في خضم ما يمكن تسميته الثورة العالمية الراهنة ضدّ العنصرية والتمييز العرقي، وتحت شعار «حياة السود مُهمّة»، وهي الثورة التي انطلقت شرارتها على خلفية مقتل المواطن الأمريكي من أصول افريقية جورج فلويد، مختنقاً تحت ضغط ركبة شرطي أمريكي أبيض، انتشرت في الولايات المتّحدة وخارجها حملة نبش بحثاً عن الجذور التاريخية للسياسات العنصرية. وقد توسعّت حملة النبش لتشمل تحطيم، أو محاولة تحطيم، وإزالة، أو المطالبة بإزالة، بعض التماثيل العائدة لشخصيات تاريخية من ساحات وحدائق بعض المدن. والسبب في ذلك، في رأي مطلقي الحملة، هو النظر إلى تلك الشخصيات التاريخية على أنها أسّست، بالفعل أو القول، لنشوء الرِقّ والعبودية والتمييز العرقي في مراحل مختلفة من التاريخ الإنساني الحديث.
في الولايات المتّحدة أزيلت أو حُطّمت أو حُرّقت عدّة تماثيل للرحالة والمستكشف كريستوفر كولومبس، ولعدد من قادة الكونفدرالية الأمريكية في عدة ولايات ومدن أمريكية. وفي العاصمة البريطانية لندن أُزيل تمثال تاجر العبيد روبرت ميليغان من أمام متحف لندن، واعتدى متظاهرون على تمثال لونستون تشرشل في ساحة البرلمان. وقد نُقل عن حفيدة تشرشل أنها تفضّل نقل تمثال جدّها إلى أحد المتاحف. وفي بريستول أسقط متظاهرون تمثالاً لتاجر عبيد آخر.
امتدت مظاهرات الاحتجاج ضدّ العنصرية إلى السويد فنُظمّت مظاهرات صاخبة في عدد من المدن الكبرى، مثل العاصمة ستوكهولم، ومالمو، ويوتيبوري، شارك فيها الآلاف وتخللتها بعض الاعتداءات على سيارات الشرطة، خاصة في يوتيبوري. بالتزامن مع ذلك، سُلّط الضوء على تمثال العالم السويدي كارل فون لينّي القائم في منتزه هوملي غوردن في العاصمة ستوكهولم، وأصبح فجأة مثار جدل في السويد. فمن هو كارل فون لينّي، ولماذا اعتُبر الأب المؤسّس للنظريات العنصرية الحديثة؟
بحسب «المعجم السويدي للسِيّر الذاتية» العائد للأرشيف الوطني السويدي، فقد وُلد كارل فون لينّي، أو كارل لينيوس قبل أن يضمّه الملك أدولف فريدريك إلى طبقة النبلاء، في الثالث عشر من مايو/أيار عام 1707 في أبرشية ستينبروهولت في محافظة كرونوبيرغ في جنوب غرب سمولاند، وتوفي في العاشر من يناير/كانون الثاني عام 1778 في مدينة أوبسالا شمال ستوكهولم.
كارل فون لينّي هو الابن الأكبر للقِسّ نيلز لينيوس، وهو من عائلة اشتُهر الكثير من رجالها بدراسة الكهنوت. وكان والده شديد الاهتمام بالزهور، فأصبحت الحديقة المحيطة ببيت العائلة بمثابة العالم الخيالي الوحيد، الذي نشأ فيه الابن كارل. وفي وقت لاحق أرسله والداه إلى مدينة فيكخو لدراسة اللاهوت، ليصبح قِسّاً بدوره، لكنه لم يُفلح في العديد من المواد الدراسية الضرورية ليتخرّج قِسّا، فاقترح والده أن يتّجه بدلاً من ذلك إلى دراسة الطب. وبعد فترة قصيرة من الدراسة في جامعة لوند، انتقل كارل إلى جامعة أوبسالا. وفي سنّ الثالثة والعشرين، نشر بحثاً حول تخصيب الزهور، وبدأ في إعطاء دروس للطلاب المهتمين بعالم النبات. ولإشباع شغفه بدراسة الزهور والنباتات، تجوّل لينّي في مناطق عديدة من السويد، وقام برحلة مشهورة إلى إقليم لابلاند في أقصى شـمال السويد، حيث ظاهرة شمس منتصف الليل الشهيرة.
يُعتبر تصنيف لينّي للأجناس البشرية بأنه نقطة الانطلاق لعلم الأحياء العرقي، أو البيولوجيا العرقية. وكان لديه أساس نظري لادعاءاته بأن كلّ لون من ألوان البشرة مرتبط ارتباطاً مباشراً بمزاج معيّن، وهي قاعدة مشتقّة من مبدأ الأمزجة الأربعة القديم.
ويومذاك كانت الرحلة إلى تلك المنطقة بمثابة مغامرة حقيقية، خاصة أن لينّي دوّن خلال رحلته الكثير من الملاحظات والحكايات الشيّقة حول النبات والحيوان، وكذلك سكّان تلك المنطقة، فاشتُهرت حكايات رحلته، حتى أنها لا تزال تُقرأ حتى اليوم. ثم أتبع رحلته تلك برحلات خارجية استمرّت ثلاث سنوات قضى الجزء الأعظم منها في بلد الزهور هولندا.
وفي تلك المرحلة من حياته، أصدر لينّي العديد من الكتب التي أكسبته شهرة عالمية. ثمّ أنهى دراسة الطبّ وعمل كطبيب في العاصمة ستوكهولم فترة من الزمن. وحين بلغ الخامسة والثلاثين من العمر، عُيّن أستاذاً في جامعة أوبسالا فأشرف على تعليم نحو ثلاثمئة طالب، كان معظمهم من دول أجنبية.
كيف مهّدت نظريات لينّي الطريق أمام العنصرية؟
يُعتبر تصنيف لينّي للأجناس البشرية بأنه نقطة الانطلاق لعلم الأحياء العرقي، أو البيولوجيا العرقية. وكان لديه أساس نظري لادعاءاته بأن كلّ لون من ألوان البشرة مرتبط ارتباطاً مباشراً بمزاج معيّن، وهي قاعدة مشتقّة من مبدأ الأمزجة الأربعة القديم. على سبيل المثال، اعتُمد نظامه لتصنيف الكائنات الحية في تصنيف النباتات، ولا يزال علماء الأحياء يستخدمون إلى حدّ ما مفهوم لينّي عند تسمية المجموعات النباتية. قَسّم لينّي البشر إلى أربعة أجناس مختلفة، وأعطى لكلّ جنس خصائص معيّنة وشيفرة لونية، وهو التقسيم الذي أدى إلى ظهور علم البيولوجيا العنصرية وشكّل الأساس الشرعي للاستعمار. وبحسب نظام لينّي للتقسيم العرقي المتراتب هرمياً، فإن «العرق الأبيض» يتميّز بالقوة العضلية والابتكار. و«العرق الأحمر» عنيد وسعيد؛ و«العرق الأصفر» بطيء وجشع، أمّا «العرق الأسود»، أو «الشاذ»، فقد وضعه لينّي في أسفل الهرم، ووصفه بأنه خامل، لا مبالٍ وكسول.
في بداية القرن التاسع عشر، طوّر عالم الأنثروبولوجيا الألماني بلومنباخ (J.F Blumenbach) تصنيف لينّي للأجناس البشرية، ووضع مخططاً يتضمن خمسة أجناس بشرية، مصنّفة بحسب الألوان والسمات الخاصة بكل جنس، ومرتّبة أيضاً ترتيباً هرمياً. وبالتزامن مع انطلاق حملات الغزو والاستعمار الأوروبي لبلدان العالم وأممه، التي صُنّفت في أسفل هرم التمييز العرقي، انتشر مفهوم السيادة الطبيعية للعرق «الأبيض»، لتبرير عنف الاستعمار، ونهبه لخيرات الدول والأمم المستَعمرة، وانتشرت الأفكار العنصرية وأشكال التنميط العنصري في المواد المدرسية وفي المنتجات التجارية الموجهة للأطفال. على هذا الأساس سُلّط الضوء مجدداً على أهم العلماء في تاريخ السويد، كارل فون لينّي، وعلت بعض الأصوات المطالبة بإزالة تمثاله، حيث كتب هنريك أرنستاد مقالة في صحيفة «أفتونبلاديت» قال فيها إن العنصرية الحديثة ولدت مع كارل فون لينّي، وإن على السويد، بغض النظر عن وجود التمثال من عدمه، أن تدرك موقع لينّي في تاريخ العنصرية. وأشار إلى أن نحو ألفي شخص وقعوا عريضة تطالب بإزالة تمثال لينّي، متّهمين العالِم الشهير بأنه كان عنصرياً، لكنهم لم يحددوا بالضبط أي تمثال يريدون إزالته من بين تماثيله العديدة المنتشرة في السويد.
في الواقع، لم يتعرض أي من تلك التماثيل حتى الآن للأذى أو الاعتداء. وقد بدا ردّ الفعل تجاه لينّي مفاجئاً في السويد، يقول كاتب المقال، باعتبار أن العلماء السويديين الذين يحظون بشهرة عالمية قلائل جداً. هل كان لينّي عنصرياً حقاً؟ طرح التلفزيون السويدي هذا السؤال على المتخصص في تاريخ العقائد والأفكار غونّار بروبيرغ، فكان مجمل إجابته: «ربّما».
ومن جهته، اعتبر كاتب افتتاحية صحيفة «سفنسكا داغبلاديت» أن عنصرية لينّي المزعومة لم يكن لها سوى دور ضئيل، لذا ينبغي للمجتمع أن لا يزيل تماثيله. وأضاف متسائلاً: «كم سنخسر إذا بدأنا بالتخلص من كل ما لا نتفق معه؟».
٭ كاتب سوري