الخرطوم ـ «القدس العربي»: استجابت قطاعات واسعة للإضراب العام في السودان، والذي دعت إليه قوى «الحرية والتغيير» أمس الثلاثاء، ويستمر اليوم الأربعاء، إذ شاركت فيه مئات المؤسسات الحكومية والخاصة، والتي تشمل قطاعات حيوية، إضافة لأصحاب الأعمال الحرة.
ووفقا لشهود عيان فقد «تعطلت حركة الطيران في مطار الخرطوم نسبيا، بسبب إضراب الطيارين والعمال ومشاركة العديد من شركات الطيران في الإضراب».
وقاد الطيارون، صباح أمس، تظاهرة برفقة بعض المسافرين ومودعيهم وصلت إلى ميدان الاعتصام المجاور للمطار، مرددين هتافات مؤيدة لثورة الشعب السوداني، ومطالبين بالحكم المدني.
وأصدرت اللجنة التمهيدية لتجمع مهنيي الهيئة العامة للأرصاد الجوية المشاركة في الإضراب، بيانا أخلت عبره مسؤوليتها عن المعلومات الجوية التي يرسلها قسم الملاحة الجوية في المطاربغيابها، ووصفتها بـ«غير المضبوطة».
وشارك العديد من المصارف الحكومية والخاصة في الإضراب وفي مقدمها بنك السودان (البنك المركزي) بفروعه في العاصمة والولايات إضافة إلى بنوك: الخرطوم وفيصل الإسلامي والفرنسي والمزارع وتنمية الصادرات. ونفذ الموظفون وقفات احتجاجية نددوا فيها بالمجلس العسكري و طالبوا فيها بتسليم السلطة للمدنيين.
وشهدت كذلك، منطقة السوق العربي في قلب الخرطوم، هدوءاً في الحركة وأغلقت العديد من المحال التجارية أبوابها، من ضمنها جزء كبير من برج الذهب والصيدليات إضافة للمحال التجارية في محطات المواصلات الرئيسية، وشمل الإضراب مرافق مهمة في العديد من أحياء العاصمة.
ووفقاً لأسامة الحلاوي، وهو موظف في مستشفى المعلم، فإن العاملين في المستشفى، أطباء واختصاصي المختبر والأشعة بأقسامها المختلفة والتمريض بأقسامه المختلفة وموظفين وإداريين ومحاسبين وعمالاً، نفذوا إضراباً لم يستثن سوى الحالات الحرجة.
وقال الحلاوي لـ«القدس العربي» إن «الإضراب جاء تنفيذاً لبرنامج قوى الحرية والتغيير، من أجل الضغط على المجلس العسكري لتكوين الحكومة مدنية».
وأضاف:»سيّر العاملون في مستشفى المعلم موكبا إلى مقر الاعتصام وسط هتافات من أجل الوطن والحرية والقليلون فقط هم من تخلفوا عن هذا النداء».
ووفقا لمسافرين وبعض العاملين في الميناء البري (أكبر محطة للسفر البري لجميع أنحاء السودان)، فقد تعطلت حركة السفر من وإلى مدن السودان المختلفة.
وقال أحد العاملين في الميناء البري إن «الحافلات الوحيدة التي غادرت الخرطوم كانت متجهة لبورتسودان، وهي تنقل معتمرين، وقد غادرت في الساعات الأولى من فجر الثلاثاء».
وحسب مصادر في مدينة ودمدني، ثاني أهم مدن السودان، فقد غادرت المدينة حافلات تتبع لشركة واحدة متجهة للخرطوم.
ولم يقتصر الإضراب على العاصمة وحدها، فقد نقل شهود عيان، على وسائل التواصل الاجتماعي بالصور والفيديوات المباشرة، مظاهر عديدة للإضراب في مدن السودان المختلفة مثل الأبيض في غربي البلاد، وسنار في الوسط والقضارف، في الشرق.
مراكز مغلقة
ونشر ناشطون صوراً لمراكز تصحيح امتحانات الشهادة السودانية في الخرطوم وهي مغلقة، معلنين أن المعنيين بتصحيح امتحانات الشهادة السودانية نفذوا إضرابهم عن العمل بنسبة 100 في المئة.
وشهدت شوارع الخرطوم تفاعل المواطنين مع هذا الحدث في طقس ملبد بالغيوم على غير العادة، وسط تعليق البعض بأن «الشمس شاركت في الإضراب»، وشهدت الشوارع هتافات تنادي بتسليم السلطة لحكومة مدنية مع تفاعل واضح من سائقي المركبات باستخدام آلة التنبيه بطريقة موسيقية محببة مع التلويح بإشارت النصر.
وفي أول رد فعل من السلطات الأمنية، قال تجمع المهنيين في قطاع الكهرباء في بيان، إن «مجموعة من القوات اعتدت عليهم بنزع الملصقات المعلنة عن الإضراب، وإجبار قسم الحسابات على صرف رواتب العاملين»، وطلب «تسيير موكب يدعو لعدم المشاركة في الإضراب في جميع الشركات كما تم اعتقال مهندسي وفنيي وموظفي مكتب توزيع منطقة الرياض في الخرطوم بواسطة قوات الدعم السريع».
وحسب البيان «فقد تم تهديد الكثير من مديري مكاتب التوزيع الفرعية في حال مواصلة الإضراب وتم رفع السلاح في بعض مكاتب الخرطوم وإجبار الصيارفة على بيع الكهرباء بواسطة قوات الدعم السريع».
وكان المتحدث باسم تجمع المهنيين، محمد ناجي الأصم، قد أكد قبل يومين من بدء الاضراب في منصة في ميدان الاعتصام، أن «توقف العمل لا يشمل مرفقي المياه والكهرباء من حيث تقديم الخدمة»، مشيراً إلى «أن الاضراب في هذين القطاعين يتعلق بخدمات البيع فقط».
وشهد البنك المركزي (فرع الخرطوم) تطورات خطيرة حيث تمت محاصرته من قبل قوة عسكرية ومنع الدخول والخروج بقفل الأبواب وطالبت القوة، بصرف الرواتب فوراً، لكن الموظفين رفضوا ذلك بحجة أنهم مضربون.
وناشد تجمع المهنيين، جماهيره بالتوجه لمقر البنك، وقال في بيان: «توجد قوة عسكرية تفرض حصاراً وحشياً على مباني بنك السودان فرع الخرطوم وشركة الخدمات المصرفية الإلكترونية عند تقاطعي شارعي البلدية وكلية الهندسة جامعة الخرطوم، يتصدى لها الموظفون الشرفاء ببسالة وصمود أسطوري، كذلك تحاول هذة القوة العسكرية إجبار الموظفين لمعاودة العمل وفتح الخزنة المركزية، وأقدمت على تهشيم هواتف لإثنتين من الموظفات لمنع التصوير».
وعلى الصعيد الإعلامي، أصدرت قناة «الشروق» الفضائية (تابعة لنظام البشير) توجيهات بعدم نقل أخبار الاضراب، وشاركت مجموعات كبيرة من الصحافيين في الإضراب. وحسب مصادر صحافية، لأول مرة يشارك مخرجون وإداريون في الصحف في إضراب عن العمل.
شارك فيه موظفوا وعمال البنك المركزي ورجال أطفاء وصحافيين… و حركة الطيران توقفت في مطار الخرطوم
وفي حين استبق المديرون المكلفون في مجلس الوزراء، الاضراب بإصدار بيان يحثون فيه العاملين على «الانضباط في عمليتي الحضور والإنصراف»، أصدر محمد الفضل، أمين عام حكومة ولاية كسلا، قراراً بحصر العاملين المضربين عن العمل، تمهيدا لمحاسبتهم.
و تجدر الإشارة إلى أن هتافات العاملين المضربين تضمنت عبارات حماسية تؤكد عدم تمسكهم بالوظائف في مثل هذه الظروف.
القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، خالد يوسف عمر، قال لـ«القدس العربي» إن «التجارب في السودان أثبتت أن لا كبير على إرادة الشعب»،، مشيراً إلى أن «دعوة قوى الحرية والتغيير للإضراب السياسي، وجدت استجابة واسعة من خلال التعبير السلمي في المطالبة بنقل السلطة للمدنيين».
وأوضح أن «الاضراب حقق نجاحا واسعا بكل المقاييس»، مضيفا أن «ما حصل، رسالة موجهة للمجلس العسكري بأن يعيد ويصحح مواقفه الأخيرة ويعيد السلطة للشعب».
وزاد: «رغم التهديد الذي قامت به ما تعرف بنقابة عمال السودان فقد شاركت قطاعات كبيرة من الشعب السوداني في الإضراب، الأمر الذي يؤكد أن هذه النقابة عبارة عن جسم هلامي وهمي، وهي من صنيعة نظام البشير، وتستمد وجودها من دولة التمكين السابقة ولا وجود لها اليوم».
وأكد «أن الإضراب سيتواصل اليوم الأربعاء بنفس القوة ليؤكد مطالب الشعب السوداني».
وحول تأثير إعلان حزب «الأمة» عن مقاطعته للإضراب، قال: «لم يتأثر الإضراب اطلاقا، نعتبر ماحدث مجرد تباين في وجهات النظر داخل حزب الأمة الذي نعتبره مكوناً أصيلاً في قوى الحرية والتعبير ونتفهم التباين الذي يدور بداخله». وبخصوص جولة التفاوض المقبلة مع المجلس العسكري، أكد أن «التواصل مستمر ولكن لم يتم تحديد موعد جديد للتفاوض ونحن جاهزون في أي وقت وبنودنا واضحة ومعلومة للجميع».
الكف عن التهديد
كذلك، دعا مدني عباس مدني، القيادي في قوى «الحرية والتغيير»، المجلس العسكري لإدراك واستيعاب الطبيعة الثورية للحراك الراهن والكف عن استخدام لغة التهديد.
وقال:»فرص نجاح الإضراب عالية، والتهديد باتخاذ عقوبات من أي نوع تجاه المضربين أو المعتصمين كلها أمور غير مفيدة، المفيد هو علاج الأزمة بالإسراع بنقل السلطة لإدارة مدنية». وشدد على أن «الإضراب ليس سلاحا نوويا أو كيميائيا مجرما دوليا، وإنما هو أحد الوسائل السلمية الديمقراطية المتعارف عليه لعرض المطالب وتأكيد التمسك بها، ومنذ بدأ السودانيون ثورتهم في كانون الأول/ديسمبر الماضي وهم يطالبون بحكم مدني». ووصف تلويح المجلس العسكري بإمكانية إجراء انتخابات مبكرة لتسليم السلطة لمدنيين يمثلون الشعب بأنه «يعادل التلويح بإعلان الحرب على الجماهير والثورة السودانية».
وقال: «الانتخابات ليست ورقة توضع بصندوق الاقتراع. فبعد 30 عاما من النظام الشمولي، يجب أن تكون هناك مسافة زمنية لوضع دستور وقانون انتخابات يضمن حقوق الجميع ويبتعد بالسودان عن محاولة البعض إعادة إنتاج النظام القديم، وإذا أجرينا انتخابات مبكرة فهذا يعني عدم معالجة قضايا عديدة كقضية السلام مع الجماعات المسلحة وأوضاع النازحين».
وشدد على أن الدعوة للإضراب «ليست لقياس قوتنا بالشارع أو محاولة للابتزاز، وإنما جاءت كرد فعل على تلكؤ المجلس في التفاوض، والرد أيضاً على بعض القرارات غير المبررة وغير المفهومة من جانبه كإعادة النقابات التي تم حلها مع نجاح الثورة، نظراً لتبعيتها للنظام السابق، فإن هذا مثّل استفزازا كبيرا».
تراجع عما سبق
وحول النقطة التي تشكل حجر العثرة في المفاوضات مع المجلس العسكري، أوضح:»نحن بقوى الحرية والتغيير، ومن أجل إظهار المرونة، أعلنا قبولنا برئاسة دورية للمجلس السيادي بيننا وبين المجلس العسكري، على أن تكون الغالبية في التمثيل للمدنيين، ولكن على نحو لا يؤثر في عملية اتخاذ القرار، بحيث يتطلب اتخاذ أي قرار موافقة ثلثي أعضاء المجلس السيادي عليه ليكون نافذاً، أما المجلس العسكري فيريد أن يترأس هو هذا المجلس ويريد أيضا أغلبية عسكرية في تمثيله، كما أن المجلس يقدم، للأسف، من حين لآخر، مقترحات لا يُفهم منها سوى أنها محاولة للتراجع عما سبق أن أعلن موافقته عليه خلال جلسات تفاوض سابقة». وعزلت قيادة الجيش السوداني، في الحادي عشر من الشهر الماضي، عمر البشير من الرئاسة، بعد ثلاثين عاما في الحكم، وذلك تحت وطأة احتجاجات شعبية بدأت أواخر العام الماضي، تنديدا بتردي الأوضاع الاقتصادية.
وأخفق المجلس العسكري و«قوى إعلان الحرية والتغيير»، قائدة الحراك الشعبي، الأسبوع الماضي، في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن نسب التمثيل في أجهزة السلطة، خلال المرحلة الانتقالية.
وتتهم قوى التغيير المجلس العسكري بالسعي إلى السيطرة على عضوية ورئاسة مجلس السيادة.
بينما يتهم المجلس قوى التغيير بعدم الرغبة في وجود شركاء حقيقيين لها خلال الفترة الانتقالية.
ويعتصم آلاف السودانيين، منذ الشهر الماضي، أمام مقر قيادة الجيش في العاصمة للخرطوم، للضغط على المجلس العسكري، لتسريع عملية تسليم السلطة إلى المدنيين، في ظل مخاوف من التفاف الجيش على مطالب التغيير، كما حدث في دول أخرى، حسب محتجين.