الخرطوم-“القدس العربي”:جهود كبيرة يشهدها السودان هذه الأيام قبيل بدء المفاوضات بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة في الرابع عشر من هذا الشهر، حسب ما تم الإعلان عنه الشهر الماضي في عاصمة جنوب السودان.
واختلفت الحركات المسلحة في استعداداتها للمفاوضات، حيث عقدت الجبهة الثورية اجتماعات مكثفة بين أعضائها من جهة ومع عضوي مجلس السيادة محمد الفكي سليمان ومحمدة حسن التعايشي، بينما قررت حركة تحرير السودان (جناح مناوي) إرسال وفد للخرطوم تمهيدا للدخول في المفاوضات.
وقالت حركة مناوي في بيان لها إن هذه الخطوة تؤكد “رغبة الحركة في الالتحام مع قواعدها وجماهيرها بالداخل” مشيرة إلى أن الوفد “سيمد جسور التواصل مع كافة القوى السياسية السودانية وقوى الثورة، والمجلس السيادي والحكومة الانتقالية”.
وأفادت المصادر أن الاجتماع الذي تم بين رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك وقائد جيش تحرير السودان عبد الواحد نور الموجود في فرنسا، أحدث اختراقا كبيرا داخل الحركة، رغم أن اللقاء تم بصفة شخصية، إذ يعتبر أول لقاء بين مسؤول سوداني وعبد الواحد الذي كان يرفض مبدأ الجلوس مع المسؤولين السودانيين تحت أي صفة.
وعقدت الجبهة الثورية أول اجتماع لها عقب إعادة هيكلتها برئاسة د. الهادي يحي، في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وبحثت الترتيب لبدء التفاوض مع الحكومة.
وأقامت الجبهة ورشة تحضيرية ناقشت من خلالها التواصل مع الحكومة بشأن المفاوضات التي ستنطلق منتصف الشهر الجاري، وتم تشكيل أربع لجان على رأسها لجنة ترتيبات ما قبل التفاوض مع الحكومة بجانب لجنة إطلاق الأسرى والمحكومين سياسياً ولجنة مراجعة قوائم المحظورين من السفر بالإضافة إلى لجنة إعادة الممتلكات التي تمت مصادرتها من قبل الحكومة السابقة.
وشمل اتفاق المبادئ الذي أبرم في جوبا الشهر الماضي (الجبهة الثورية) المكونة من “حركة جيش تحرير السودان” برئاسة مني أركو مناوي و”حركة العدل والمساواة” بقيادة جبريل إبراهيم و”الحركة الشعبية – جناح مالك عقار” و “الحركة الشعبية لتحرير السودان” بقيادة عبد العزيز الحلو.
وجاء في الوثيقة الموقعة مع الجبهة الثورية ضرورة إشراك الاتحاد الافريقي ودول تشاد ومصر والسعودية والإمارات وقطر والكويت ومنظمة ايقاد ودول الترويكا والاتحاد الأوروبي كأطراف مهمة لابد منها في مراحل صناعة السلام وبنائه.
وذكرت الحكومة السودانية أن أولوياتها خلال المرحلة المقبلة إيقاف الحرب، وبناء السلام العادل والشامل، ومعالجة الأزمة الاقتصادية، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وضمان استقلال القضاء، وتحقيق العدالة الانتقالية.
واصطدمت جهود رئيس الوزراء عبد الله حمدوك أثناء حضوره جلسات هيئة الأمم المتحدة الشهر الماضي بضرورة الاتفاق مع الحركات المسلحة وتحقيق السلام الشامل قبل الحديث عن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
ويرى المحلل السياسي، الجميل الفاضل، أن الربط بين تحقيق السلام ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب منطقي في ظل قرارات مجلس الأمن ضد حكومة البشير والتي تجاوزت السبعين قرارا، ويضيف أن تلك القرارات صدرت نتيجة تجاوزات واضحة متعلقة بأوضاع الحرب في دارفور وغيرها من مناطق النزاعات في السودان.
ويقول لـ”القدس العربي” إن زيارة حمدوك لأمريكا وحضوره جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة ركزت على ضرورة رفع اسم السودان من القائمة السوداء كشرط أساسي لتعافي الاقتصاد السوداني المنهار ويضيف: “اقتنع الجهاز التنفيذي في السودان باستحالة إحراز أي تقدم في عمل الحكومة قبل عقد اتفاق نهائي مع حركات الكفاح المسلح وهو الاسم الذي أطلقه حمدوك على قادة الحركات”.
ويستبعد الجميل حدوث اتفاق بسهولة ويقول إن اشتراط المجتمع الدولي على الخرطوم ضرورة إنهاء أجواء النزاع مقابل التطبيع الكامل قد يغري الحركات المسلحة برفع سقف المطالب من أجل كسب مواقف سياسية أكبر في المستقبل.
وشهدت الأيام الماضية تحركات دبلوماسية غربية وزيارات بخصوص موضوع السلام، حيث التقى رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان بالمبعوث النرويجي الخاص للسودان وجنوب السودان الدكتور اندري ستيانسن الذي أوضح في تصريحات صحافية “أهمية إقرار سلام شامل في السودان” معلنا عن دعم بلاده الحوار الذي تقوده الحكومة مع الحركات المسلحة لتحقيق السلام في كل أنحاء السودان.
والتقى محمد حمدان دقلو عضو مجلس السيادة بوكيل الأمم المتحدة لعملية السلام جون بيير لاكرا ومفوض السلم والأمن بالاتحاد الافريقي إسماعيل شرقي، وبحث اللقاء الكيفية التي يمكن أن تدعم بها الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي جهود الحكومة في استتباب الأمن والاستقرار والتوصل إلى اتفاق سلام شامل مع الحركات المسلحة.
وأوضح وكيل الأمم المتحدة للسلام في تصريحات صحافية أن اللقاء أكد الدعم القوي للأمم المتحدة والاتحاد الافريقي للجهود الحالية التي تقوم بها الحكومة السودانية لتحقيق السلام، مضيفا أن رسالتهم واضحة في هذا الصدد وهي أن الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي جاهزان لتقديم الدعم للسودان في جهود بناء السلام وحشد الشركاء الدوليين الآخرين لمساعدته في هذه الجهود.
وأعلن مفوض السلم والأمن الافريقي استعداد الاتحاد الافريقي التام لمساعدة السودان في تحقيق السلام حتى يتمكن من التوجه إلى التنمية وتحقيق ما يتطلع إليه الشعب.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عبد الله رزق أن تحقيق السلام مهمة حصرية لمجلس الوزراء بعد تكوينه وادائه القسم. ويضيف معلقا على الاتفاق بين حكومة السودان، التي وقع باسمها الفريق أول محمد حمدان حميدتي، نائب رئيس المجلس السيادي، على وثائق اتفاقات سلام في جوبا مع الجبهة الثورية وقطاع الشمال/الحلو، بأنه “اتفاق ملتبس، ما لم يستند إلى تفويض صريح وواضح من مكوني الحكومة: مجلسي السيادة والوزراء”.
وحسب رزق فإنه “يتعين ألا تتعارض الاتفاقات المشار إليها في أي بند من بنودها، صراحة أو ضمنا مع الوثيقتين: السياسية والدستورية. ومع ذلك، ليس ثمة ما يلزم المجلس الوزاري بالمصادقة على الوثائق كما هي، وبدون تعديل”.
ويقول عبد الله رزق إن المجلس العسكري الانتقالي السابق أبرم اتفاقات أو تفاهمات مماثلة، مع الجبهة الثورية، كان من نتائجها الافراج عن بعض الأسرى والسجناء. ويضيف “يبدو أن اتفاقات جوبا، هي امتداد لتلك الجهود التي ظل يقوم بها المجلس العسكري السابق / نصف السيادي الحالي، في سبيل تحقيق السلام في غياب المجلس الوزاري، أو في وجوده، وبدون مشاركته، مما يمكن ان يوصف بأنه دربكة السلام وفوضاه”. ويخلص إلى أن مفاوضات جوبا سارت بالتزامن مع عمل المجلس السيادي لإنشاء مفوضية السلام ويشير إلى أن المفاوضات الرسمية ستبدأ قبل إنشاء هذه المفوضية.
تجدر الإشارة إلى أن الوثيقة الدستورية الموقعة بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي نصّت على أن تكون عملية السلام أولوية خلال الستة أشهر الأولى، وعلى تكوين مفوضية السلام والتي تفيد المصادر أن تكوينها قطع شوطا بعيدا، حيث تم الاتفاق على هيكلها وتبقى إعلان رئيسها وطاقمها.