الخرطوم-“القدس العربي”:اعترف المجلس العسكري الانتقالي في السودان بالدور الكبير لقوى الحرية والتغيير في المشهد السياسي الجديد وبدأ صفحة جديدة معها بعد خلافات حادة أدت لتعليق التفاوض بين الطرفين.
وكانت العلاقة وصلت إلى طريق مسدود بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري، وقررت قوى إعلان الحرية والتغيير في بيانها بتاريخ 21نيسان/أبريل الحالي تعليق التفاوض مع المجلس العسكري.
واتفق الطرفان على تكوين لجنة مشتركة لمواصلة النقاش حول القضايا الخلافية وتقديم مقترح مشترك والتدارس حول ترتيبات انتقال السلطة وصلاحيات الأجهزة في الهياكل المختلفة.
وأصدر المجلس بيانا جاء فيه: “إيماناً بالدور الريادي والفاعل لقوى الحرية والتغيير في صناعة الثورة وقيادة الحراك بشكل سلمي وصولاً لاقتلاع النظام، وانطلاقاً من المسؤولية الوطنية التي تقع على عاتق المجلس العسكري الانتقالي في حفظ الأمن وبث الطمأنينة واجتثاث جذور الفتنة وبواعث الاقصاء وكل مخلفات النظام السابق وضماناً لرعاية الظروف الملائمة لتحقيق أهداف الثورة السامية، فإن المجلس العسكري الانتقالي يعلن أن أبواب التواصل والحوار والتفاوض مفتوحة حول رؤية قوى الحرية والتغيير التي قدمتها للمجلس وصولاً لتحقيق تطلعات الشعب وطموحات الشباب ومطالب الثورة”.
وبناء على هذه التطورات، ارجأت قوى الحرية والتغيير إعلان أسماء مرشحيها للسلطة المدنية الانتقالية، وقالت في بيان إن هذا التحول يجيء: “سعياً للوصول إلى اتفاق شامل وكامل مع المجلس العسكري الانتقالي يمهد للإعلان عن كل مستويات السلطة الانتقالية المدنية”.
ووصفت قوى الحرية والتغيير أن ما تم في اللقاء الأخير، يمثل “خطوة في بناء الثقة بين الطرفين”. مضيفة أن الطرفين اتفقا على ضرورة العمل المشترك من أجل الوصول بالبلاد للسلام والاستقرار والتحول الديمقراطي الحقيقي، كما خلص إلى أن هذه التطلعات لن تتحقق إلا بالتعاون والعمل المشترك، كما تم الاتفاق على تكوين لجنة مشتركة من المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير لمناقشة القضايا الخلافية العالقة “فالمسؤولية مشتركة والهم يجب أن يكون واحداً”.
لكن رغم ذلك نظمت قوى الحرية والتغيير تظاهرة مليونية أمام مقر القيادة العامة للجيش، مؤكدة أن الاعتصام مستمر حتى تتحقق كل المطالب وقالت: “إن اعتصامنا يحمي ثورتنا ويضمن تحقيق كافة أهدافها كما ستتواصل مواكبنا ونشاطاتنا السلمية في العاصمة والأقاليم حتى بلوغ جميع مقاصدنا التي بذل فيها الشعب السوداني دماءه وأظهر فيها عظيم صبره وصموده”.
وقال محمد يوسف مصطفى، القيادي في تجمع المهنيين، إن المجلس الانتقالي لا يزال يواصل في المراوغة وإهدار الوقت ولم يلب مطالب الشارع حتى الآن. وأضاف لـ”القدس العربي”: “إن الملايين الذين خرجوا والمئات الذين قتلوا وجرحوا واعتقلوا، أهدافهم واضحة وهي اقتلاع نظام الإنقاذ من جذوره”.
وأوضح أن المجلس العسكري يعمل بذات عقلية النظام السابق ويقوم بإصلاحات جزئية دون تغيير كامل لمفاصل نظام البشير ويضيف: “هذا لأنه يمثل جزءا من القوى القديمة وله ارتباطات مسبقة ونشاط واضح والسيرة الذاتية لأعضائه مليئة بالقهر والقمع والولوغ في مكتسبات الشعب والفساد والسكوت عن الجرائم”.
ويرى يوسف أن ما يحدث الآن هو إلتفاف على مطالب الشعب الواضحة، مبينا أن التوجهات القديمة موجودة وراسخة “ولا تزال وسائل النظام الماضي تعمل في تكتيكات مرحلية دون مخاطبة جذور المشكلة التي أطاحت بالبشير”.
ويقول عضو تجمع المهنيين إن المجال الآن للعمل الواضح وليس الكلام الحلو. ويضيف: “بعكس ما يرى الناس، فإن لقاء المجلس العسكري وقوى التغيير تم فيه إتفاق على قضايا شكلية فقط، وإذا كانوا يقولون إن الاتفاق تم بنسبة تسعين في المئة، فإن العشرة في المئة المتبقية هي القضايا المهمة والأساسية، وما تم عبارة عن مواصلة النهج القديم نفسه في التسويف والمماطلة”.
وحسب يوسف فإن المجلس العسكري يحاول شراء الوقت للمكوث أطول فترة ممكنة لضمان أقصى درجة من الحماية لشركائه السابقين ويصف هذه الحماية بقوله: “هناك وثائق مهمة يتم اتلافها ومنهوبات يتم تهريبها وإخفاء للجرائم والمجرمين وربما يستعد المجلس لهجمة مرتدة”.
وحول الضغوط التي تمارس على المجلس الانتقالي يقول: “هنالك ضغوط شديدة ومتواصلة من المجتمع الدولي رغم محاولات بعض الأطراف للتهدئة مثلما حدث مؤخرا في القاهرة من تمديد مهلة الاتحاد الأفريقي لتكوين الحكومة المدنية، لثلاثة أشهر بعد انقضاء مهلة الأسبوعين، لكن الضغوط المهمة بيدنا وهي حراك الشارع وما حدث يوم الخميس من مليونية جاءت من كل أنحاء السودان، يؤكد أن الشعب هو الذي يقرر ومطالبه هي نظام ديمقراطي كامل ومحاسبة كل رموز النظام البائد”.
ويرى القيادي في تجمع المهنيين أن اتهام المعارضة بعدم الوحدة كذب، مبينا أن لديهم برنامجا واضحا ومتكاملا لإدارة الفترة الانتقالية، وقّعت عليه كل قوى الحرية والتغييرمنذ أربعة أشهر، ودخلت على أساسه هذه القوى المعركة ضد النظام.
وأوضح أن الهياكل للفترة المقبلة واضحة ومعلنة وهي تكوين مجلس سيادي مدني ومجلس وزراء برؤى واضحة، أساسها الكفاءة وعدم الانتماء الحزبي الصارخ لأعضائه، ويتم تكوين مجلس تشريعي يمثل كل أبناء وفئات الشعب السوداني، مشيرا إلى أن تحديد الأسماء ليس مشكلة بل المهم النزاهة والاستقامة وقوة الشخصية واستقلال الرأي، مضيفا أن السودان زاخر بالشخصيات التي تنطبق عليها هذه الصفات.
وعن دور الحركات المسلحة في مستقبل البلاد قال يوسف: “هناك حوار واتصالات تمت مع كل حاملي السلاح وذلك قبل بداية الحراك، وأدرنا معهم حوارا مثمرا ومتقدما وحصلنا على تفاهمات واضحة على الفترة المقبلة”.
وتنفيذا لحديثها أقامت قوى الحرية والتغيير تظاهرة حاشدة الخميس شاركت فيها أعداد ضخمة من العاصمة والعديد من مدن السودان وطالب المتظاهرون بتحقيق كل أهداف الثورة إضافة لإقالة ثلاثة من أعضاء المجلس العسكري لإرتباطهم الواضح بالنظام البائد.
وشهد اجتماع المجلس العسكري بقوى الحرية والتغيير غياب الثلاثي المرفوض في أعقاب تكاثف الضغوط على المجلس من قوى المعارضة لإبعادهم واتهامهم بتنفيذ مخططات الإسلاميين الذين أطاحت بهم الثورة.
وقال المتحدث باسم المجلس العسكري في تصريح أعقب اجتماعا لقوى “الحرية والتغيير” بالرئيس عبد الفتاح البرهان إن كل من عمر زين العابدين وجلال الدين الشيخ وأبو بكر مصطفى تقدموا باستقالاتهم من المجلس وأن الأخير ينظر فيها تمهيدا للبت في أمرها.
وأثار إطلاق سراح بعض رموز نظام البشير جدلا واسعا، وحسب وسائل إعلام محلية تم إطلاق سراح الأمين العام للحركة الإسلامية الزبير أحمد الحسن، وأسامة عبد الله، ومأمون حميدة، ورئيس البرلمان الأسبق أحمد إبراهيم الطاهر، وأسامة ونسي.