محمد شكري ـ سيرج دوبروفسكي ـ فيليب لوجون
قريب من الحقيقة.. بعيد عنها
يقول الروائي الفرنسي أندري جيد: «لا يمكن أن تكون المذكرات صادقة إلا جزئيا، مهما كانت الرغبة كبيرة في التزام الحقيقة، فكل شيء أكثر تعقيدا مما نقوله، وربما كنا نقترب من الحقيقة أكثر في الرواية». وعندما نشر مواطنه الوجودي جان بول سارتر نُتفا من سيرته الذاتية في (الكلمات)، قال: «إنه لا يمكن لي أن أقول الحقيقي إلا في عمل تخييلي». وحول إذا كان ما يكتبه صدقا أم كذبا في سيرته الذاتية، قال محمد شكري: «هناك من يقول: هل هذا صادق أم كاذب؟ أنا لا يهمني الصدق والكذب. كل ما أفكر فيه، وكل ما أكتبه هو حقيقي، حتى لو لم أعشه».
أسوق مثل هذه الاستشهادات للاستدلال بها على أن مسألة التخييل في نصوص أو أجناس مرجعية، مثل السيرة والسيرة الذاتية عند كُتابها قبل مُؤوليها على اختلاف توجهاتهم في النظر والفهم، كانت دائما مثار نقاش في خضم القرن العشرين، وما تزال. صحيحٌ أن اللهجة «الأخلاقية» خفتْ ووضعيات الكتابة ومفهوماتها تبدلتْ، ولكن جوهر المسألة يبقى في قلب كل تأمل نظري، ويستتبع مشكلات أبستيمولوجية تُثار أثناء ممارسة الكتابة. من النادر أن نجد مؤلفا وهو يكتب سيرته الذاتية، قد أقسم بأغلظ الأَيْمان أمام قرائه ألا يقول إلا الحقيقة، وإن كان هذا الأمر لا يقطع بالفعل مع رغبته في أن ما يحكيه عن ذاته ينبغي أن يكون حقيقيا، وأن يكون صادقا في ما يحكيه من ذكرياته الماضية التي عاشها، لكنه يكتشف أثناء كتابة هذه السيرة أو بعد أن يفرغ منها، أنه كان يُعمل فيها التخييل بوعي، أو في غفلة منه، وعلى نحو ما يقل أو يزيد، بدل أن يعيد إنتاج الحقيقة كما عاشها. فمن غير البديهي أن يحكي المؤلف عن نفسه من غير أن يعيد اكتشافها، وبالتالي يمنح لعناصر مبعثرة من مسار حياته التي لم تكتمل، بعدُ، معنى وانسجاما ضمن سيرورة الكتابة بما تمليه قوانينها من تخييل ومحو وتحويل. وإذن، رغم هذا التشبث بـ«الحقيقي» الذي يُميز السيرة الذاتية، إلا أنه لا يغلقها عليه، بل بالأحرى يُثريها ويضيف إلى حياة الفرد الداخلية أسرارا أخرى بما فيها من اعتراف، وحميمية، ورغبة في التبرير، وارتياب، ونزوع إلى الخوف والقلق مما هو آيِــلٌ إليه. ومن هنا، يوجد من كُتاب السيرة الذاتية من سعى إلى إعادة تنظيم ماضيه على ضوء ذاته الحاضرة، وثمة آخرون غيرهم أرادوا أن يرمموا ماضيهم مثلما عاشوه وروَوْهُ، بل إن معظم السير الحديثة تتقاسم ومشروع جان جاك روسو في (الاعترافات) الطموحَ الأساسي في «جعل حياة إنسانية حقيقية موضوعَ كِتاب».
إن السيرة الذاتية تتموضع بين الحقيقة التاريخية والإبداع التخييلي، وعليه يستحيل وضع أي تعريفٍ وصفي لها، أو وضع أي قيود عامة عليها إطلاقا. وإذا كانت الحقيقة السيرذاتية تكشف عن كونها وَهْما، فإن للذاكرة دورا مُهما في كتابة السيرة الذاتية، وفي الروابط الضيقة والمركبة والمتبدلة، التي غالبا ما تنبني بين الذاكرة والحياة المستعادة أثناء هذه الكتابة، أي «لن تعود الذاكرة حضنا للذكريات، بل عنصرا فعالا في تقديمها»، كما يقول عبد القادر الشاوي. فما يُسمى بــ»الوهم المرجعي» الذي تنتجه السيرة الذاتية، ينبغي أن لا يُخفي عنا حمولة التخييل المتضمنة فيه، إذ لا يمكن للمؤلف أن يأخذ بالاعتبار حياته كما جرت، ولا يمكنه أن يقول كل الحقيقة عن نفسه بكيفية واعية. إنه بالأحرى يصنع منها حَكْيا، بمعنى أنه يُكيف هذه الحياة مع الإكراهات المرتبطة بالشكل السردي، أي أنه يعيد تشييد حياته وهو يكتبها، بقدر ما يزيد فيها وينقص: «في إنجاز الكتابة – يقول فيليب لوجون – يقيم السارد نمطين من المسافة: فهو يقف في مواجهة ماضيه وفي مواجهة كتابته على حد سواء».
أثر الواقعي
بما أنها لا تُخلص للحقيقة على الدوام، هل يمكن للسيرة الذاتية ولكتابة الذات أن تخلق كَوْنا محتملا يمنحها أثر الواقعي؟
يُوضح فيليب لوجون أن الغرض من السيرة الذاتية «ليس الاحتمال البسيط، بل التشبه بالحقيقي. لا «أثر الواقعي»، بل صورة الواقع»، فهو رغم «الطابع الدوغمائي» الذي آخذوه على تعريفه للسيرة الذاتية، إلا أن لوجون أدرك في واقع الأمر أنه «ساذجٌ» من يعتقد بشفافية اللغة وإمكانيتها للإحالة على الذات المتشبعة التي توجد بالفعل خارج النص، ولقول الحقيقة عن مثل هذا الذات، أو من يعتقد بأن استعمال ضمير المتكلم يدل على كائن مستقل ومفرد. وفي هذا السياق، يستشهد برولان بارث، الذي أثبت أنه «في مجال الذات ليس ثمة من مرجع». إن نصوص النوع السيرذاتي تشتغل مثلما يشتغل «الواقع» مع كل ما يستتبعه الأمر من تركيب والتباس، وحتى التاريخ نفسه يكمن في استنطاق الماضي حاضرا. فالاثنان معا ـ الواقع والتاريخ – يطالبان بقول الحقيقة في ما يخص الوقائع الماضية المسرودة. لكن المؤلفين يكتبون الـ(أنا) في علاقتها بعالم الكتابة، وليس بشيء آخر مفروض مسبقا. عندما يكتبون، يوقفون الحاضر ويتحركون في اتجاه الماضي. يظهر زمن الكتابة كأنه زمنٌ عالقٌ قد يتمددُ في كل سطر، يتقلصُ أو ينحرف. وهذا الانزياح بين زمن الماضي وزمن الحاضر يمحي عبر آثار الذاتية السردية، بحيث سيكون من السخف أن يتطابق الزمن الواقعي مع زمن السيرة الذاتية، وأن يُطْلب من كاتب السيرة الذاتية أن يقول كل شيء. فالتغير أو النسيان يسمح لكاتب سيرته الذاتية أن يعتبر الحياة بطريقة مختلفة، كما لو كان قد اغتنى بمرور السنوات الماضية وفي طيها خلاصات التجارب وعِبَر الأيام الخوالي، وبالتالي صار يمتلك منظورا مختلفا عن الواقعة نفسها. إنه يُحول أطوار حياته انطلاقا من ذاتيته الخاصة. يقول جون فيليب ميرو: «كتابة السيرة الذاتية تصير بمثابة العمل الذي يُحول الواقع».
هذا التحويل يمر عبر تمرين قاسٍ، لكن لا بد أن يصل بين ضفتين على نحو ما يُشبه «جِسْرا» يسمح لسارد السيرة الذاتية، رغم المسافة الزمنية، بأن يسترد الحياة بالكثافة نفسها والمشاعر التي ما زال يُحس بها. أما الصدق الذي يستتبعه الميثاق السيرذاتي، فإنه يجعل أي سمة بلاغية مفرطة أمرا مشبوها أو مشتبها فيه: يبحث السارد في الغالب خلق انطباع بما هو «طبيعي»، وبناء الحكي الذي تواصله تعرجات الذاكرة بغير مزيد من القيود عليها، وهكذا ستكون الطبيعة التي لا يمكن التنبؤ بها للذاكرة هي العلامة الرئيسية للكتابة السيرذاتية. إن سرد الذاكرة لا يصف أو يستعيد المواد العالقة بها كما هي، بل يعيد تشخيصها لغويا لدواعٍ فنية وأخرى ترتبط بعلل الذاكرة نفسها؛ وثمة تفصيلة قد تلخص ما نحن بصدده، يذكرها المترجم الياباني نوتاهارا، الذي وجد أن الصهريج في «الخبز الحافي» أجمل من حاله في الواقع الذي عاينه في طنجة، ورد عليه محمد شكري: «إن هذا الصهريج انطبع في ذهن طفولتي جميلا، فلا بد لي من أن أستعيده بالانطباع نفسه حتى لو كان بركة من الوحل، ثم إنني كنت بعيدا عنه زمنيا ومكانيا عندما وصفته».
إن «استحالة» السيرة الذاتية؛ أي استحالة تطابقها مع المرجعي بشكل كلي أو شبه كلي، هو ما يمنح «أثر الواقعي» شحنة أكثر رفعة في سياق الكتابة، ثم متى كان «الوهم السيرذاتي» التي تتذرع به الأيديولوجيا المضادة، عائقا «أخلاقيا» يصد الأدباء والمفكرين وفئات من مجتمع المعرفة، عن أن يكتبوا قصص حياتهم، وأن يقتسموها مع قرائهم على سبيل الاعتبار وتوسل العزاء الأنطولوجي. فالاستحالة التي يمثلها الالتزام بالحقيقة والوفاء للمرجع تجعل من ممارسات التخييل واقعا جديدا يفرض نفسه، بل ينازع واقع «الميثاق السيرذاتي» نفسه، وهو ما أثبته فيليب لوجون بقوله:» إذا عرفنا معنى الكتابة، فإن فكرة الميثاق السيرذاتي تبدو وهما، ويا لسوء حظ القارئ الساذج الذي يؤمن به. فإن الكتابة عن الذات هي ابتكار لها بشكل لا راد له».
ابتكار الهوية
يعود كاتب السيرة الذاتية إلى ماضيه، ويحرر بشكل استرجاعي ما به يتم المعنى ويخلق الانسجام الذي لا يتضمنه الحاضر، وبالتالي يدرك الهويةَ كموضوع مفقود ينبغي اكتشافه مرة أخرى، فيسعى إلى بناء «هوية نصية» موازية لتجربة حياته الفردية في الوجود. إنه يرفع الحجاب عن روايته لحياته دون أن ينخدع بالحقيقة. وبالقدر ذاته، تكشف العودة إلى الذات والتطابق معها عن كونها محضَ وَهْمٍ ومشكوكا فيها. والفرق بين السيرة الذاتية والسيرة كالفرق الجاري بين الهوية والغيرية: تبحث الأولى وحدة الذات، بينما تبني الثانية غرابة الآخر. وهما لا تتعارضان كما يوحي بذلك الظاهر، فليس من الممكن التفكير في الواحدة دون الأخرى، والمغامرة السيرذاتية لا تتحقق إلا من خلال الجهود التي تبذلها الذات للتماهي مع الآخر، ولكن لن تصير آخر «غيرها». وفي العبور من السيرة الذاتية إلى التخييل الذاتي، تأخذ مسألة الهوية تأويلا آخر: لن تعود الهُوية (التطابق) مُعْطى ثابتا، بل سوف تصبح سيرورة ضدية تنجم عنها هُويات متعددة. ففيما تبحث السيرة الذاتية بشكل استرجاعي عن هوية موحدة، يخترع مؤلف التخييل الذاتي ذوات ممكنة: يتوجه كاتب السيرة الذاتية، وهو يبحث عن وضوح الهوية الدائمة، نحو ماضيه ويربطه بالأحداث، وقد يعيد خلقه عند الاقتضاء. وأما مؤلف التخييل الذاتي فهو يجرب أكثر من حاضر وأكثر من مستقبل ممكن. يعيد الأول قراءة ذاته، فيما الثاني يبتكرها. ورُبما تَوجه التخييل الذاتي إلى المستقبل أكثر منه إلى الماضي. يقول سيرج دوبروفسكي: «ما يُميز السيرة الذاتية أساسا، من خلال معارضتها بالتخييل الذاتي، هو أن الأمر يتعلق بنوع يُكتب دائما في الماضي. فالإنسان يحاول في نهاية حياته أن يستعيد، أو يفهم، أو يتصل، أو يُطور الكلية حتى لحظة الكتابة، بينما أحد مظاهر التخييل الذاتي أنه يحيا في الحاضر». وإذا كانت السيرة الذاتية تقترح رؤية منسجمة لماضيها، فإن التخييل يتوجه نحو اختراع صور الذات الممكنة واختبارها. في كلتا الحالتين، بالنسبة إلى المؤلف كما للقارئ، يصير النص الذي يقترح هُويات مفترضة بمثابة الفضاء الحقيقي للبناء الهُوياتي: القراءة كما الكتابة تنتميان إلى الحياة الحقيقية، والموضوع الأساسي بالنسبة إلى بعضهما الآخر ليس الحقيقة، وإنما المعنى.
فالبناء السردي للهوية ليس له بعد نفسي وخلقي وآخر اجتماعي، بل له كذلك بعد تخييلي؛ فلا يُعنى بما تم عيشه ومعاناته فحسب، وإنما ما تبقى ـ وما أكثره – ضمن المنسي والمكبوت والمحلوم به، الذي لم يتحقق لعوامل مفترضة، فيلجأ كاتب السيرة -على اختلاف تسمياتها، بما في ذلك السيرة الشعرية – إلى استثمار معطياته نصيا داخل النسيج النصي لهوية الأنا وهوية الكتابة، بما تنطوي عليه من تهويمات وإسقاطات وأحلام يقظة وغير ذلك، مما يُشكل العوالم الرمزية والممكنة لأفعالنا وعقولنا ومُخيلاتنا. ويتجاوب هذا النزوع التخييلي للكتابة الذاتية مع بنى هُويتها السردية التي تسعى على الدوام إلى شكل ما من التكامل السردي الذي يعطي لمفاهيم الحياة وأحداث المعيش اليومي معانيَ لم تكن تمتلكها وقت حدوثها، وتعطي لطريقة سردها طابعا أكثر اتساقا وانسجاما، حتى إن كانت في جزء كبير منها متشذرة ومُفككة. ومن هنا، تحضر هذه الكتابة بوصفها وسيطا تخييليا لتحقيق المفارقة بين ذات «المرجع الواقعي» وذات «الموضوع المحكي»؛ أي بين ذات المؤلف كما هي في الواقع وذاته المتأملة في التخييل، فتتخلى الذات عن مرجعيتها الواقعية، وعن وضعها المرجعي إلى حد أن يصبح المرجع نفسه إشكاليا داخل النص حين تتجاوزه الذات، وكأن أنا المؤلف يريد أن يثبت أن حياته شيئا آخر غير الذي عاشه.
في حقبة ما بعد الحداثة التي ازدهر فيها «تخييل الذات» بحسب اصطلاح فانسان كولونا، ازدادت مشكلات السيرة الذاتية من حيث الدرجة والنوع تعقيدا، ليس لأن التخييل الذاتي تجاوزها؛ فمن الحمق ادعاء ذلك، بل كثرت التمايزات والالتباسات ودخلت المقارنات ذات الطبيعة الأجناسية على الخط، بالنظر إلى ثراء الكتابات الذاتية وتدفقها؛ كأن «الأنا» كانت تتحين السانحة المواتية لتخرج من قمقمها وتفض عن نفسها، وعن جسدها كذلك، مجموع الرقابات التي مورست عليها. وفي سياق هذا التحليل، يمكن أن نتحدث عن «أزمة» بالمعنى الذي يعيد التفكير في «متخيل» هذه الكتابات بقدر ترتيب العلاقات بينها ضمن المسافة الضرورية، بين ما عاشه الشخص، وما تخيله، بين جنس مرجعي على نحو ما، وجنس تخييلي على نحو آخر، أكثر ما يكون هذا الحديث الذي لا طائل منه عن «لعبة ألغاز»، أو عن «رعب» يصادر الذوات ويُخلي مسؤوليتها من أي عقد.
كاتب مغربي