الخرطوم-“القدس العربي”:احتفل السودانيون بدءا من التاسع عشر من هذا الشهر بالذكرى الأولى للثورة التي أطاحت بحكم البشير بعد ثلاثين عاما في سدة الحكم.
وسبقت هذه الاحتفالات تظاهرات وزيارات رمزية لعدد من مناطق السودان من ضمنها منطقة مايرنو بولاية سنار والتي شهدت أول تظاهرة في الثورة يوم السادس من كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي وتجمع ناشطون في ذلك اليوم ليحتفلوا في مايرنو.
وخرجت التظاهرات في العديد من مدن السودان، ويصادف يوم التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر ذكرى إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان وذلك في عام 1955 الأمر الذي أضاف بُعدا وطنيا آخر للثورة. وقدرت أعداد المتظاهرين بعشرات الآلاف مرددين هتافات تطالب بالقصاص من قتلة المتظاهرين وتنفيذ كل شعارات الثورة وأعيد الهتاف الأشهر “حرية سلام وعدالة”.
وشملت التظاهرات مدن الخرطوم، وأم درمان، وبحري، التي تكوّن مثلث العاصمة القومية ومدينة الأبيض غربي البلاد، وعطبرة في ولاية نهر النيل شمال الخرطوم، وبورتسودان والقضارف في الشرق، ومدني عاصمة ولاية الجزيرة، والدمازين في ولاية النيل الأزرق، ومدنا أخرى في مختلف مناطق السودان.
قطار عطبرة
وتميزت احتفالات مدينة عطبرة، عن باقي المدن واكتسبت رمزية ثورية حيث جاءها المتظاهرون عبر قطار وهو ذات القطار الذي استغله ثوار المدينة ليلتحقوا بالمعتصمين في ميدان الجيش بعد الإطاحة بالبشير وقبيل عملية فض الاعتصام.
وجاءت الاحتفالات شعبية دون أي صفة رسمية، ولم تسجل أجهزة الإعلام المحلية كلمة أو رسالة لأي مسؤول حكومي بهذه المناسبة، ودوّن وزير الإعلام فيصل محمد صالح رسالة في حسابه الشخصي في فيسبوك مباركا ومحتفيا بمواكب الثوار ومعلّقا على صور التظاهرات بالآية الكريمة “لا خوف عليهم ولا هم يحزنون”.
وشهدت وسائل التواصل الاجتماعي حراكا كبيرا بهذه المناسبة، نُشرت فيه مقاطع فيديو وصورا تمثل مراحل مختلفة من الحراك الشعبي الذي استمر طوال العام الماضي ومطلع هذا العام، وازدانت الشوارع بأعلام البلاد، وتمت زيارة أسر الشهداء والاحتفال بذكراهم وقامت أجهزة الإعلام الرسمية بنقل الاحتفالات عبر تقارير وبرامج خاصة، وهو ما لم يكن يحدث حتى بعد الإطاحة بالبشير، وقدّم التلفزيون القومي فيلما عن دور الشباب في الثورة.
وكان الجيش السوداني، أصدر بيانا قبيل صباح التظاهرات أعلن فيه إغلاق كل الشوارع المؤدية لمقره والتي شهدت إعتصام الثوار قبل وبعد عزل البشير، وتم بالفعل إغلاق الطرق بالحواجز الخرسانية وناقلات الجنود وقوات تحمل بعض الأسلحة، وجاب متظاهرو الخرطوم بعض الطرقات واتجهوا نحو القصر الرئاسي ووزارة العدل قبل أن يستقروا بساحة الحرية (الساحة الخضراء سابقا) والتي شهدت الاحتفالات.
وأصدر تجمع المهنيين الذي كان المحرّك الأساسي للثورة بيانا جاء فيه: “اليوم يقف الشعب بكل أطيافه ليعلن تمسكه بثورة كان مدادها من دم شهدائنا الذين رووا بدمائهم الزكية تراب الوطن، ومزاجها من وحدة، فتبادلت المدن الرسائل”.
وأضاف البيان: “مرت بنا ذكرى الثورة اليوم فأمطرت أملا أخضرً، أحيت الأمل في النفوس، ذكرتنا بما كنا، جعلتنا ندنو من بعضنا، فالطريق إلى كاودا مر عبر كوستي والأبيض والفاشر والدلنج، وإلى عطبرة عبر الدمازين والقضارف وبورتسودان ودنقلا، فرأينا كل البلاد من فرحة عيدا”.
وأكد تجمع المهنيين ضرورة “السير في درب أهداف الثورة مهما عظمت الكلفة، وأول الأهداف تحقيق العدالة الانتقالية”.
وقال الكاتب والباحث محمد القاضي إن الحشود الظافرة فى كافة بقاع السودان أرسلت رسائل قوية للداخل والخارج، مشيرا إلى أن الرسالة الأولى كانت لأنصار النظام السابق بأن أملهم في العودة إلى سدة الحكم يماثل (عشـم إبليس في الجنة).
أما الرسالة الثانية التي بعثها الشعب السوداني في ذكرى ثورته فيقول القاضي إنها وجّهت للمكون العسكري الشريك في إدارة الفترة الانتقالية وهي تحذير شديد اللهجة من أي محاولة للالتفاف على الفترة الانتقالية أو بعدها.
المستقبل الواعد
ويرى أن الرسالة الثالثة كانت إلى جماعة الهبوط الناعم وعنوانها “الشوارع لا تخون”. وحسب المصدر فإن الرسالة الرابعة جاءت بمثابة تفويض وتأييد كامل لحكومة حمدوك، ويرى المصدر أن الشعب بعث برسائل أخرى إلى شباب السودان وإلى العالم الخارجي والحركات المسلحة مفادها أن المستقبل الواعد ينتظر السودان.
ويرى كثير من الناشطين أن تظاهرة أنصار نظام البشير والتي كانت يوم الرابع عشر من هذا الشهر هي التي أشعلت احتفالات الذكرى الأولى للثورة، وأعادت الشعب لحماية ثورته.
ويقول المحلل السياسي يوسف الجلال إن تظاهرة مؤيدي نظام المخلوع البشير يوم14 كانون الأول/ديسمبر هي التي أدت للمليونيات. ويصف الجموع التي خرجت لإحياء الذكرى الأولى للثورة بغير المسبوقة حتى في أواخر عهد البشير وأيام المجلس العسكري.
ويضيف الجلال لـ”القدس العربي” أن هذه التظاهرات التي عمت مدن السودان أكدت متانة العلاقة بين كافة مكونات الشعب السوداني وقوى الحرية والتغيير بعد أن ظن الكثيرون أن الحكومة فقدت سندها الشعبي. ويقول: “صحيح أن هناك اختلافات وتباينات في الأولويات والرغبات بين الشارع المتمسك بالقصاص العاجل من قتلة الشهداء وبين قوى الحرية والتغيير التي تسير ببطء في إنجاز هذه الملفات، لكن العلاقة بين الطرفين لا تزال قوية وهو ما أفرزته هذه التظاهرات”.
ويرى الجلال أن خلاصة بدء الاحتفالات بالذكرى الأولى لثورة كانون الأول/ديسمبر هي متانة العلاقة بين كل المكونات التي أنجزت الثورة، وأن الثورة محروسة بلجان المقاومة وتشكيلات الثوار وأنها عصية على الاختراق.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي عبد الله رزق إن الحكومة كسبت في هذا اليوم 19 كانون الأول/ديسمبر تفويضا جديدا يماثل تفويض 30 حزيران/يونيو الذي أعقب مجزرة فض الاعتصام ممكا يؤكد أن جذوة الثورة لا تزال متقدة.
ويضيف واصفا تظاهرات التاسع عشر من هذا الشهر: “ما حدث اليوم في عطبرة والخرطوم وزالنجي وفي الأبيض ومدني وكوستي وغيرها من مدن السودان، ليس محض استحضار أو استذكار لفعل الثورة، التي اندلعت قبل عام من الآن، ووضعت السودان على عتبة تغيير جذري، مثلما تركت بصمتها في العديد من الساحات الإقليمية والدولية، وإنما هو الثورة ذاتها، كما اختبرها الملايين من السودانيات والسودانيين خلال ما يزيد عن الستة أشهر حسوماً، الثورة في تجددها، وتجليها وإئتلاقها”.