عندما انقلب ‘السيسي’ على الرئيس المنتخب في مصر، ارتفعت أصوات كثيرة في مختلف أنحاء العالم العربي تعترض على هذا الانقلاب، وكان الموقف العربي واضحا ومرتكزا على عدم الرغبة في العودة إلى دوامة الانقلابات العسكرية التي سيطرت على هذا العالم على مدى ستة عقود، ومع ذلك كان الكثيرون ينظرون إلى الأمر من زاوية أخرى يرون من خلالها أن الانقلاب العسكري في مصر كان مجرد حركة تصحيح تعود بعدها الحياة إلى طبيعتها الأولى، وهكذا ظل الناس ينتظرون ما ستسفر عنه هذه الحركة الانقلابية، وأخيرا أعلن ‘السيسي ‘ أنه قرر التنازل عن رتبه العسكرية متبعا ذلك برغبته في الترشح لرئاسة مصر، ويعني ما ذهب إليه ‘السيسي’ أن التنازل كان إجراء شكليا لأن انتخاب الرجل رئيسا يجعله يعود من جديد للتحكم في مقدرات الجيش المصري، وهكذا أظهر ‘السيسي’ من خلال ما ذهب إليه وكأن كل ما تنتظره مصر في الوقت الحاضر هو انتخاب رئيس، وإذا كان الأمر كذلك فمن الذي ينافس هذا الرئيس على المنصب، وما فرص المنافسين في الفوز إذا كان المنافس الوحيد هو ‘حمدين صباحي’ الذي كان قد أيد الانقلاب من قبل وبالتالي هو لن يعارض فوز ‘السيسي’ رئيسا لمصر ؟
وهنا يبقى السؤال الذي أثرناه من قبل قائما، ويتركز حول هل كل ما تحتاج إليه مصر في الوقت الحاضر هو رئيس يدير أمورها ؟ وإذ كان الأمر كذلك فما هو النظام الذي سيعمل من خلاله هذا الرئيس ؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر العالم العربي كله الإجابة عليه، بكون مصر تحتل مكانة خاصة في العالم العربي، ولا شك أن إحداث تغيير أساسي في نظام حكمها سيتطلع إليه هذا العالم باهتمام، ولكن الحقيقة التي يدركها الجميع في هذه المرحلة هي أن العالم العربي يعمل الآن في ظل غياب كامل لتصور صحيح لكيفية بناء الدولة، وذلك ما سيجعلنا نميز بين مجموعة من الأنظمة التي عرفها العالم العربي أو سمع عنها لنتبين كيف يمكن أن يحدث منها الانتقال إلى نظام الدولة الحديثة.
وفي ضوء ما ذكرناه نتوقف أولا عند الأنظمة العسكرية التي شغلت مساحة واسعة من التاريخ العربي الحديث، في مصر وسوريا وليبيا والجزائر والسودان، ويعلن العسكر عادة في أول أمرهم أنهم يريدون إحداث ثورات تغير طبيعة المجتمعات العربية، وحين تظهر بوادر الفشل وعدم قدرة هذه النظم على تحقيق شعاراتها المعلنة فإنها تشدد قبضتها الأمنية ويصبح بالتالي كل من يرفع صوته بالنقد خائنا يستحق العقوبة التي قد تصل في بعض الأحيان إلى الإعدام، وهناك من جانب آخر النظم الطائفية والقبلية التي لا تفكر في المنجزات بل تفكر فقط في قبضة الطائفة أو القبيلة على السلطة لتأكيد نفوذها، ويقابل هذين النظامين نظام الدولة الحديثة الذي يختلف في شكله كما هو الحال في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا.
وعلى الرغم من اختلاف هذه النظم في الشكل فهي تتفق في الأهداف؟
ونستطيع أن نرى أن نظام الدولة الحديث يؤسس نفسه على مجموعة من الركائز هي التشريع والتنفيذ والقضاء ووسائل الإعلام، وهذه الأسس الأربعة هي التي يقوم عليها نظام الدولة الحديث، وبالطبع فإن كثيرا من النظم التي لا تتبع جوهر هذا النظام تأخذ بالمظاهر الشكلية لنظام الدولة الحديث وتدعي بعد ذلك أنها دول ديمقراطية.
ونلاحظ في نظام الدولة الحديث أن التركيز يكون عادة في خدمة مصالح الشعب، وبالتالي فإن المواطنين ينتخبون هيئة تشريعية على غير أساس قبلي أو طائفي بل على أساس حزبي، ولا يعني الانحياز إلى الحزب ضربا من الطائفية لأن المواطنين يغيرون مواقفهم من الأحزاب بحسب البرامج المعلنة، ويكون التشريع في هذه الحالة لخدمة المصالح الحقيقية للمواطنين وليس لخدمة فئة حاكمة، كذلك فإن اختيار السلطة التنفيذية المتمثلة في الحكومة والمؤسسات الأخرى يستهدف خدمة المواطن، وإذا ما ارتكب أي مسؤول تنفيذي خطأ يحاسب بحسب نوع الخطأ الذي ارتكبه، وأما وسائل الإعلام فتكون هي الرقيب على كل ما يجري في الدولة وتكشفه بحرية كاملة دون أن تتعرض لضغوط من أي سلطة من سلطات الدولة.
وإذا عدنا إلى الموقف في مصر وجدنا أنه منذ سقوط الملكية في عام 1952 تلاشت كل الآمال في إقامة نظام دولة حديث، إذ أن مصر خضعت للنظم العسكرية التي تفتقر إلى الرؤية الحديثة التي أسسها محمد علي باشا، ذلك أن أول ما فكر فيه محمد علي باشا هو إدخال مصر إلى عصر الحداثة من جهة، وتأمين وجودها الاستراتيجي من جهة أخرى، ونلاحظ في ضوء ذلك أن محمد علي باشا بدأ بإدخال مظاهر الحداثة الأوروبية إلى مصر، وذلك ما جعل الدول العربية تتطلع إليها بكونها النموذج الذي يحتذى في المنطقة في هذا المجال، وأما في ما يخص الرؤية الإستراتيجية فقد أدرك محمد علي باشا أن مصر هي هبة النيل، وبالتالي فقد كان يرى أن التلاحم بين مصر والسودان هو الأساس الذي ينبغي أن تنظر إليه مصر، وإذا كان محمد علي لم يحقق وحدة وادي النيل بالطريقة المثلى فإن هذه الفكرة بدأت تحتل مركزا أساسيا في السياسة السودانية، وكانت الفكرة في أساسها تقوم على أن النظام في مصر مرتبط بالنظام في السودان، وبالتالي فإن أي تغيير سياسي في مصر يجب أن يراعي الموقف السوداني، وكذلك فإن التغيير في السودان يجب أن يراعي كل ما هو قائم في مصر بكون مصلحة البلدين متداخلة، كما وضح الآن عندما أعلنت إثيوبيا إنشاء سد النهضة من جانب واحد، ونظرا لعدم وجود التنسيق بين مصر والسودان على النحو الذي ذكرناه رأينا كيف أن السودان بادر إلى تأييد إنشاء السد الذي يضر بمصالح مصر ويضر بمصالح السودان أيضا.
ولا نريد في الوقت الحاضر من نظام ‘السيسي’ أن ينظر فقط إلى مثل هذه المسائل بل يجب أن ينظر النظام إلى أن ما تحتاج إليه مصر في الوقت الحاضر هو التحول من حكم العسكر إلى نظام الدولة الحديثة على النحو الذي ذكرناه من قبل.
ولا نريد أن نحصر حديثنا فقط في العلاقة بين مصر والسودان بل نريد أن نؤكد أن ما تحتاج إليه الدول العربية في الوقت الحاضر هو تطبيق نظام الدولة الحديثة، الذي لو طبق في بلد كسوريا لوفر على البلاد نزف الدماء الذي أدى إلى عشرات الألوف من الضحايا بسبب الاعتقاد أن ما يحتاج إليه الوطن هو حكم طائفي وليس حكما يقوم على نظام الدولة الحديثة.
ولا يبدو أن دول العالم بدأت تعمل في هذا الاتجاه بالنسبة للعالم العربي خاصة بعد أن رفعت معظم هذه الدول يدها عن التدخل المباشر، كما هو ملاحظ في القضية السورية التي لم تعد تحرك الوجدان الغربي من أجل التدخل لوضع حد لهذه المأساة التي يعيشها الشعب في سوريا، وهذا هو الوضع في السودان، حيث انتهت الحرب المدمرة بانفصال جنوب البلاد، وهي تتواصل الآن في إقليم دارفور دون رؤية ضوء في آخر النفق، ذلك أن الحكومة لا ترى في ما يجري في دارفور أكثر من حركة تمرد، بينما يرى المقاتلون أن لهم مطالب مشروعة دون أن تتوافق هذه المطالب مع رؤية الدولة الموحدة التي يقوم عليها الكيان السوداني
وجل ما نرمي إليه الآن هو أن نؤكد أن العالم العربي يحتاج إلى وقفة تأمل يرى فيها واقعه ويبدأ من هذه الرؤية منطلق التغيير وفق أسس الدولة الحديثة التي بيناها من قبل، وبدون ذلك سيتواصل سفك الدماء وهدرها دون مبرر معقول أو عائد منطقي.
‘ كاتب من السودان