«السومرية والمعضمية.. لمن الحق؟»، و«كيف ستنتهي المشكلة بين السومرية والمعضمية».. عبارتان سيئتان لافتتاح حلقة تلفزيونية حول ما وقع في حي السومرية الواقع لصق دمشق، والبعيد بضعة كيلومترات فقط عن القصر الرئاسي، ويمكن القول إنه يقع عند قدمي القصر، المطلّ على المدينة من سفوح قاسيون.
سيئتان لأنهما تحرفان جوهر النقاش حول الحدث الذي وقع أخيراً، عندما اقتحمت فصائل مسلحة، بعضها بالسلاح الأبيض، بالسيوف، إلى جانب الأسلحة النارية، وقامت بِدَهْم وتفتيش المنازل، وسرقة مبالغ مالية ومجوهرات (بحسب محام شارك في الحلقة)، واعتقالات لشبان وأطفال، والاعتداء عليهم بالضرب المبرح، ثم الاعتداء على نساء خرجن في مظاهرة للمطالبة بذويهم. سيئتان، برغم إقرارنا بأن من الجيد أن التلفزيون لم ينفِ أساساً ما حدث كما كان إعلام النظام البائد، البائس، يفعل عندما ينفي ما شاهده الجميع بأم عيونهم.
المساءلة الجنائية فردية، وهذه لا يجب أن تكون اعتباطية، أنشِئوا محاكم، وأقيموا محاكمات، ونرجوكم ألا تسامحوا مرتكباً واحداً، ولكن دائماً تحت أقواس المحاكم
فالمشكلة الآن، إن جاز تصغير الانتهاكات إلى كلمة «مشكلة»، ليست بين أهالي المعضمية (ولهم تعود في الأساس ملكية الأراضي التي انبنى عليها حي السومرية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي)، وأهالي حي السومرية، بل في أن فصيلاً عسكرياً يتصرف على هذا النحو عند أقدام القصر، من دون رادع، لا وزارة الداخلية، ولا المحافظة، ولا القصر نفسه، بل، وبحسب شهود، قيل إن هؤلاء تذرعوا بأنهم جاؤوا بأوامر القصر.
أعطى الفصيل العسكري أوامره للأهالي بالإخلاء قبيل الساعة السادسة من نفس يوم البلاغ، ثم بدأ بالمداهمات والاعتقالات والإهانات الطائفية، لجأ الحي إلى المحافظة، فقالوا لهم إن لا قوة لديهم لردع الفصيل وأحالوهم إلى وزارة الداخلية.
كان قد وقع الفأس سلفاً بالرأس، غادر الحي آلاف السكان، وبحسب المحامي علي بركات في برنامج «على الطاولة»، فلم يبق فيه سوى 3-4 آلاف، في حين أن عدد سكانه يصل إلى حوالى 22 ألفاً. غادروا، وقد شاهدنا فيديوهات على وسائل التواصل تصور افتراش بعضهم للأرصفة.
ليس بإمكان أحد أن ينكر أن الحي، إلى جانب أحياء أخرى تحيط بدمشق، يحسب على موالاة النظام السابق، ومنه خرج شبيحة ومقاتلون ومتجبرون، وموظفون لهم الحظوة في هذه المؤسسة أو تلك، ومعروف أن الحي تأسس كمساكن لـ «سرايا الدفاع»، القوات الخاصة برفعت الأسد، قبل أن تتمدد إلى عشوائيات ومحال تجارية وكراجات وغيرها من مستلزمات حي سكني. لكن عمر هذا التمدد يصل إلى ما يقرب الخمسين عاماً، ما يعني أن أجيالاً من المالكين تعاقبت على البيوت، وليسوا بالضرورة من نسل الـ «سرايا»، وعلى ما قال المحامي بركات فإن والده، على سبيل المثال، اشترى البيت من طبيب، كيف سيتصرف القانون هنا مع من اشترى البيت بأوراق رسمية من «مالك» سابق؟ ثم إن الحي (الذي لا يخفي فقره) لا بد أنه يكتظ بنساء ومدنيين وأطفال وأبرياء كسائر أحياء الله، فإن كان الحي من العسكر فقد أعطتهم الإدارة الجديدة الأمان (بحسب ما قال رئيسها بأكثر من خطاب)، وأجريت لهم تسويات، وإن كانوا من المدنيين فليسوا بالضرورة من ذوي مرتكبي مجزرة، فالمساءلة الجنائية فردية، وهذه على أي حال لا يجب أن تكون اعتباطية، أَنْشِئوا محاكم، وأقيموا محاكمات، ونرجوكم ألا تسامحوا مرتكباً واحداً مهما صغر ارتكابه، ولكن دائماً تحت أقواس المحاكم.
التعامل الحكومي الرسمي مع ملف هذا الحي يكرر التعامل مع الانتهاكات في أرجاء البلاد، سيُضَّمُ الاقتحام إلى خانة الأخطاء الفردية، ويسجل باسم «أبو حذيفة»، قائد الفصيل الذي قد يعطى صفة غير المنضبط للتنصل من المسؤولية، وسيترك نهباً لأخذ الثأر بالأيدي، ولم يُخفِ رئيسُ سابق لبلدية المعضمية، أحد ضيوف الحلقة، أن أهالي بلدته هاجموا وأزالوا سلسلة محال حي السومرية غداة سقوط نظام المخلوع الأسد، بذريعة أنها تبيع الحشيش والمخدرات وألوان الرذيلة، من دون التفكير باحتمال براءة محل واحد، ومن دون التفكير باللجوء إلى القضاء لقولٍ فصل! ثم هل تقتضي العدالة التعامل مع محل يبيع الخمور، من بين أشياء أخرى، إزالته تماماً، جدراناً ومقتنيات، عن وجه الأرض!
التعامل الرسمي مع هذا الحي «العلوي»، رغم أنه يضم مكونات أخرى قليلة، على ما جاء في حلقة «الإخبارية» السورية، سيكشف نهج الإدارة الانتقالية مع ملف «الأقليات» السورية برمتها، فإن قيل هنا إنهم استولوا على أرض ليست لهم بقوة «سرايا الدفاع» وأجهزة المخابرات قد يقال لهم في الساحل إنهم استولوا بالقوة ذاتها على كل ما يملكون. إن قرروا ترك الأمور للفصائل «غير المنضبطة»، ولأبو حذيفة، وللأهالي كي يتصرفوا فأي دولة تبنى في هذا المكان، ومتى تنتهي دوائر الاتهام والانتقام والعنف؟
إن قرروا ترك الأمور للفصائل غير المنضبطة ولأبو حذيفة وللأهالي كي يتصرفوا، فأي دولة تُبنى في هذا المكان، ومتى تنتهي دوائر الاتهام والانتقام والعنف؟
من المحزن أن نهج أبو حذيفة هو نهج آخرين ليسوا فصائليين بالضرورة، بل قد يكون من بينهم شاعر، نقلت عنه عبارة تقول: كان على من يقيمون في السومرية والـ 86 وما يشبهها أن يغادروا هذه الأماكن من تلقاء أنفسهم، بعد فرار رئيس العصابة وأركانها»، ويضيف: «هم يعرفون أكثر من غيرهم أن هذه البيوت مسروقة والأرض التي عليها مسروقة، وأن هذه الأحياء/ الثكنات لم تكن شيئاً آخر سوى مأوى للمهربين والمخبرين والمجرمين، بعضهم ممن فظّعوا في قتل الشعب وسجنه وتعذيبه. كان عليهم أن يشكروا الأقدار، إذ لم ينتقم منهم أحد، ولم يلاحقهم أحد حتى الآن».
أما وقد ثبت أنهم اقتُحموا ودوهموا بالسلاح الأبيض والناري واعتقلوا وهجّروا قسراً من دون محكمة ولا من يُحاكِمون، من دون ترتيبات رسمية تهيئ وتحضّر وتعوّض وتؤمن مساكن بديلة، فلعل هناك من يراها قسمة عادلة لا تضير.
انتهاكٌ أن يتولى فصيل عسكري مسلح، من دون اسم غير اسم قائده، حلّ واحدة من أكبر التحديات التي تواجه ملف العدالة الانتقالية.
ومن المحزن أن تغمض الحكومة عينيها عن انتهاك بهذا الحجم، هذا إن لم يكن أبو حذيفة هو بالفعل ممثلها في الأخذ بالثأر. وفي وقت هي أحوج ما تكون إلى ما يرقّع صورتها، ستكون
حقاً كمن يطلق النار على قدميه، وربما على رأسها مباشرة.
* كاتب من أسرة «القدس العربي»