لا تعتبر الأحداث الأخيرة التي وقعت في السودان جديدة أو فريدة من نوعها، لكن ربما تختلف قليلا عن مثيلاتها من حيث الحجم، فقد سبقتها حالات مشابهة في 22 تموز/يوليو 1971 إبان فشل انقلاب الرائد هاشم العطا، وفي 2 تموز/يوليو 1976 عند فشل محاولة غزو مجموعة مسلحة من المعارضة السودانية للخرطوم من ليبيا كانت تهدف للإطاحة بالسلطة بقيادة محمد نور سعد.
كما أن خلق أجواء حزن ومأتم مع حلول عيد الفطر المبارك لا يعتبر أمراً جديداً، فقد أعدم نظام البشير عام 1990، 24 ضابطا من دون محاكمات علنيّة، ويقال انهم دفنوا أحياء، وعرفوا باسم «شهداء رمضان» وفي 3 حزيران/يونيو 2019 ارتكب نظام البشير جريمة فض الاعتصام رغم تطميناته للمعتصمين بانه لن يفض الاعتصام. وقد صحبت فض الاعتصام اعتداءات وعمليات قتل واغتصاب وإلقاء جثث في النيل.
خلفيّة
بدأ صعود نجم الجنرالين من دارفور حيث كان أحدهما (البرهان) قائدا عسكريا على رأس حملة للقضاء على حركات الكفاح المسلح الدارفوريّة شنّها نظام البشير واستقطب لها ميليشيا قبلية هي ميليشيا الجنجويد والتي تكونت من قطاع طرق. ومع انها وجدت تقنينا لها عام 2017 حينما اجيز قانون يضفي عليها الصفة العسكرية الرسمية تحت الإدارة المباشرة للقائد العام، إلا أنّها كانت منذ عام 2013 ميليشيا قبليّة ينحدر أفرادها من القبائل العربيّة الدارفوريّة وتوظيفها كي تقوم بمهمة قمع حركات الكفاح المسلّح الدارفوريّة، وكانت متهمة هناك بالقيام بمذابح. وقد تمتع حميدتي قبل ذلك بسيطرته على مناجم الذهب في منطقة جبل عامر، وعندما انفجرت ثورة كانون الأول/ديسمبر 2019 تحالف البرهان وحميدتي بوصفهما يمثلان الكيان العسكري الأقل حمولة ايديولوجيّة ضمن تركيبة السلطة التي استندت إلى الوثيقة الدستوريّة بعد ان صار حميدتي فريقا دون مؤهلات عسكرية سابقة، كما حصل أخوه عبد الرحيم أيضا على رتبة لواء.
لم يلتق الجنرالان في سياق معارك دفاع وطنيّ وانما التقيا في سياق قمع واخضاع حركات سياسية مسلحة، وكانت قوات حميدتي تستند إلى أساس عرقي. وأسهم الجنرالان بقواتهما في مجزرة فض الاعتصام وواصلا تحالفهما والتحقا معا بالثورة وكسبا رهانهما الأول بان كانت لهما كعسكريين قيادة النصف الأول من الفترة الانتقالية (حسب الوثيقة الدستوريّة) وحينما جاء أوان ان تؤول سلطة مجلس السيادة للمكون المدني قاما بتنفيذ انقلاب 25 تشرين الأول/اكتوبر 2021 وأقدما على وضع زملائهما السابقين في السجن لكنهما استبقا ذلك بان أوفد البرهان حليفه حميدتي للتوقيع على اتفاق جوبا مع حركتي تحرير السودان بقيادة مني اركو ميناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل ابراهيم، ليموضع نفسه بين قوى تحالف الحرية والتغيير وقوى اتفاق جوبا، وأعلن ان نصوص اتفاق جوبا تعلو على نصوص الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقاليّة.
الامتداد الطبيعي والأفق المغلق
كان الجنرالان يمثلان امتدادا طبيعيا لنظام البشير. ففي مقابلة مع صحافية مصرية في أول عهده قال البشير يصف أسلوب عمله «أنا جندي مشاه أجيد التمويه» إذ يبدو انه يتباهى بنصب شباك الخديعة للشعب ولحلفائه. وهكذا، خطط ونفذ خديعة «الذهاب إلى كرسي السلطة حاكما وان يذهب قائده حسن الترابي إلى السجن رئيسا».
عموما يبدو أن مسيرة الجنرالين معا قد وصلت محطتها الأخيرة، كما يبدو انهما ينتميان إلى مدرستين مختلفتين تنتمي إحداهما للعنف العاري والميليشاوي «حميدتي» بينما تنتمي الأخرى للعنف المبطن «البرهان» لكنهما يشتركان في قبول كلما يسهل عملهما، فقد قبلا دون أي تردد بند تطبيع العلاقات مع إسرائيل بوصفه من التسهيلات. كما قبلا المساهمة في حرب اليمن كتوسيع لنفوذهما المالي والسياسي. وصارا، بين عشيّة وضحاها، يجلسان مع كبار القادة السياسيين في المنطقة. ولم يتردد حميدتي من الذهاب للكرملين لمقابلة بوتين غير آبه بتفسير موقفه على ضوء الحرب في أوكرانيا.
تقييم من الخارج
ويورد مقال للمبعوث الأمريكي السابق للقرن الأفريقي نشرته صحيفة «واشنطن بوست» جيفري فيلتمان أن «من المحزن أن ينتشر العنف الذي اندلع في 15 نيسان/ابريل الجاري بين أقوى اثنين من جنرالات السودان وقواتهما» مشيرا إلى أن «زواج المصلحة انهار بين أميري الحرب».
وأضاف فيلتمان «سعى الإثنان إلى التهرب من المساءلة عن الجرائم التي تعود إلى الإبادة الجماعيّة في دارفور والمذبحة الأخرى التي راح ضحيتها أكثر من 120 متظاهرا غير مسلح في حزيران/يونيو 2019 وفوق كل شيء اسند ترتيبهم على الفهم المشترك بأن الجيش السوداني لن يخضع أبداً للمساءلة المدنيّة. وكان حميدتي على وجه الخصوص يثري نفسه، بما في ذلك من خلال مشاريع التعدين مع الروس».
مناشدات دوليّة
عدم إكتراث حميدتي لأيّ مسؤوليّة تجاه ممارسات ميليشياه تمثل حالة مستمرة، فهو لا يحفل كثيراً بآثار ممارساته، ويمكن النظر إلى ذلك من خلال مشاهدة الفيديو الذي يظهر سلوك عناصر ميليشياته مع الأسرى المصريين. ويمكن ان يبرز أيضاً سلوك تلك الميليشيا في مجال مكافحة الهجرة.
ومع ذلك يستمر العشم عند الكثيرين في الجنرالين، على المستوى الخارجي، ان يتوصلا لهدنة أو فتح مسارات آمنة للعلاج أو للتزود بالغذاء أو للابتعاد من مناطق الخطر. ففي وقت سابق من يوم الخميس صرح ستيفان دوجاريك المتحدث الرسمي باسم الأمم المتحدة أن الأمين العام زاره في وقت سابق (اليوم) كل من الرئيس الكيني ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي وسيد فكي محمد حول التطورات الأخيرة في السودان وسيستمر (اليوم) في بذل مساعيه في هذا الشأن. وعلى صعيد آخر نشرت وكالة الأنباء السعودية بيانا مشتركا للرباعية الدوليّة (المملكة العربية السعوديّة والإمارات والولايات المتحدة والمملكة المتحدة) جاء فيه ما يلي: «دعا سفراء دول الرباعية الدولية طرفي النزاع في جمهوريّة السودان إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى الحوار والالتزام بحماية المدنيين والبعثات الدبلوماسية والعاملين في المجال الإنساني وتوفير الممرات الآمنة للعمليات الإنسانية».
القدماء يطلون برؤوسهم
أظهرت بعض الفيديوهات بعض ملامح عودة النظام القديم إلى الحياة مجدداً حيث ظهر محمد طاهر إيلا وانس عمر يهددان بالحشد ما دفع كثير من الناشطين إلى تصور ان ما يحدث هو انقلاب من عناصر النظام القديم، لكن الذي لا شك فيه ان البرهان ورهطه (كباشي وياسر العطا وغيرهم) قدموا ويقدمون ما يساهم في توسيع حراكهم ولو تطلب الأمرعودتهم إلى حاضنتهم السابقة.
المفاجأة الشعبية
من الظواهر البديعة التي عمت الفضاء السياسي السوداني روح التطوّع العالية التي تمددت وسط السودانيين فتعالت صيحات مناهضة الحرب وروح التبرع بكل شيء داخل السودان وخارجه حيث أثبت الشعب ان روحه المناضلة لا يستهان بها وأن موقف مناهضة الحرب ليس لفظيا بل عميقا وعاتيا، وهذا يعبر عن نفسه في حملات التبرع وتوفير المعلومات التي تمكن الناس من ان يعيشوا حياتهم، وهي الحملات التي انتشرت في كل وسائط التواصل الاجتماعي على مستوى الأسرة والحي والقرية والدفعة الدراسيّة، وتجلت عند الأطباء وغيرهم من المهنيين وكل من يستطيعون المساهمة في تخفيف وطأة الحرب.