يستهل الروائي جمال حيدر روايته «شموع على أرصفة الكرادة» الصادرة عن دار لندن للطباعة والنشر في 147 صفحة من الحجم المتوسط، بإهدائها إلى «الاأحياء الذين ظلوا يحدقون في صور أحبائهم الموزعة على واجهة المجمع التجاري المحترق بحسرة، تلتهم فاجعة الفقدان» وتنتهي الرواية بجملة أخيرة تلخص المأساة كلها: «كل الدموع التي ذرفت من أجلهم لم تناسب الفجيعة ولم تناسب قسوتها». أما حي الكرادة الذي يشهد حادث التفجير والقتل، دون تمييز فهو حي بغدادي عريق، تقطنه شرائح من الطبقة الوسطى والعليا البغدادية ويقع على جانب نهر دجلة من ضفة الرصافة في بغداد، ويعني اسمه كرد (سحب مياه نهر دجلة إلى الأراضي الزراعية التي يحويها الحي في العقود الماضية، وقد قطن فيه أيضا اليهود والمسيحيون مع طوائف مسلمة أخرى). يقول الروائي في مقدمة الرواية «الكثير من الأسماء الواردة في الرواية هي لشهداء سقطوا في الانفجار، وارتقوا إلى السماء، غير أن حكاياتهم هي فعل روائي بحت، عدا الشهيدين محمد إبراهيم سليم ومحمد حيدر، حيث نقل أفراد من أسرتيهما كثيرا من ملامح حياتيهما. ويوجّه المؤلف الشكر للعديد من الأشخاص، بمن فيهم شقيقتاه لمساهمتهن في إثراءالعمل الروائي.
ملامح بشرية ومجتمعيّة تصطدم بملامح قياميّة
يقسّم المؤلف روايته إلى بوابة أمامية بعنوان «دقائق قليلة بعد الانفجار… قبل الموت» وبوابة خلفية تحت عنوان «دقائق قليلة فاصلة عن الموت» وبين البوابتين يستعرض حيوات 16 شخصية بوشائجها وظلالها، تمثل مختلف شرائح منطقة الكرادة البغدادية، منهم كريم بعبارته المميزة «خليك على الله» وبائع الشاي المتجول حميد بصوته المرتجف وهو يردد «هذا شاي حميد أبوالهيل.. يرد الروح والحيل»؛ و(تبارك) التي تخلت عن وظيفتها من أجل تربية بنتيها: و(ليال) بائعة الجسد التي انتقلت للمدينة لتعيش مع خالتها فتحولت أولا إلى أداة «تسلية لزوج خالتها ثم لابنه الأكبر» لتصير من اللواتي يبعن أجسادهن. وهناك (ماني) الصابئي، الذي تربى على الانسحاب من كل المعارك، بدلا من خسارتها، ونشأ مهادناً ومراوغاً؛ وهناك محمد إبراهيم وابن خالته محمد حيدر، اللذان جمعهما القدر في الاسم وفي مقاعد الدراسة وفي التخصص الجامعي وفي سنة التخرّج، وهناك محمد خليل مع أسرته التي تتشكّل من أطفاله الأربعة وأمهم، بالإضافة إلى أمه؛ وهناك أيضاً مهدي جواد وأفراد عائلته الصغيرة، الذين عادوا من لندن بعدما سئموا حياة الغربة، وهناك إيهاب الذي تخرّج من الجامعة منذ 3 سنوات ولم يجد عملاً يعيش منه، ما جعله يفكر في الحصول على مبلغ مالي يدفعه رشوة تساعد في تعيينه متطوعا كجندي في الجيش، رغم أن الكتب تشكل عالمه المثالي. هناك أيضاً مازن، الجندي، وخطيبته جولييت وزواجهما المعلّق. ثم محمد هويدي الذي يقوم بتأليف كتاب «عراق الطين والشياطين» الذي اعترف لزوجة عمّه قائلاً «هذا الكتاب سيقتلني» وله كتاب آخر باسم (عراق الحشد) لن يصدر إلا بعد وفاته، ثم عقيل، سائق عربة الأجرة، الذي توفيت زوجته وتركت له ابنتهما (يمامة) التي رعاها عقيل حتى أكملت كليّة الصيدلة، وكان في طريقه لشراء هدية لها بمناسبة نجاحها وتخرجها حين داهمه الانفجار. ثم يأتي صلاح وابن عمّه رضا، اللذان أمضيا طفولتهما معاً وتسكعا وهربا من المدرسة نحو صالات السينما الرخيصة، لكن رضا يفكر الآن في السفر ثم يشرع الاثنان في مشروع مشترك. وأخيراً هناك أسعد مروّج حبوب الكرستال المخدرة، ونصير بائع الأحذية.
يبدو مشروع عرض تلك النماذج أشبه بكتابة قصص قصيرة تتناول شرائح مختلفة من المجتمع العراقي لتندرج في السرد العام لرواية التفجير.
خط زمني
تتبع الرواية، في عرضها لحيوات هذه النماذج، خطاً زمنيّاً يمتد على مدى يوم كامل، يبدأ من الصباح الباكر وحتى موعد السحور في أحد آخر أيام شهر رمضان. ويلاحظ أن هناك شعورا عاما بين هذه النماذج بقدوم كارثة ويأتي التعبير عن ذلك بكوابيس، تداهم بعضهم أثناء نومهم أو يقظتهم، كان لدى هؤلاء الشهداء إحساس خفي بخطر داهم مقبل، ويرد ذلك من خلال كوابيس وأحلام يستيقظون منها وهم يسيحون في برك من العرق؛ نجد ذلك لدى زوجة كريم ولدى حميد مما يذكّر حميد بتجربته خلال الحرب، ولدى تبارك التي كانت خائفة دون أن تعلم سبب هذا الخوف الذي أيقظ فها رغبة غريبة في البكاء؛ وحول «ما دار بخلدها أنه الحد الفاصل بين الحياة والموت، فبكت وحين صحت وجدت قطرات من دموع رابضة في طرفي عينيها. ارتعبت ومسحت الدمعات التي بدأت تسيل على جانبي وجهها».
تبلغ الدراما أوجها قرب خاتمة الرواية فيبتعد النص عن التقريرية ويمضي في اتجاهات شاعرية تكاد تتوازى مع رسوم بيكاسو وغيره من التشكيليين الأوروبيين الذين شعروا بأن الرسم التقليدي لا يكفي للتعبير عن حجم مأساة الحرب العالمية الثانية.
وعند (ليال) التي «سجدت طويلا على محراب الهاوية وبأقدام ثابتة وقفت فوق قمة النار». لكن الرواية تقر بأن ما حدث يشكل واقعة غير مسبوقة، وتجد تلخيصاً لذلك في المقطع التالي: «شهدت بغداد تجربة لم تلامسها من قبل، تجربة قتال في جبهات غير مرئيّة، تحدّدت معالمها بين الشوارع والأحياء، وثمة عدو يأتي متخفّياً على هيئة شبح، يجتاز الجبهات ليحدث خسارات فادحة بين الجبهتين، ليس من منتصر، الجميع يخسر أمام هذا العدو». عند التقصي اتضح أن المركز التجاري الذي استهدفه التفجير الإرهابي يتكوّن من عدة طبقات. بدأ الانفجار عبر سيارة شحن مفخخة في بوابة المركز لتمتد النيران إلى داخله، ما تعذّر خروج المحاصرين منه. حاول البعض الزحف نحو الباب لكن فشل بعدما أوصدت ألسنة اللهب والدخان الأسود كل منافذ الهرب، إذ لا بد من العثور على منفذ. تسلق البعض للطابق العلوي من المجمع للهروب عبر بوابته. إنها الفرصة الأخيرة للنجاة من موت بدأ قريباً، لكن تلك البوابة كان قد أحكم إغلاقها قبل أيام قليلة في خطة أعدت مسبقاً لقتل العدد الأكبر من أصحاب المحال والمتسوقين استعدادا للعيد الذي سيطل بعد ثلاثة أيام، والباحثين عن وجبة سحور خفيفة في تلك الليلة.
الفتوى
أحد مداخل عالم الرعب هذا هو «فتوى الدم» التي جرت في منزل طيني منعزل بعد أداء الصلاة، حيث وضع صاحب الفتوى يده على المنطقة ( منطقة الكرادة) ويقول «هنا، أريد الغزوة» بعد أن فرش أسنانه بعود مسواك ثم قال «لنغرقهم بالدماء قبل العيد».
التنفيذ
تصل السيارة إلى بوابة بغداد وتمر بسهولة وتتجاوز المفارز كلها لتصل إلى الكرادة. تقول الرواية «كان الارهابي يتطلّع بطرفي عينيه إلى الأرصفة والمارين والمتاجر. ابتسم بعدما شعر بما سيحدقه الانفجار بكل هؤلاء، فهو الوحيد الذي يعلم كيف ستتحول المنطقة بعد قليل، وهو ما لا يخطر على بال أيّ مجرم». وحين قرر الكبس على صاقع التفجير لم ترتجف يداه ولم ترمش عيناه أبداً. تتابع الرواية اللحظات الأخيرة للقتلى وهم ينزلقون من على حافة الحياة كما تتجاوب الأمكنة في هذه اللحظات، فتطلق الأرصفة مناحاتها بأقوال شتى مثل: «رأت الأرصفة كابوسا مخيفاً أفزعها، أشجار الطريق تحمل على أعضائها رؤوساً بشريّة مقطوعة لا تزال رموشها تتحرّك». ومثل» تمنّت الأرصفة أن يطول النهار، يطول كثيراً ولا يأتي الليل» إلى أن تقول «نعلم تماماً، نحن الأرصفة أن البشر سيمرون بنا، وهم يغمضون عيونهم هربا من الوجع الرابض في الروح».
لا ينتهي الكاتب دون أن يتقدم بقراءة للمستقبل، تجعل من المذبحة وشهدائها ذكرى وعبرة، فيستنطق الأرصفة التي تأخذ الرواية عنوانها منها بجدارة، فتقول نيابة عنه «بعد أيّام، ربما بعد سنة، ستفترش الشموع أجسادنا بلهيبها المتموج، كأنّها تشتعل في دمائنا وهي تذوب بتأوهات مشؤومة ستلمس تلك الشموع قلوبنا، وسيكون ذلك اللهب الصغير سلوتنا الوحيدة».
تبلغ الدراما أوجها قرب خاتمة الرواية فيبتعد النص عن التقريرية ويمضي في اتجاهات شاعرية تكاد تتوازى مع رسوم بيكاسو وغيره من التشكيليين الأوروبيين الذين شعروا بأن الرسم التقليدي لا يكفي للتعبير عن حجم مأساة الحرب العالمية الثانية. وأعتقد أن الرواية نجحت في التعبير عن كراهية العنف الداعشي، الذي لا يميّز والذي يمزق الأواصر الحميمة ويؤسس لجحيم أرضي مقابل نعيم مفترض في سماوات عليا.