الخرطوم-“القدس العربي”: بعد أكثر من أسبوع على المفاوضات المباشرة التي تمت بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان، تم التوصل إلى اتفاق مكتوب يحدد هيئات الحكم في الفترة الانتقالية وذلك تمهيدا للتوقيع على اتفاق يعلن بداية عهد جديد في السودان.
وبعد انتظار طويل للصحافيين في ردهات أحد فنادق العاصمة الخرطوم، خرج محمد الحسن لبات، ممثل الاتحاد الافريقي وأحد طرفي الوساطة، بجانب الوسيط الإثيوبي محمود درير، ليعلن للصحافيين “التوصل لاتفاق كامل على الإعلان السياسي المحدد لكافة هيئات الحكم في المرحلة الانتقالية” وأضاف أن اللمسات الأخيرة لدراسة والمصادقة على الإعلان الدستوري (الوثيقة الثانية) على وشك الاكتمال.
وكانت الوساطة الإثيوبية المدعومة من الاتحاد الافريقي، نجحت في جمع المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في مفاوضات غير مباشرة، ثم تفاوض مباشر، وذلك بعد الأحداث التي شهدتها الخرطوم في الثالث من حزيران/يونيو الماضي والتي أسفرت عن مقتل عشرات المعتصمين أمام مبنى قيادة الجيش، وجرح المئات، ما أدى لإيقاف التفاوض بين الطرفين بشكل نهائي.
الملامح الرئيسية للاتفاق الذي أعلن بشكل مبدئي فجر الخامس من هذا الشهر، يفضي لوضع حد بين شريكي التغيير الذي أطاح بحكومة عمر البشير في الحادي عشر من نيسان/ابريل الماضي. وينص الاتفاق على إجراء تحقيق وطني مستقل وشفاف بشأن أحداث العنف التي حدثت بعد اسقاط البشير وذلك بإشراف الاتحاد الافريقي، وتشكيل مجلس سيادي بالتناوب بين العسكريين والمدنيين لمدة ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، يتكون من خمسة عسكريين وخمسة مدنيين وعضو آخر يتم اختياره بتوافق الطرفين، على أن تكون فترة الرئاسة الأولى 23 شهرا للعسكر وتكون الفترة الثانية 18شهرا لقوى الحرية والتغيير.
وشمل الاتفاق تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة برئاسة رئيس وزراء، ويتم تشكيلها من قبل قوى الحرية والتغيير وتم تأجيل تشكيل المجلس التشريعي لفترة لاحقة بعد تكوين الحكومة والمجلس السيادي في فترة لا تتجاوز التسعين يوما. وكان الطرفان قد اتفقا في السابق بخصوص المجلس التشريعي على أن تكون نسبة قوى الحرية والتغيير 67 في المئة على أن تكون النسبة المتبقية لمجموعات شاركت في التغيير لكنها لم توقع على إعلان قوى الحرية والتغيير، لكن صدرت تصريحات – بعد ذلك – من نائب رئيس المجلس العسكري، قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دلقو “حميدتي” تشير إلى عدم موافقته على هذه النسبة.
وتفيد بعض المصادر بأن تأخير الاتفاق على المسودة النهائية لما تم سابقا، سببه الاختلاف على بعض التفسيرات القانونية التي نتجت عن ترجمة النصوص من اللغة الإنكليزية إلى العربية وعلى سبيل المثال ورد: يتم (اعتماد) الوزراء من قبل المجلس السيادي، حيث فسر المجلس العسكري كلمة (اعتماد) الواردة في النص، بالحق في قبول أو رفض تعيين الوزراء، بينما ترى قوى الحرية والتغيير أنها تعني فقط (المصادقة) دون الحق في القبول أو الرفض، وهناك اختلافات أخرى متعلقة بصلاحيات البرلمان الانتقالي، وقد وصف الكثير من المراقبين هذه الخلافات بكونها ليست جوهرية وناتجة عن سوء فهم، وقد تم تجاوزها بحضور الوسطاء.
وتزامن مع الليلة الطويلة للوصول إلى تفاهمات مكتوبة تفضي لتكوين الحكومة الجديدة، مع إعلان المجلس العسكري لمحاولة انقلابية هي الخامسة خلال ثلاثة أشهر، وأعلن رئيس اللجنة الأمنية بالمجلس العسكري، الفريق أول ركن جمال عمر ابراهيم عن إحباط الأجهزة الأمنية لمحاولة انقلابية بواسطة مجموعة من الضباط وضباط صف في الخدمة والمعاش في القوات المسلحة وجهاز الأمن “بهدف تنفيذ انقلاب عسكري لعرقلة الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير”.
وتم الإعلان عن القبض على 12 من الضباط منهم 7 في الخدمة و5 على المعاش وتم التحفظ على 4 من ضباط الصف بينما لم يتم توقيف قائد المحاولة الانقلابية.
وشكّك كثيرون في وجود محاولة انقلابية مستندين لحديث المجلس العسكري عن محاولات سابقة لم تتم محاكمة أي أحد فيها، وأوضح المحلل السياسي صلاح الدومة، أن مصداقية المجلس بخصوص المحاولات الانقلابية باتت محل شك كبير بعد أن تعددت الروايات والحكايات بهذا الخصوص في الفترة الأخيرة.
وبخصوص الاتفاق يقول الدومة لـ”القدس العربي” أن حديث المبعوث الافريقي أشار إلى أن الطرفين اتفقا على الإعلان السياسي الذي يحدد مستويات الحكم الثلاثة (التشريعي والتنفيذي والمجلس السيادي) بتحديد دقيق وواضح لصلاحيات ومهام كل مستوى، متوقعا الاتفاق على الإعلان الدستوري الذي يشكل أساسا للدستور الانتقالي بعد تعطيل دستور 2005 في أول بيان بعد التغيير الذي حدث.
ويضيف: “ما تم من اتفاق حتى الآن يشير بوضوح إلى المجهود الذي بذلته الوساطة الافريقية والإثيوبية المشتركة في دفع الشريكين إلى تفاهمات تمهد لبدء عهد جديد، وما ورد إلينا يشير إلى أن الخلافات التي حدثت في الصياغة بسيطة ولا تؤثر على جوهر الاتفاق وتم تجاوزها”.
وبخصوص لقاء وفد من قوى الحرية والتغيير بقادة الجبهة الثورية التي تضم الفصائل المسلحة، أوضح الدومة أنها محاولة للوصول لأرضية جيدة لإنهاء الحروب في السودان، مؤكدا أن التفاوض سيكون بعد تكوين الحكومة الجديدة خاصة بعد الإعلان عن الأولوية للسلام في المرحلة المقبلة وتخصيص الستة أشهر الأولى للحكومة المقبلة لملف الحركات المسلحة وتحقيق السلام.
وشهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا الأسبوع الماضي بدء لقاءات بين وفد من قوى الحرية والتغيير وقادة الجبهة الثورية، مالك عقار وآركو مناوي وجبريل إبراهيم، وحسب المصادر، فإن هذه اللقاءات هدفت للتشاور في بعض القضايا التي تخص المرحلة المقبلة، خاصة عملية السلام لتقريب وجهات النظر والوصول لتفاهمات تمهد الطريق قبل الدخول في مفاوضات رسمية مع السلطة الانتقالية المقبلة، وتجدر الإشارة إلى أن الحركات الثلاث التي تجري معها المفاوضات موقّعة على إعلان قوى الحرية والتغيير.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عثمان ميرغني، أن السودان يمر بمرحلة صعبة جدا ومخاض عسير وحذر، الأمر الذي يتطلب بناء مؤسسات قوية في الفترة الانتقالية، ويضيف لـ”القدس العربي” أن تأخير الوصول لتفاهمات بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري وما حدث من جدل وتشاكس خلال الأشهر الماضية ضاعف من اهتزاز الثقة بين الطرفين.
ويشير ميرغني إلى ضرورة كسب الوقت لتقليل الخسائر الفادحة وتجنيب البلاد سيناريوهات سيئة على غرار ما يحدث في ليبيا، مؤكدا أن انعدام الرؤية الواضحة والبطء الشديد في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه هو الذي قاد البلاد إلى هذه المرحلة.
ويرى المصدر أن عدم الوضوح قاد لتأجيل أي شيء حتى بعد أن يتم الاتفاق عليه، مشيرا إلى الحساسية التي تسود موقف الطرفين من قضايا عديدة والتي تسببت فيها تركيبة الطرفين والضغوط التي يتعرضان لها وما حدث في الفترة الماضية وما يتوقع أن يحدث على شاكلة ما يتم الحديث عنه بين الفينة والأخرى عن محاولة انقلاب عسكري.
وشهدت الأيام الماضية جدلا واسعا حول أحداث فض الاعتصام في الثالث من حزيران/يونيو الماضي، وذلك بعد إطلاق خدمة الإنترنت التي تم قطعها في ذلك اليوم، وأثار نشر الفيديوهات والمقاطع الصادمة حالة من الغضب الشديد تجاه المجلس العسكري والقوات النظامية، خاصة قوات الدعم السريع التي ظهر أفرادها بزيهم المميز وهم يقومون بتعذيب المعتصمين بصورة وحشية.
وألمح ناشطون إلى أن توقيت اطلاق الإنترنت قبل التوقيع النهائي على الاتفاق، يهدف من جهة ما إلى تعطيل الاتفاق بخلق رأي عام قوي ضد المجلس العسكري وإظهار موقف قوى الحرية والتغيير بالضعيف بقبول التفاوض وتقديم تنازلات ووضع أيديهم في أيدي ملطخة بالدماء، بينما ترى مجموعة أخرى أن تكوين الحكومة المدنية بأسرع ما يكون هو الضمان الوحيد للقصاص ومحاسبة الجناة.
وأعلنت جهات عديدة رفضها للاتفاق بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري ووصفته بالثنائي ومن تلك الجهات المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين في دارفور التي قالت عبر بيان رسمي أنها ترفض ما تم من اتفاق وأضافت: “نعلن رفضنا القاطع للمساومات الرخيصة التي تجري بين المجلس العسكري الانقلابي وقوى إعلان الحرية والتغيير باسم الثورة والشعب السوداني، والاتفاق الثنائي الذي وقعوا عليه هو خيانة للثورة ودماء الشهداء، ومحاولة يائسة لاستدامة حكم المؤتمر الوطني والأقلية الصفوية التي ظلت تحكم السودان منذ أن ورثت السلطة من الإنكليز في 1956”.
وأضاف البيان الممهور باسم الشيخ عبد الرازق يوسف، أمين العلاقات والناطق الرسمي باسم المنسقية بأن هذا الاتفاق الثنائي الغرض منه قطع الطريق أمام تحقيق أهداف وشعارات الثورة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة، واسقاط النظام ومحاكمة المجرمين والسلطة المدنية الكاملة وحل قضية الحرب والنازحين واللاجئين.
ودعت المنسقية الشباب والنساء وقوى الثورة الحقيقية وجميع فصائل الشعب السوداني لمواصلة الثورة حتى تحقيق أهدافها المتمثلة في تغيير نظام عمر البشير الدموي وتصفية مؤسساته ومحاكمة رموزه واستعادة أموال الشعب المنهوبة وضمان عودة ملايين النازحين واللاجئين والمشردين وتعويضهم، وحل مشكلة الحرب من جذورها، وبناء دولة المواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون.