الخرطوم ـ «القدس العربي»: أطلقت الشرطة السودانية الغاز المسيل للدموع بكثافة في شوارع الخرطوم المؤدية للقصر الرئاسي من جهة مستشفى الشعب وبري، الأربعاء، لمنع آلاف من المتظاهرين المنددين بسياسات الحكومة والداعين لإسقاطها، من الوصول للقصر الجمهوري، فيما أعلنت لجنة إزالة التمكين أن قوة شرطية اعتقلت 79 من كوادر نظام الرئيس المعزول عمر البشير.
ورغم إعلان حكومة ولاية الخرطوم الأربعاء عطلة رسمية والانتشار الكثيف للشرطة، خرج الآلاف من السودانيين رافضين لسياسات الحكومة الانتقالية الاقتصادية، حيث هتف المحتجون في شارع الموردة المؤدي لمبنى البرلمان قبالة جسر أمدرمان القديم المؤدي للخرطوم «لن يحكمنا البنك الدولي» و« بي كم بي كم قحاتة باعوا الدم».
وأطلقت الشرطة بكثافة الغاز المسيل للدموع، ومنعت عبور المتظاهرين إلى نقطة التجمع النهائية أمام وزارة المالية، التي أعلنت عنها تنسيقيات لجان المقاومة.
وقال الشاب أسعد حسين من محلية كرري لـ«القدس العربي» إنهم «يطلقون علينا مسيل للدموع ويقفلون الجسور أمامنا، يا لهم من جبناء، نحن من أتينا بهم للحكم ونحن من سنخرجهم منه».
«فشلوا في كل شيء»
وتابع «هم فشلوا في أي شيء، فشلوا في حل مشاكل المعيشة، والأسعار أصبحت نارا، ولم يأتوا بحق الشهداء وجلب من قتلهم للمحاكمة، هناك بالقرب من البرلمان في يوم 30 يونيو، قبل عامين، قتل شهداء من أصدقائنا، ولم يأتوا بحقهم، هؤلاء شلة (مجموعة) فشلة، وسيذهبون مثل ما ذهب البشير، إن لم يحققوا مطالبنا».
وفي المنطقة الواقعة جنوب الخرطوم بالقرب من موقف (شروني) للمواصلات ومستشفى الشعب، تجمع الآلاف من الشباب والنساء، الذين قدموا عبر مواكب كبيرة من أحياء الديم والصحافة بغية الوصول إلى محيط القصر الرئاسي، حيث نقطة التجمع المحددة من قبل تنسيقيات المقاومة قبل أن تقوم الشرطة بإلقاء عبوات الغاز المسيلة للدموع بكثافة على المتظاهرين، ما قاد لعدد من حالات الاختناق وشهدت المنطقة حالات كر وفر بين الشرطة والمتظاهرين.
وقال حسين، وهو أحد قيادات لجان مقاومة الخرطوم جنوب لـ«القدس العربي» عبر الهاتف «أتت مواكب الثوار من أحياء الصحافة والديم والخرطوم 2 ومن جنوب الحزام واكتمل التجمع بالقرب من موقف شروني، فيما تحرك الصحافيون من دور الصحف في الخرطوم، لكن الشرطة أغلقت كل الطرق المؤدية لشارع القصر وأطلقت الغاز المسيل للدموع بكثافة، وضربت المتظاهرين بالهراوات، وحصلت حالة كر وفر وقد حاولنا الوصول إلى القصر الرئاسي رغم الحواجز والضرب».
وسخر من مقولة داعمين للنظام السابق في التظاهرات قائلا: «شباب الثوار مثل ماء النار، ويعرفون بعضهم البعض جيدا، ولو تعرفنا على عنصر يتبع للنظام القديم كانت مصيبته ستكون مصيبة».
وفي أمدرمان، قال أحد أعضاء مجموعة (ملوك الاشتباكات) لـ«القدس العربي» الذين تتهمهم السلطات بأنهم من يبدأون بالعنف، مفضلا حجب هويته : «قمنا بتنظيم أنفسنا ولدينا توجيهات صارمة بعدم الانجرار للعنف مع الشرطة، كما أن تنسيقيات المقاومة أصدرت توجيهات بأن لا يقام ترس في أي حي في أمدرمان أو الخرطوم، دون معرفة لجنة مقاومة الحي، لأنهم يعرفون بعضهم البعض، لذا لن نسمع عن حوادث نهب أو تفلت».
وتابع: «الاستخبارات وبمعاونة أناس كانوا معنا في الثورة، يريدون شيطنتنا وقاموا باعتقالات مسبقة لأعضائنا بإرشاد كوادر من أحزاب الحكومة، لكن ذلك لن يثنينا عن المشاركة في تأمين التظاهرات وكشف المندسين والمتفلتين وحماية المتظاهرين من الاعتقال أو الضرب المبرح».
في الموازاة، أعلنت قناة «الجزيرة» القطرية، الأربعاء، توقيف أحد صحافييها أثناء تغطيته الاحتجاجات. وذكرت القناة نقلا عن مراسلها، أن مهندس البث في القناة علي أبو شلة «جرى توقيفه أثناء تغطيته احتجاجات في وسط الخرطوم».
وأوضح المراسل أن أبو شلة كان منهمكا في إعداد جهاز البث أثناء محاولة محتجين الوصول إلى القصر الرئاسي بالخرطوم؛ وفي تلك الأثناء تم توقيفه ونقله إلى جهة مجهولة.
ولم يحدد مراسل «الجزيرة» نوعية القوة الأمنية التي أوقفت أبو شلة.
لجنة إزالة التمكين أعلنت اعتقال 79 عنصرا من نظام البشير خططوا لأعمال عنف
ورصدت «القدس العربي» وجودا كثيفا وفوق العادة لقيادة الشرطة، حيث شوهد وزير الداخلية الفريق عز الدين الشيخ وهو يتجول وسط نقاط الارتكازات لقوات الشرطة في وسط الخرطوم، التي بدت خالية في الساعات الأولى من صباح أمس.
وقال الناطق باسم قوات الشرطة، اللواء عمر عبد الماجد، في تصريحات صحافية نقلتها مواقع إلكترونية» الحديث عن إضراب الشرطة عار عن الصحة لأننا في استعداد تام، وهذا الصباح (أمس) قمنا بالتأكد من وجود كل القوة ووجدناها مكتملة والآن هي تؤدي واجبها وعملها المعتاد».
«سيناريو جديد»
في السياق، أكد ياسر عرمان، القيادي في «الحركة الشعبية لتحرير السودان» في حديث لصحيفة «اليوم التالي» أن «الحديث عن إقدام حزبي البعث والشيوعي على تكوين كتائب تستخدم العنف ضد المتظاهرين غير مبرر، لأن الحزبين المذكورين ساهما في التغيير بقوة، وشاركا في الثورة بفعالية، ولم يعرف عنهما ميل إلى العنف».
وذكر أن «تلك الادعاءات تستهدف تمرير مخططات حزب المؤتمر الوطني المحلول، الرامية إلى تخريب الفترة الانتقالية، بما عُرف عنه من عنف وإجرام وميل إلى القتل وإزهاق الأرواح».
وبيّن أن «تلك المخططات تهدف إلى تمرير سيناريو جديد يراد به الانقضاض على الثورة وتدمير البلاد، وأنها لن تنجح في مسعاها».
إلى ذلك، أعلنت لجنة إزالة التمكين في مؤتمر صحافي، نهار أمس الأربعاء وبالتزامن مع التظاهرات، أن قوة شرطية اعتقلت 79 شخصا من كوادر نظام الرئيس المعزول عمر البشير. وأعلنت عن إحباط مخطط تخريبي كانت ترتب له خلايا نشطة، لكن واحدة منها تمكنت من الإفلات في اللحظات الأخيرة. وقال عضو لجنة إزالة التمكين، وجدي صالح، في موجز صحافي، إن النيابة العامة «أوقفت 79 شخصا، فجر الأربعاء، في عدد من مناطق الخرطوم كانوا يخططون لأعمال تخريبية». وأشار إلى أن الموقوفين وصلوا الخرطوم من ولايات «النيل الأبيض والجزيرة وكسلا والبحر الأحمر، وجرى تسكينهم في فنادق ونزل بوسط الخرطوم وشقق بعدد من الأحياء السكنية».
ولفت إلى أن «الشرطة التي نفذت عملية الضبط والرصد والملاحقة وجدت بحوزة الموقوفين مبالغ مالية من فئة الـ 200 جنيه فقط وبرقم متسلسل واحد» معتبرا ذلك جريمة بحق الاقتصاد، وأنه سيتم التحقيق فيها.
وبين أن «المخطط التخريبي يضم قيادات شبابية ونسائية وقادة في النظام السابق، إضافة إلى موظفين في مؤسسات الدولة» معلنا إجهاض المخطط.
وأفاد أن جوانب المخطط تتلخص في «إحداث فوضى بالسلاح الأبيض في عدد من مناطق الخرطوم، كما جرى التنسيق مع عصابات نيقرز في أم درمان للغرض ذاته «.
وعرض على وسائل التواصل الاجتماعي صورا لعدد من الموقوفين والمضبوطات التي شملت بجانب الهواتف النقالة أوراقا نقدية وأسلحة بيضاء.
وكشف عن مجموعة مسلحة تراقبها قوى الشرطة التي كانت بصدد إيقافها لكنها استبدلت مقرها في اللحظة الأخيرة، مؤكدا أن الجهات ذات الصلة تعمل على ملاحقتها.
وكان تحالف «الحوار والوفاق الشامل» الذي يضم تنظيمات إسلامية، وبعضها كان مشاركا في الحكم إلى جانب البشير لحظة سقوط نظام حكمه، دعا جميع مكونات الشعب السوداني للخروج والمشاركة في مليونية 30 يونيو السلمية لإنهاء ما أسموها بـ«الحلقة المظلمة» التي ظلت تنفذ الأجندة الخارجية للدول الطامعة في خيرات البلاد.
«مشروع وطني»
وحدد التحالف في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، خيارين للخروج من الأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تشهدها البلاد، والمتمثلين في خيار التوافق أو الانهيار، وشددوا على أهمية الحوار الذي يقود لمشروع وطني شامل متوافق عليه.
وانتقد رئيس التحالف، التجاني سيسي، التهديدات باستخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين، وقال: «ليس من حق لجنة إزالة التمكين أن تمنع المواطنين من التظاهر السلمي حسب الوثيقة الدستورية».
ودعا إلى «الضرورة القصوى للتوافق حول مشروع وطني يخرج البلاد إلى بر الأمان».
وأشار إلى أن «هذه هي الفرصة الأخيرة للحكومة الانتقالية للفرار نحو التوافق حول مشروع جامع. نحن شركاء في الشأن الوطني، لا يمكن أن تأتي مجموعة لتقصي مجموعة أخرى».