السودان: تحديات حرب مفاجئة مع إثيوبيا بشأن الحدود وسد النهضة والأمن في دارفور وتحسن اقتصادي على يد المانحين

عمار عوض
حجم الخط
0

الخرطوم- “القدس العربي”:  يفترض في مثل هذه الأيام أن تكون رئاسة مجلس السيادة السوداني انتقلت من العسكريين إلى المدنيين، حيث تنص الوثيقة الدستورية على تبادل الرئاسة بعد مرور 18 شهرا من تشكيل مجلس السيادة الذي أكمل اليوم عاما ونصف العام، لكن ذلك لم يتحقق بسبب التغيرات التي أجريت على الوثيقة بتمديد الفترة الانتقالية لعام آخر نتيجة للتوقيع على اتفاق السلام يوم 3 تشرين الأول/اكتوبر2020 وبذا يفترض ان تنتقل السلطة للمدنيين في آذار/مارس العام المقبل، وهذه التغييرات تعكس بجلاء طبيعة عملية الانتقال في السودان بأنها تسير ببطء شديد مع إحراز بعض التقدم من فينة لأخرى وهو الأمر الواضح في تحقيق السلام نفسه الذي كان يفترض ان يكون بعد ستة أشهر من تكوين الحكومة في 21 آب/اغسطس 2019 لكنه اكتمل في تشرين الأول/اكتوبر 2020 أي بعد 14 شهرا بتأخير 8 أشهر عن موعده المحدد، ونفس الأمر بالنسبة لتشكيل الحكومة الذي كان يفترض ان يكون بعد أسبوعين من توقيع اتفاق السلام في 3 تشرين الأول/اكتوبر لكن مجلس الوزراء الجديد أعلن في 10 شباط/فبراير 2021 أي بعد أربعة أشهر من التاريخ المحدد.

لكن مع ذلك تظهر الحكومة الجديدة من السياسيين المحترفين من قادة الأحزاب السودانية أفضل من سابقتها التي كان يغلب عليها التكنوقراط الذين اتسم أداءهم بالضعف والتردد في اتخاذ القرارات الجريئة وتنزيلها على أرض الواقع، والنجاحات التي تحققت والمتمثلة في إعادة العلاقة مع الولايات المتحدة ورفع العقوبات تمت بفضل التدخلات من مجلس السيادة والقيادة واضحة الأثر لرئيس الوزراء عبدالله حمدوك ووزراء العدل والشؤون الدينية الذين وحدهم الذين استمروا في الحكم من مجلس الوزراء القديم، كما يعد السلام أحد أفضل الإنجازات رغم عدم اكتمال فصوله لوجود الحركة الشعبية بقيادة عبدالعزيز الحلو وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد، وهي المهمة الأصعب التي ستواجه الحكومة الجديدة لان تحقيق السلام مع هؤلاء القادة يحتاج لقرارات جريئة تتمثل في قبول فصل الدين عن الدولة، بجانب تسليم المتهمين من قبل المحكمة الجنائية وعلى رأسهم الرئيس السابق عمر البشير، آخذين في الاعتبار دخول عامل جديد ربما يساعد في استكمال السلام والمتمثل في وجود بعثة الأمم المتحدة السياسية والفنية في الخرطوم وهي واحدة أيضا من إشراقات العام ونصف الماضيين على الرغم من اللغط الذي صاحب دخولها السودان الذي اكتمل رسميا شباط/فبراير الماضي بوصول رئيس البعثة الألماني الجنسية فولكر.

ومن الملاحظ ان دخول السياسيين في الحكومة الجديدة صاحبه استقرار اقتصادي والذي تظهر ملامحه في استقرار سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار بفضل قرار تعويم الجنيه الذي اتخذه وزير المالية د.جبريل ابراهيم الشهر الماضي، وهو القرار الذي تلكأت الحكومة السابقة في اتخاذه خوفا من الغضب الشعبي والذي لجأت إليه بعد ان وصل سعر الصرف إلى 420 جنيها للدولار في مقابل 65 جنيها فقط عند تسلمها السلطة اب/اغسطس الماضي ولكنه استقر بفعل قرار التعويم الجريء في 376 جنيها للأسبوع الثالث في ظل حملة شعبية قوية لدعم الجنيه والتي تمثلت في تدفق تحويلات المغتربين والمهاجرين عبر البنوك والقنوات الرسمية بدلا عن السوق الموازي الذي كان يتحكم فيه تجار العملة، وانعكس هذا القرار على استقرار أسعار السلع الأساسية مع استمرار أزمة الوقود منذ تشكيل الحكومة الاولى إلى يومنا هذا.

الانفتاح على العالم الخارجي

وينتظر ان يجني السودان ثمار انفتاحه على العالم الخارجي ورفع اسمه من لائحة الإرهاب في الفترة المقبلة وهو الأمر الذي تظهر دلالاته في وصول قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا “افريكوم” للخرطوم الشهر الماضي وإعلانها ان السودان أصبح شريكا سياسيا وعسكريا للولايات المتحدة، وما صاحبه من وصول سفن حربية كبيرة إلى ميناء بورسودان على مرحلتين بعد انقطاع دام ثلاثة عقود هي فترة حكم الرئيس السابق عمر البشير الذي كان حليفا رئيسيا لروسيا الاتحادية التي تجاهد هي الأخرى للمحافظة على نفوذها في السودان وموطئ القدم الذي أعطاها اياه البشير والمتمثل في قاعدة لوجستية للسفن على البحر الأحمر وهو الذي تحاول واشنطن قطع الطريق عليه على الرغم من وصول سفينة روسية كبرى الأسبوع الماضي لميناء بورسودان ما يظهر ارتباك القيادة السودانية في اتخاذ قرار يحدد الفلك الذي ستسير في مداره.
وفي ظل كل ذلك يعد التقدم الأبرز هو خروج رئيس الوزراء عبدالله حمدوك للعلن والاحتكاك بالمواطنين في ولاية الجزيرة التي دشن فيها موسما ناجحا لحصاد القمح، وجنوب الخرطوم حيث دشن مشاريع الكفالة الاجتماعية من الدولة للمواطنين واللقاء مع قوات الشرطة وجهاز المخابرات وأثره الواضح في ملف سد النهضة عبر الاتصالات والزيارات والاجتماعات، بعكس الصورة التي رسمها لنفسه في الفترة السابقة والمتمثلة في رئيس حكومة ديواني ينزوي ويمارس أعمالا مكتبية ولا يلتقي بالجمهور العام أو أجهزة الدولة المختلفة. هذا الخروج من المكتب للشارع جعل بعض الأمل يعود في رئيس الحكومة بانه يمكن ان يتولى قيادة السودان لبر الأمان بعد ما تراجعت شعبيته لدرجة مخيفة في الفترة الأخيرة، لكنه عاد ليكسب قواعد جديدة في ظل غضب من الثوار لتأخر ملفات العدالة واحتقان سياسي نسبة لخروج أحزاب مؤثرة من الحاضنة السياسية للحكومة، في ما يأمل المواطنون والقوى السياسية في ان يحرز تقدما بايجاد صيغة للمصالحة السياسية مع الأحزاب اليسارية والإسلامية التي تنظر إليه بريبة وتعتبره رهينة للقوى الامبريالية من جهة والتصورات العلمانية من الجهة الأخرى.

تحديات جدية

في ظل كل هذا التقدم البطيء والارتباك الذي يسود في بعض الملفات، توجد ثلاثة تحديات جدية وخطيرة ستطغى على مشهد الفترة المقبلة وعلى رأسها التوترات مع إثيوبيا بخصوص ملفي سد النهضة وملف ترسيم الحدود الذي يرقى ليكون مهددا عسكريا يلوح في ثناياه الدخول في حرب مفتوحة مع إثيوبيا التي حشدت جيشها وجيوش حلفائها في أريتريا وميليشيات الأمهرا على حدود السودان وسط تخوف من المراقبين من (حرب الفجاءة التي يمكن ان يشعلها اشتباك محدود نتيجة لخطأ من جنود أحد الطرفين) في ظل تأكيدات البلدين عدم رغبتهما في الدخول في الحرب لكن التوتر والشد يطغى على مشهد العسكريين من الطرفين حيث يتحرك الأمهرا وفق الأساطير الدينية والنزعات القومية التوسعية في أراضي السودان الذي يتحشد جيشه مدفوعا بالحق التاريخي في أراضي الفشقة، وغبن المواطنين من الميليشيات والسعي لرسم واقع سودان ما بعد الثورة والحصول على دعم شعبي للقوات المسلحة السودانية في أول حرب خارجية تخوضها في تاريخها.
وعلى الجهة الأخرى من توتر العلاقة يطغى ملف سد النهضة في ظل إصرار إثيوبيا على الملء الثاني الأحادي الذي تقول الحكومة السودانية انه يهدد 20 مليون مواطن سوداني يعيشون على ضفاف النيل واعتبار رئيس الوزراء عبدالله حمدوك ان «الملء الاحادي الإثيوبي يمثل تهديدا للأمن القومي السوداني» يأتي ذلك في ظل دعم مصري وتنسيق واضح المعالم المتمثل في دعم الرئيس السيسي عند زيارته للخرطوم للمقترح السوداني الداعي لتكوين وساطة رباعية تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة وهو المقترح الذي أعلنت إثيوبيا رفضه الكامل وتمسكها برئاسة الاتحاد الأفريقي للمفاوضات وعدم إشراك أطراف دولية، واتجاهها للملء في تموز/يوليو المقبل في ظل اصرار سوداني مصري لقطع الطريق على هذا الملء ما ينذر بصدام بين الدول الثلاث في حزيران/يونيو المقبل الذي تظل احتمالاته مفتوحة ما بين العمل الدبلوماسي والسياسي وربما يشمل سيناريوهات أخرى خطيرة على أمن المنطقة بأسرها وليس دول حوض النيل الأزرق فقط.
ويظل تحدي الأمن في ولايات دارفور أكبر الهواجس التي تشغل بال المنطقة واللاعبين الدوليين بعد خروج بعثة يوناميد من دارفور وتحول مسؤولية الأمن وحماية المدنيين لحكومة السودان الانتقالية، وهو الأمر الذي رافقه ارتفاع درجات العنف القبلي بشكل غير مسبوق في مدينة الجنينة (غرب دارفور) وطويل (جنوب دارفور) والتي راح ضحيتها نحو 500 مواطن وجرج قرابة الألف شخص في المواجهات القبلية، في ظل انتشار كثيف للأسلحة الخفيفة والثقيلة في أيدي المواطنين المتخوفين من افرازات اتفاق السلام الذي وقع في جوبا العام الماضي والذي حدد ملكية الأرض للقبائل وهي واحدة من أهم أسباب اندلاع الحرب في دارفور عام 2003 وهو الصراع على ملكية الأرض. يرافق كل ذلك ملامح اتفاق للسلام في ليبيا سيدفع بكثير من القوات (المرتزقة) التي كانت تعمل لصالح طرفي الصراع الليبي بما في ذلك الجماعات الإرهابية التي ستجد مرتعا في الأمن غير المستقر في صحاري دارفور، وهو ما يعاظم الخوف من خروج دارفور عن السيطرة وعودتها لأتون ونيران الحرب التي ستكون أقسى من ما مضى حال عدم استباب الأمن في دارفور وهو الأمر الذي تحفه المخاطر في ظل عدم تنفيذ اتفاق الترتيبات الأمنية الذي يسمح بتكوين قوة مشتركة من 12 ألف جندي مناصفة بين أطراف اتفاق سلام جوبا رغم مرور خمسة أشهر على الموعد المحدد لتكوين هذه القوة التي يرى كثيرون انها ستكون أحد أسباب توتر الأوضاع لعدم تجانسها وللمرارات القديمة بين المواطنين وأطراف هذه القوة ان كانوا من الجماعات المسلحة أو من الدعم السريع والقوات المسلحة.
ويبقى التحدي الأخير هو استقرار الاقتصاد وهو الأكبر على الرغم من استقرار أسعار السلع وسعر صرف الدولار وسط وعود بمنح خارجية من الولايات المتحدة وشركاء الحكومة في السعودية والإمارات وإلى حد ما قطر التي عادت العلاقة معها بشكل أفضل من السابق. لكن تظل هذه الوعود التي تبلغ جملتها 2.5 مليار دولار، وعودا لم يصل منها إلى خزانة السودان دولار واحد إلى هذه اللحظة، وهو ما يجعل كل الاحتمالات واردة ومن بينها عدم الايفاء بهذه الوعود ما سيقود إلى سوء الأداء الاقتصادي وبالتالي زيادة السخط الشعبي ما يعني عودة التظاهرات التي كانت سمة ظاهرة منذ تشكيل الحكومة عام 2019 وارتفعت وتيرتها لشكل من النهب والسلب بداية هذا العام، والاحتمال الثاني الإيفاء بالمنح بجانب توفير السلع الأساسية من وقود وقمح من الولايات المتحدة والإمارات والسعودية وإعفاء ديون السودان المتوقع في مؤتمر باريس ايار/مايو المقبل، ما يعني استعادة الاستقرار الاقتصادي الذي يعني بالضرورة رضا المواطنين عن الحكومة الذي يقود لاستقرار الأوضاع في السودان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية