الخرطوم ـ «القدس العربي»: أكد رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك، أمس الأحد، التزام بلاده بتحقيق العدالة استجابةً للمطالب الشعبية خلال ثورة ديسمبر /كانون الأول 2018.
جاء ذلك لدى لقائه المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، في العاصمة الخرطوم، وفق بيان صادر من إعلام المجلس.
والسبت، وصلت بنسودا للخرطوم في زيارة تستمر لغاية الأربعاء المقبل، حيث أعلنت أن الهدف من زيارتها هو التنسيق مع السلطات السودانية حول عمل المحكمة بالمواضيع ذات الصلة بإقليم دارفور، غربي البلاد.
ووفق الوكالة السودانية الرسمية، فإن وفد المحكمة الجنائية الدولية، سيقدم تنويرا للمسؤولين السودانيين حول التقدم الذي أحرزته في قضايا المواطنين السودانيين التي تنظرها المحكمة.
وقال حمدوك إن السودان ملتزم «بتحقيق العدالة ليس من الالتزامات الدولية فحسب، وإنما أيضا استجابةً للمطالبات الشعبية بإقامة العدالة وتنفيذ شعارات الثورة المجيدة». كما أفاد حمدوك بأن زيارة وفد المحكمة الجنائية للخرطوم «تُعتبر شهادة على التغيير الذي تُحدثه عمليات الإصلاح الشامل في السودان الجديد».
كذلك استقبل نائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو (حميدتي) المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، في الخرطوم، حسب بيان صادر عن المجلس.
استقلال القضاء
وشدد «حميدتي» على استقلالية القضاء السوداني، وعدم تدخل الحكومة في أعماله، معربا عن استعداد الحكومة الانتقالية للتعاون مع المحكمة الدولية.
فيما قالت بنسودا إن الغرض الأساسي من زيارتها هو التنسيق والتعاون مع السلطات السودانية، ومناقشة القضية التي تنظر فيها المحكمة الآن (قضية علي كوشيب).
وأضافت: «وأيضا التعاون بشأن أوامر التوقيف الأخرى التي أصدرتها المحكمة الجنائية فيما يتعلق بإقليم دارفور (غربي السودان)».
وتابعت: «اجتمعنا مع الجهات ذات الصلة، للحصول على الالتزام التام للدفع بهذه القضايا» وفق البيان
وفي 10 يونيو/ حزيران الماضي، أبلغت بنسودا، مجلس الأمن الدولي أن «علي كوشيب» أحد زعماء ميليشيا «الجنجويد» السودانية، بات رهن الاحتجاز بمقر المحكمة في مدينة لاهاي الهولندية.
وطالبت بنسودا في الشهر نفسه، كافة أعضاء المجلس ببذل كل الجهد لتسليم 4 متهمين سودانيين آخرين، بينهم البشير، ليمثلوا أمام المحكمة.
وأصدرت المحكمة في 2007 و2009 و2010 و2012 مذكرات اعتقال بحق كل من البشير، ووزير الدفاع الأسبق عبد الرحيم حسين، ووزير الداخلية الأسبق أحمد محمد هارون، بتهم ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في إقليم دارفور.
ويشهد إقليم دارفور منذ 2003 نزاعا مسلحا بين القوات الحكومية وحركات مسلحة متمردة، أودى بحياة حوالى 300 ألف شخص، وشرد نحو 2.5 مليون آخرين، وفق الأمم المتحدة.
بنسودا وصلت في وقت متأخر من ليل أمس الأول السبت للخرطوم حيت التقت وزير العدل، نصر الدين عبد الباري وعضو مجلس السيادة محمد الحسن التعايشي، وبحثت معهم إمكانية التعاون بين المحكمة الدولية والسلطات السودانية، فيما دعت هيئة محامي دارفور الى ضرورة إعادة البشير لمحاكمته مرة أخرى في السودان حال تم تسليمه للمحكمة الدولية لمواجهة اتهامات حول انتهاكات وجرائم ارتكبت في دارفور خارج نطاق عمل المحكمة الدولية.
وكانت السلطات السودانية شرعت في تحقيقات جدية لأول مرة مع المتهمين بارتكاب جرائم حرب في دارفور، وشملت التحريات الرئيس المعزول عمر البشير ووزير دفاعه الفريق عبد الرحيم حسين ووزير الداخلية السابق أحمد هارون، وهو ما اعتبرته حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور أنه تنصل عن مسؤولية تسليم البشير أمام الجنائية الدولية، فيما التزمت كل الأحزاب السودانية والجماعات المسلحة الصمت حيال زيارة مدعية المحكمة ولم يصدر منها أي بيان او تصريح رغم مرور 24 ساعة على بدء زيارتها للسودان التي ستستمر حتى 21 أكتوبر/تشرين الأول.
وأعلنت وكالة السودان للأنباء ليل أمس الأول السبت، عن وصول وفد من المحكمة الجنائية برئاسة بنسودا، لـ«إجراء مشاورات مع قادة الدولة بشأن طرق التعامل مع مثول الرئيس المعزول عمر البشير وكبار معاونيه أمامها».
حمدوك شدد على الاستجابة للمطالب الشعبية وتنفيذ شعارات الثورة
وقالت ان «المدعية العامة ووفدها سيجرون لقاءات مع كبار المسؤولين في الحكومة السودانية لبحث سُبل التعاون بين الطرفين بخصوص المتهمين الذين أصدرت المحكمة أوامر قبض بحقهم».
وأضافت أن «وفد المحكمة الجنائية الدولية سيقدم تنويراً للسلطات السودانية حول التقدم الذي أحرزته في قضايا المواطنين السودانيين التي تنظرها المحكمة».
وفي أول لقاء لها في الخرطوم التقت المدعية العامة التعايشي في مكتبه بالقصر الجمهوري، المدعية وأعربت في ختام اللقاء «عن سعادتها بزيارتها للسودان والتي وصفتها بـ«التاريخية» مشيرة إلى أن «الغرض من الزيارة التباحث مع السلطات السودانية حول قضايا المحكمة الجنائية الدولية المتعلقة بدارفور» وذلك حسب التصريح الصادر من إعلام مجلس السيادة الذي نقل عن بنسودا قولها إن اللقاء «بحث سبل تعاون السلطات السودانية بشأن قضية المتهم علي عبد الرحمن والتي تنظر فيها المحكمة الآن وذلك للحصول على المزيد من المعلومات والأدلة في أقرب وقت ممكن».
وزير العدل رحب ببنسودا وذلك خلال الاجتماع الذي جمعه بها في مكتبه بمباني الوزارة وضم كلا من وكيلة وزارة العدل سهام عثمان، ومدير إدارة حقوق الإنسان في الوزارة أسامة حميدة، وبعض الخبراء في وزارة العدل والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية والوفد المرافق لها، معربا عن أمله في أن تكلل الزيارة بـ«النجاح» حسب بيان مقتضب من الوزارة.
وفي السياق ذاته، قالت هيئة محامي دارفور إنها بصدد مخاطبة النائب العام لتدعوه لاتخاذ إجراءات تمكن الضحايا من تقييد إجراءات جنائية في مواجهة مرتكبي الانتهاكات بحقهم، إضافة للتحري في الجرائم التي قيّدت فيها بلاغات وحُفظت في استمارات داخل مكاتب النيابة العامة أو مراكز الشرطة.
وأعلنت، في بيان، عزمها على مخاطبة المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية بشأن «القصور والثغرات التي شابت بينة الاتهام، نتيجة للتأخير وطول المدة».
ودعت الهيئة المحكمة الدولية إلى «انتقال الإدعاء الجنائي إلى مسارح الجرائم المرتكبة بدارفور وإعادة رسم وتصوير الجرائم، لاستنباط ظروف ارتكاب الوقائع والأفعال المرتكبة، وعدد الجناة ودور كل جان في مسرح الجريمة المحددة، وكيفية الدخول والخروج من وإلى مسارح الجرائم، وعلاقات الجناة بالمجني عليهم ومكان ارتكاب الجرائم، وسماع شهود العيان».
وطالبت بالكشف عن الدعاوى التي تسلمتها وصحيفة الادعاء عن كل دعوى، وكذلك»أن يكفل الحق للذين لم تشملهم صحيفة الإدعاء في أي دعوى عن وقائع تشكل الجريمة المنظورة أمام المحكمة والمرتكبة ضدهم، لتقديم دعاويهم للمحكمة والانضمام للادعاء وإعادة الملف من المحكمة للادعاء للتحري بشأنها».
كما دعت الهيئة لإبرام اتفاق مع المحكمة الجنائية الدولية يقضي باسترداد الرئيس المعزول عمر البشير بعد أن يُحاكم من قبلها، وذلك ليمثل أمام المحاكم الوطنية حال وجود بلاغات مقيدة ضده.
وبررت طلبها بوجود جرائم ارتكبت بعد 2005 قالت إنها أكثر فداحة من تلك التي تحقق فيها المحكمة الدولية، إضافة إلى جرائم قيّدت فيها إجراءات دون التحري فيها وأخرى تم فيها منع الضحايا من فتح بلاغات، علاوة على وجود استحالة قانونية وفعلية في تحريك إجراءات جنائية بشأن الجرائم المرتكبة من منسوبي نظام البشير.
إنصاف الضحايا
وأشارت إلى طلبها الخاص بإبرام الاتفاق باستراد البشير يُنصف الضحايا ويحول دون الإفلات عن العقاب، مؤكدة على أن الجرائم المقيدة أمام المحكمة الدولية في مواجهة قادة السودان السابقين لا تتعدى بضع قضايا عن تلك الجرائم المرتكبة في الأعوام 2003 و2004 و2005.
وقالت الهيئة إنها ستخاطب وزارة العدل لإبرام الاتفاق بصفتها ممثلة قانونية لكثير من ضحايا الجرائم المرتكبة بواسطة الرئيس المعزول وأحمد هارون وعلي كوشيب وآخرين.
الناطق باسم حركة «تحرير السودان» محمد الناير، قال في تصريح لـ«القدس العربي» إن «جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقى والجرائم ضد الإنسانية هي جرائم خطيرة ذات طابع دولي، والقوانين السودانية والقضاء السوداني غير مؤهلين للنظر فيها».
وتابع أن «استجواب هؤلاء المتهمين من قبل النيابة العامة رغم صدور مذكرات توقيف بحقهم من المحكمة الجنائية الدولية، نعتبره محاولة للالتفاف على المحكمة الجنائية الدولية ورفضاً صريحاً لتسليمهم».
وأضاف أن «حكومة عبد الله حمدوك ملزمة قانونياً وأخلاقياً بتنفيذ كافة القرارات الدولية التى صدرت بحق نظام البشير، وأولها التعاون التام مع المحكمة الجنائية الدولية وتسليم المطلوبين دون قيد أو شرط».
وأوضح «لا يمكن تصور تحقيق سلام شامل وعادل ومستدام في السودان دون القصاص للضحايا ومحاكمة المجرمين وتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، لإن تسليم كافة المطلوبين للعدالة الدولية هو حق غير قابل للتنازل أو التفاوض أو المساومة فيه».