الهاتف. ويرى عبد العزيز الضو أنه افتقد لخدمة “ترحال” وهي عبارة عن سيارات أجرة يتم طلبها في دقائق معدودة عبر تطبيق مماثل. والأمثلة كثيرة على الضرر الذي أحدثه قطع الإنترنت في السودان.
ويقول القيادي في قوة الحرية والتغيير بابكر فيصل، إن قطع الإنترنت يمثل انتهاكا صارخا لحق من حقوق الإنسان وإبداء الرأي والتواصل. ويسخر من ادعاء المجلس العسكري بأن الإنترنت مهدد للأمن القومي ويضيف في حديثه لـ”القدس العربي”: “إذا كانت شبكات التواصل الاجتماعي تشكل تهديدا على الأمن القومي فعلى الأمن القومي السلام”.
ويرى بابكر أن الموضوع مرتبط بالصراع السياسي الموجود والهدف منه إلغاء الرأي الآخر والحد منه ومنعه من الانتشار وتحريك الجماهير، ويضيف: “السبب الأساسي هو منع انتشار الفيديوهات التي وثقت لجريمة فض الاعتصام وقتل المعتصمين السلميين، لكن ما انتشر من فيديوهات قبل قطع الخدمة أحدث صدمة كبيرة في المجتمع” ويصف ما تم بأنه إعادة السودان لمربع الدكتاتورية وتسلط الحكم العسكري، ويشير إلى أن الثورة ماضية حتى تحقق كل أهدافها.
ويرى كثير من الصحافيين والمحللين أن السبب الأساسي في قطع خدمة الإنترنت هو محاولة المجلس العسكري إخفاء ما وصفوه بالجريمة الكبرى وهي قتل المعتصمين في ميدان الجيش بتلك الطريقة الوحشية ورمي جثث بعضهم في النيل واغتصاب سبعين منهم حسب بعض المصادر، مؤكدين على أن انتشار الصور والفيديوهات التي صورها الناشطون كان سوف يشكل صدمة كبيرة في المجتمع السوداني ويؤدي لتكوين رأي عام ضد المجلس العسكري.
أبعاد أمنية من زاوية أخرى
ويقول الإعلامي والكاتب محمد فرح وهبي، إن القصد من هذه العملية هو قتل الحياة في حد ذاتها “لأن حياتنا أصبحت في الإنترنت” مضيفا أن السودان يعيش منذ فترة طويلة في عزلة تامة وأن شبكة الإنترنت كانت تمثل الحبل السري والعلني للخروج من هذه العزلة والتفاعل مع البشرية في كل العالم.
ويرى وهبي أن المجلس العسكري متورط في مجزرة قتل الثوار بطريقة لم تشهدها بلادنا من قبل، ويضيف لـ”القدس العربي”: “غياب الإنترنت أدى لغياب المعلومات. فعلى الرغم من أن رقم القتلى الحالي هو 128 فإن الشهود والناجين من هذه المجزرة يقولون إن الرقم يتجاوز700 قتيل لأن الضرب بالنار كان مباشرا ومن مسافة قريبة وعدد المغدورين الموجودين كبير جدا”.
ويقول الصحافي ياسر جبارة أن قطع الإنترنت له أبعاد أمنية متعلقة بحجب المعلومات والتعتيم وقمع الحريات، ويضيف أن نشر المعلومات لم يكن في يوم من الأيام مهددا أمنيا كما أشار الناطق باسم المجلس العسكري في تبريره لهذه العملية. ويرى أن المواطنين مرتبطين بخدمة الإنترنت بشكل يومي ومباشر على كافة المستويات، وأن القطع له تأثير سلبي بالغ، وبحسبه فإن القصد من ذلك هو التعتيم على مجزرة فض الاعتصام ومصادرة حرية الناس ومنع تداول المعلومات، مؤكدا أن الجريمة البشعة، حسب تعبيره، موثقة لدى الآلاف وقد انتشرت خارج السودان. ويضيف بأنه متى ما عادت خدمة الإنترنت في السودان فسوف يسلط الناشطون الضوء عليها ويعيدون نشرها كأنها حدثت في الأمس.
صحافيون بلا إنترنت
وعن تأثير قطع الإنترنت على العمل الصحافي تقول الصحافية رابعة أبو حنة، إن هذه الخدمة باتت تشكل العمود الفقري في هذا المجال بدءا من التعرف على ما يدور وحتى التواصل مع المصادر وإنتاج المادة ودعمها بكل ما يقويها.
وتقول إنها عاشت في عزلة تامة أثناء عطلة عيد الفطر وتؤكد أن غياب الإنترنت أوجد مجالا واسعا لنشر الشائعات وصعوبة تكذيبها، وتضيف رابعة أن القصد الأساسي من عملية قطع الإنترنت هو منع قوى الحرية والتغيير من الوصول لجماهيرها وإيجاد مصدر واحد للمعلومات هو المجلس العسكري الذي يستغل أجهزة الدولة الرسمية في مجال الإعلام.
وتعدد الصحافية شذى الشيخ العديد من المصاعب التي واجهت المواطنين بسبب قطع الإنترنت خاصة في مجال شراء الكهرباء والتعاملات البنيكة عبر التطبيقات المتوفرة في أجهزة المحمول لاسيما وأن عطلة العيد أدت لإغلاق المصالح والمؤسسات المتعلقة بهذه الخدمات، وتشير إلى أن قطع الإنترنت أدى لضعف التواصل الاجتماعي.
وتشير شذى لوجود خسائر كبيرة على مستوى الشركات بسبب قطع الخدمة ابتداء من شركات الاتصالات وحتى على مستوى المؤسسات الحكومية، مؤكدة أن الوضع غير المستقر وصعوبة الحركة أديا لعدم حصر هذه الخسائر حتى الآن وتضيف أن عملها الصحافي قلّ وتأثر بنسبة كبيرة بسبب غياب خدمة الإنترنت.
غياب المعلومات مهدد أمني
“غياب الإنترنت مهدد أمني وليس العكس” هكذا بدأ رئيس تحرير صحيفة “الجريدة” أشرف عبد العزيز حديثه لـ”القدس العربي” مؤكدا أن غياب المعلومات هو ما يهدد الأمن. وعلى مستوى العمل الصحافي يرى أشرف أن شللا كبيرا أصاب العمل التحريري، ويوضح ذلك بأن المراسلين منتشرين في أماكن عديدة وبعيدة ويعتمدون على الإنترنت في إيصال تقاريرهم والصور المتعلقة بها، مضيفا ان هذه ما تفتقده الصحف الآن.
ويقول إن المتوفر الآن خط أرضي في بعض الصحف لا يغطي كل العمل ويعيق أداء الصحافيين الذي يعتمد على السرعة لضغط الزمن، ويشير إلى أن الأداء عن طريق الهاتف فقط يرفع التكلفة بعكس التواصل مع المصادر عبر الإنترنت داخل وخارج السودان خاصة بوجود وسائل تواصل مجانية.
ويسلط رئيس تحرير صحيفة “الجريدة” الضوء على جانب آخر من المسألة وهو عدم وجود نص قانوني صريح يلزم بالتعويض في حال غياب الخدمة، وفي النواحي الاقتصادية يشير إلى الخسائر الفادحة في مجال الاستثمار الذي بات يعتمد على الإنترنت ولا يتحمل غياب الخدمة لدقائق معدودة، أما من الناحية السياسية فيقول أشرف إن عملية القطع تجعل المجلس العسكري في وضع حرج فهي تكرس لهشاشته وضعفه من ناحية ولجهله بخطورة ما قام به من ناحية ثانية وللمتاعب التي سببها هذا الفعل من إدانات واستنكار على المستوى العالمي. ثم أن عملية قطع الإنترنت سلطت الضوء على حادثة فض الاعتصام بشكل كبير جدا خاصة على المستوى الدولي وهذا ما كان يخشاه المجلس العسكري.
إخفاء آثار المجزرة
ويصف المحلل السياسي حيدر المكاشفي، عملية قطع الإنترنت بالغباء السياسي، مؤكدا أن الهدف الأساسي منها هو إخفاء آثار المجزرة التي حدثت في يوم 29 رمضان وفض الاعتصام بتلك الصورة الوحشية، مشيرا إلى أن ما حدث سلط الضوء على المجزرة وأن الصدمة حدثت بالفعل على الرغم من انتشار عدد قليل جدا من الصور والفيديوهات التي وثقتها.
ويقول المكاشفي لـ”القدس العربي”: “لقد أعادونا للعصور الوسطى، فمعظم المعاملات تتم الآن عبر شبكة الإنترنت والتعامل الإلكتروني بات توجها عالميا، ونحن الآن نعيش خارج التاريخ ونعاني من جريمة منعنا من الحصول على المعلومات وتبادلها ومن التواصل الاجتماعي، إضافة للأنشطة الأكاديمية والتجارية وحتى النشر الإلكترونية فملايين السودانيين لا يستطيعون اليوم حتى مجرد تصفح إيميلاتهم”.
ويرى المصدر أن المجلس العسكري ظل يهاجم الثوار في وضعهم للمتاريس في الطرق بغرض حمايتهم من بطش العسكر ومنع دخول سيارات الدفع الرباعي المدججة بأسلحة الحرب إلى الأحياء السكنية، لكنه (أي المجلس العسكري) أقام أكبر (متراس) أعاق حياة الناس داخل وخارج السودان وهو قطع خدمة الإنترنت.
جريمة تخالف المواثيق
وقالت “الشبكة العربية لإعلام الأزمات” إنّ قطع خدمة الإنترنت يشكل جريمة تنتهك وتخالف مواثيق حقوق الإنسان، لكونه أًصبح من أهم الضروريات مثل خدمة الكهرباء والماء وغيرها، وقطعه يصادر الحق في حرية الرأي والتعبير وحرية الاتصال السمعي والبصري والإلكتروني، ومحاولة فاشلة من المجلس العسكري لفرض حالة من التعتيم الإعلامي كتلك التي يفرضها على وسائل الإعلام المختلفة، كما فعل بإغلاق مكتب قناة “الجزيرة” في الخرطوم وسحب ترخيصها وتسريح مراسليها من الصحافيين.
وأضافت الشبكة في بيان لها أن قطع هذه الخدمة لن يغير في موقف الثوار من المجلس الذي يعتبرونه المتهم الأول بارتكاب مجزرة فض الاعتصام في الثالث من حزيران/يونيو الجاري، معتبرة أن المجلس العسكري أعاد استخدام أساليب نظام عمر البشير في قمع الإعلاميين والتضييق عليهم أفرادا ومؤسسات.
هيومن رايتش ووتش على الخط
وأدانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” التي تدافع عن حقوق الإنسان، إقدام المجلس العسكري في السودان على قطع خدمة الإنترنت وقالت في بيان “إن الاعتصامات والدعوات المطالبة بالعصيان المدني السلمي لا تبرر قيام المجلس العسكري الانتقالي بالمنع الشامل للوصول إلى الإنترنت”.
وحسب المنظمة فأنه وبموجب القانون الدولي، يقع على السودان التزام بضمان أن تتم القيود على الإنترنت بموجب القانون وأن تأتي كاستجابة ضرورية ومتناسبة لمخاوف أمنية محددة. وأضافت إنه “ينبغي للمسؤولين ألا يستخدموا عمليات إغلاق واسعة وعشوائية للحد من تدفق المعلومات، أو الإضرار بقدرة المدنيين على التجمع بحرية والتعبير عن الآراء السياسية”.
إدانات وتضامن عالمي
وعلى المستوى المحلي أدانت شبكة “الصحافيين السودانيين” قطع الإنترنت معتبرة أن استمراره “يفضح العقلية التي تسيطر على مقاليد البلاد، وفق تصورات العصر الحجري، دونما أدنى تقدير لقيم الإعلام الحر ودور فضاءات الشبكة العنكبوتية”.
وقالت اللجنة التمهيدية لاستعادة نقابة الصحافيين إن استمرار قطع خدمة الإنترنت بالبلاد، سبب أضرارا بالغة بشريحة واسعة من المواطنين، وأدانت اللجنة عبر بيان لها هذه العملية.
وعلى مستوى العالم تضامن كثيرون مع السودانيين في عملية قطع الإنترنت وطالب ناشطون بضرورة إعادة الخدمة متخوفين من حدوث إنتهاكات أخرى بعد الفض الدامي للاعتصام السلمي أمام مقر القيادة. وانتشر هاشتاغ في هذا المعنى محرزا المرتبة الأولى في التداول عبر موقع تويتر، كما تضامن نشطاء ومشاهير على مستوى العالم مع السوداني محمد مطر الذي كان يقيم في بريطانيا وقتل في حادثة فض الاعتصام.
وتركزت حملة التضامن بتغيير صور الملفات الشخصية إلى اللون الأزرق وهو الذي كان يستخدمه محمد مطر وتم في هذه الحملة نشر صور الضحايا والتذكير بثورتهم وتسليط الضوء على جريمة قتلهم بالرصاص في التاسع والعشرين من شهر رمضان.