يرفض قادة تحالف الحرية والتغيير توسعة التحالف ليشمل قوى أخرى يرونها غير مؤتمنة على عملية الانتقال ويتهمون العسكريين بانهم يستخدمون الأزمات من أجل السيطرة على المشهد.
الخرطوم-»القدس العربي»: ارتفعت حدة التوتر بين شركاء الحكم من المدنيين والعسكريين في السودان على خلفية فشل محاولة انقلابية يوم الثلاثاء الماضي، فيما يصل الخرطوم هذا الأسبوع مبعوث الولايات المتحدة للقرن الأفريقي جيفري فليتمان لدعم الانتقال في السودان بعدما أجرى مساعد وزير الخارجية الأمريكي مكالمة مع رئيس الوزراء عبدالله حمدوك أكد فيها دعمهم لقيادة المدنيبن للانتقال في السودان .
فاق السودانيون يوم الثلاثاء على الأخبار العاجلة من الإذاعات والفضائيات تفيد بوقوع محاولة انقلابية وان الجيش يعمل على احتوائها ونهار نفس اليوم ظهر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان في سلاح المدرعات الذي شهد وقائع الانقلاب الذي قالت مصادر عسكرية لـ»القدس العربي» يومها انه أقرب لـ»التمرد أو الاحتجاج» ليظهر رئيس الوزراء ويدعو لمحاكمة شفافة للانقلابيين ولمراجعة الشراكة على أسس جديدة وإعادة هيكلة القوات المسلحة وولاية وزارة المالية على المال العام بما في ذلك شركات القوات النظامية الاقتصادية ،ليأتي الرد في يوم الأربعاء من البرهان الذي شن هجوما كاسحا على قوى الحرية والتغيير متمها إياها بالفشل والتشظي والسعي خلف الكراسي الوزارية والمناصب، وقابله خطاب حاد من وزير رئاسة مجلس الوزراء خالد عمر يوسف متهما خطاب البرهان بانه الأخطر من الانقلاب نفسه وانهم جاهزون للمواجهة حال تراجع العسكريون عن الشراكة وان الفترة الانتقالية ستنتهي بانتخابات وإعادة هيكلة الجيش .
وقال رئيس مجلس السيادة في حوار تلفزيوني الجمعة بدا فيه هادئا بعكس خطابه أمام جنوده في معسكر المرخيات الذي فجر الأزمة، انهم ملتزمون بنهج الشراكة القائم ولكن يريدون توسعتها لتضم قوى آمنت بالتغيير وساندته وقال «نحن نتحدث عن شراكة تضم ثلاثة أطراف وبها شركاء إقليميون ودوليون بدأت في الفترة الانتقالية من مدنيين وعسكريين وأضيف شريك آخر من قوى سلام جوبا ونريد أن نكمل سويا».
وتابع «لن يتغير نهج الشراكة ونحن نطالب بان تدمج أو تعاد تكوين قوى الثورة كما كانت في بداية الانتقال وتضاف لها القوى المؤمنة بالتغيير وهناك قوى كثيرة خارج الحرية والتغيير وعندها إيمان بأهداف المرحلة الانتقالية ومؤمنة بالتغيير يمكن أن يفسح لها المجال وتستشار في ما نحن فيه من أعمال جليلة تشكل مستقبل السودان».
وبشأن الانتخابات التي نفى أي اتجاه لإقامتها قبل وقت مبكر من موعدها قال البرهان «مفوضية الانتخابات هي واحدة من المفوضيات التي تتبع لمجلس السيادة أو التي يشرف عليها مجلس السيادة ونحن نرى أن الانتخابات لم يبق عليها سوى عامين من عمر الفترة الانتقالية ويحتاج هذا إلى عمل وجهد كبير ومساندة أصدقاء السودان والأسرة الدولية وتشاورنا ووجدنا أن هذا يحتاج عاما ونصف من تعداد سكاني وتوزيع دوائر ومطالب يعلمها الجميع لذلك كان لزاما علينا أن ننبه إلى ضرورة بداية هذه الإجراءات التي نؤمن بأنها تفضي إلى انتقال إذا قامت الانتخابات في نهاية الفترة الانتقالية حرة ونزيهة».
وأضاف بشأن الدستور «نؤمن بأن الدستور يحلحل كثيرا من القضايا بوضعها على الطاولة وتشخص فيه قضايا السودان المزمنة مثل الهوية والمواطنة والحقوق المتساوية للمواطنين والملكية والأراضي والحواكير وكثير من الأمور ولو توافقنا على دستور حتما سينظمها ويضع السودانيون بصمتهم وما يتمنوا أن يروا عليه السودان، ونحن فترة انتقالية توافقية ولا أظن تتكرر مرة أخرى وما أرجوه هو أن يتوافق كل السودانيين على دستور يلبي كل طموحاتهم حتى إذا أتت حكومة منتخبة لا تستطيع أن تجير الدستور لأي جهة».
وعن تفاصيل المحاولة الانقلابية أكد البرهان انهم كانت لديهم معلومات استخبارية عن الانقلاب ولكنهم انتظروا حتى يقع التحرك ليقوموا بالقبض عليهم حتى تسهل محاكمتهم. وقال «حدث تغيير في قانون القوات المسلحة ما أخر كثيرا من المحاكمات وهذا التعديل ليس مماطلة ولكن مزيدا من توفير الفرصة للشخص ليدافع عن نفسه، وفي السابق كان الذي يرتكب جرما واضحا لا يحتاج لإجراءات كثيرة، وكان يقدم مباشرة للمحاكمة لكن الآن كل شخص له الحق بجلب محاميه ويدافع عن نفسه وما لم يقبض بالجرم المشهود ستكون هناك صعوبة لتقام عليه دعاوى قضائية ونحن في هذه المحاولة انتظرنا حتى يتلبس ويرتكب الأفراد الجرم بالثابتة حتى يسهل تقديمهم للمحاكمة».
وفي مقابلة تلفزيونية بثت أمس على تلفزيون السودان قال عضو مجلس السيادة الانتقالي محمد الفكي سليمان، إن ائتلاف قوى الحرية والتغيير الحاكم لم يسمح لرئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بإقحام قوى في الائتلاف للتحكم في المعادلة السياسية.
وفنّد في المقابلة خطاب المرخيات الذي ارتجله البرهان الأربعاء الماضي أمام قواته وشن فيه هجوما على المكون المدني.
واستهجن الفكي وهو المتحدث باسم المجلس السيادي، ردة فعل البرهان على تغريدته التي دعا فيها السودانيين لحماية الانتقال صبيحة انقلاب فاشل الثلاثاء الماضي، قائلا «رد البرهان أربك كافة السودانيين».
واعتبر حديث البرهان «أخطر من الانقلاب الذي حدث» قائلا إن الهدف من الحديث عن انقسام القوى السياسية هو إنتاج قوى سياسية يتحكم فيها المكون العسكري.
وتابع: «نقول تحديدا لا للقوى السياسية التي يريد البرهان إدخالها الحرية والتغيير. الحرية والتغيير أكبر تحالف سياسي يشهده السودان وهي الآن في أفضل حالاتها وتوسعت لتشمل الجبهة الثورية شريك السلام».
وأكد المتحدث باسم مجلس السيادة أن هناك محاولة لتغيير المعادلة بحيث تتسق أو تمثل الطرف الآخر وهذا هو الانقلاب الآخر أو الانقلاب الأبيض ـ بحسب تعبيره.
وأشار إلى أن «البرهان عندما يقول هناك مفاوضين اختفوا نقول له أيضا هناك عسكريين اختفوا من المشهد» وأوضح أن التكتم على العمليات الانقلابية السابقة غير مفهوم.
ورفض حديث البرهان المتعلق بوصاية الجيش على البلاد، وقال «لا. أنت لست وصيا على البلاد» وأضاف أن رئيس مجلس السيادة لا يختلف عن بقية أعضاء المجلس في الصلاحيات.
وشدد أن انتقادهم للبرهان وأعضاء مجلس السيادة من المكون العسكري بحكم مناصبهم السياسية لا يعني انتقاد المؤسسة العسكرية التي هي مستقلة وبعيدة عن النقد الذي يوجه للسياسيين، وحيا القوات المسلحة التي أعادت كرامة وأراضي السودانيين.
واعترف الفكي بأن ثمة إغلاقا شاملا للعملية السياسية وأن العلاقة بين المكونين المدني والعسكري ليست بخير لجهة أن اجتماعات مجلس السيادة خلال شهر لم تستطع أن تصل إلى توافق على رئيس القضاء والكثير من الملفات ونصح بأهمية تجنب المزايدات لأن طريقها محفوف بالمخاطر.
وبشأن انتقال رئاسة المجلس السيادي للمدنيين قال إن أحد أعضاء المجلس طلب فتوى من وزارة العدل لتحديد توقيت تولي المدنيين لرئاسة المجلس السيادي، وزاد «نحن نتحدث عن تسليم السلطة المدنيين للسلطة في نوفمبر المقبل».
وعاب الفكي على البرهان حديثه في خطاب المرخيات عن الفشل الاقتصادي لأنه يعني فشل كل الحكومة ودافع عن برامج إصلاح الاقتصاد الذي بدأت تظهر ثمارها، من خلال انخفاض التضخم بنسبة 35 في المئة.
وقال إن انخفاض التضخم سيتوالى لأن الحكومة لأول مرة منذ عشر سنوات لديها رصيد الآن من النقد الأجنبي وبدأت الأسعار في الثبات ويتوقع انخفاضها خلال شهر.
وأكد أن الرواتب ستزيد بعد كانون الأول/ديسمبر المقبل ولكن هذه المرة سيرافقها استقرار في السوق وانخفاض التضخم وثبات الميزان التجاري، وذكر أن هناك بشرى كبيرة لمستقبل الاقتصاد والوضع المعيشي ما يتطلب حفز الناس للعودة إلى الإنتاج.
وطالب الجهاز التنفيذي بأن يهتم أكثر بشريحة المغتربين الذين ساهموا في الفترة الأخيرة بعودة الثقة إلى التعامل المصرفي ما انعكس على استقرار سعر صرف الدولار وضرب السوق الموازي.
ومن المتوقع أن يصل الخرطوم هذا الأسبوع مبعوث الولايات المتحدة للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان بحسب ما قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان الجمعة: «جيفري فيلتمان المبعوث الأمريكي الخاص سيتوجه إلى السودان الأسبوع القادم للتأكيد على الدعم الأمريكي لهذا البلد بعد محاولة الانقلاب».
وقال مجلس الأمن القومي في بيان إن سوليفان شدد في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك على أن «أي محاولة من جانب عسكريين لتقويض روح الإعلان الدستوري للسودان والمعايير المتفق عليها ستكون لها عواقب خطيرة على العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والسودان وعلى المساعدات المزمعة».
ونوه إلى أن وزارة المالية تدفع رواتب جميع المؤسسات العسكرية بما فيها قوات الدعم السريع، وزاد «ويجب أن تدفعها لأنهم موظفون في الدولة».
وبحسب بيان البيت الأبيض الذي قال «تحدث مستشار الأمن القومي سوليفان عبر الهاتف في 24 الجاري مع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك. وأعرب سوليفان عن التزام إدارة بايدن بدعم الانتقال الذي يقوده المدنيون إلى الديمقراطية في السودان ومعارضة أي محاولات لعرقلة أو تعطيل إرادة الشعب السوداني». وأكد سوليفان «أن أي محاولة من قبل الجهات العسكرية لتقويض الروح والمعايير المتفق عليها للإعلان الدستوري السوداني ستكون لها عواقب وخيمة على العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والسودان والمساعدة المخطط لها». وأضاف البيان «ناقش سوليفان ورئيس الوزراء حمدوك أهمية أن تحرز الحكومة الانتقالية تقدمًا مستمرًا لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد، وإصلاح قطاع الأمن تحت قيادة مدنية، وتعزيز عملية السلام في السودان، وضمان العدالة والمساءلة عن الانتهاكات السابقة».
وبالمقابل قال إعلام مجلس السيادة الانتقالي أن رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان خاطب اجتماعا لقادة دول العالم لمجابهة تحديات فيروس كورونا الجمعة عبر الوسائط الإلكترونية بدعوة رسمية من الرئيس جو بايدن في أول تواصل رسمي بينهما منذ تسلم بايدن مقاليد الحكم في الولايات المتحدة من سلفه دونالد ترامب الذي هاتف برهان في وقت سابق أثناء ضغطه لتوقيع التطبيع مع إسرائيل «اتفاقات ابراهام» وبعد رفع العقوبات عن السودان أيضا.
ومن الواضح من خطابات الطرفين وتصريحاتهم أن نقاط الخلاف الذي تفجر بشكل مفاجئ وعنيف تتمثل في رغبة العسكريين في توسيع تحالف الحرية والتغيير ليضم قوى جديدة آمنت بالتغيير ولكنها أبعدت بدعوى أن المرحلة الأخيرة من عمر الفترة الانتقالية والتي ستشهد التحضير للانتخابات والدستور، تحتاج إلى اجماع أكبر من القوى السياسية، كما يريدون الاستمرار في رئاسة مجلس السيادة الحالي لوقت غير معلوم والاستفادة من الاستقرار المتوقع بفعل الدعم الخارجي الذي يرون انهم دفعوا فاتورتها بقراراتهم التي ساعدت لرفع اسم السودان من لائحة الإرهاب وأعفاء ديونه وانهم لا يريدون أن يخرجوا من القيادة في أيام الاستقرار بعد ما تحملوا تبعات سنوات التحضير القاسية بجانب قيادة العمل العسكري والأمني وكل ما يتعلق بهما بدعوى أن الاضطرابات الواقعة في دول الجوار مثل تشاد وجنوب السودان وليبيا وأفريقيا الوسطى والحرب مع اثيوبيا تهدد استقرار السودان ووجوده، مع إحكام سيطرتهم على المشهد القائم منذ توقيع الوثيقة الدستورية ومعرفة ما ستسفر عنه التحقيقات فيما يخص فض الاعتصام .
فيما يريد المدنيون رئاسة مجلس السيادة وفق ما نصت الوثيقة الدستورية بأن تؤول لهم السلطة في تشرين الثاني/نوفمبر لمدة 19 شهرا حتى قيام الانتخابات في تشرين الأول/أكتوبر العام 2023 باعتبار أنه استحقاق دستوري صبروا على أن يكونوا اليد السفلى طوال المرحلة الأولى ما أحرجهم كثيرا أمام جماهيرهم، وان يقودوا هم المتبقي من إكمال عملية السلام مع جني ثمار التحسن الاقتصادي المتوقع بعد عامي التحضير الذي شهد رفع العقوبات وأعفاء الديون الذي لعب فيه حمدوك دورا مثل ما لعب فيه البرهان دورا باتخاذ قرارات التطبيع والموافقة على العلمانية وتوقيع اتفاق السلام، ويرفض قادة تحالف الحرية والتغيير الموجودين والممثلين في مجلس الوزراء توسعة التحالف ليشمل قوى أخرى يرونها ستكون غير منسجمة معهم وغير مؤتمنة على عملية الانتقال نفسها ويتهمون العسكريين بانهم يستخدمون الأزمات في الشرق والغرب والخرطوم من أجل تحقيق ما يريدونه من سيطرة على المشهد.
ومن نافلة القول أن المجتمع الدولي والإقليمي يلعب دورا مهما في تحجيم هذا النزاع فهو من عقد للشركاء من مدنيين وعسكريين قرانهم بعد فض الاعتصام ويمكن أن يساعد في ترجيح كفة الذي يحقق له مصالحة.
لكن القول الفصل في حسم هذا النزاع يتمثل في قرب أي من الشركاء من الجماهير وقدرته على استمالتها للوقوف معه في خطه، وهو العامل الفيصل .
أحزاب الحرية والتغيير أو لنقل المتبقي منها داخل مجلس الوزراء، أن استطاعت إعادة الجماهير إلى الشارع للضغط على العسكريين لتسليم السلطة لها ستكون رابحة بالطبع، لكن هذا يعتمد على طبيعة العلاقة بينها والشارع العام وهي شابها ما شابها من تجريف خلال العامين الماضيين بفعل سوء الأداء والتأخر في مطالب الثورة من محاكمات ونتائج تحقيقات وواقع اقتصادي مأزوم، على الرغم من أن كثيرا من النخبة الثورية «أحزاب اليسار من الشيوعيبن وقوى شبابية أفرزتها الثورة» لا يرغب في عودة الشمولية بأي حال من الأحوال ولديه مطالب تسليم البشير للجنائية ومحاكمة قتلة الشهداء وقوانين التحول الخاصة بالنقابات والنيابة وإصلاح المؤسسة العسكرية، ويتحتفظ على أداء النخبة السياسية الموجودة داخل الحكومة الحالية ويطالبها دفع الثمن الثوري مقدما.
فيما يلعب «حزب الكنبة» وهم الجمهور غير المسيس عامل الحسم الرئيس وهو الذي حال انضمامه لقوى التغيير الموجودة في الحكومة سيحسم النزاع بالضربة القاضية، فلأي الفريقين سينحاز يا ترى؟