السيكوباثي يكتسح… والسبب «إضاءة الغاز»!

الوقوع تحت ضغط نفسي أشد وطأة من العذاب الجسدي؛ فمن يتم تعذيبه جسديا يعلم تماما سبب وقوعه تحت طائلة التعذيب، ويكون واثقا أن لدائرة عذابه ـ التي قد تكون مفرغة ـ نهاية ولو بعد حين؛ إما لأنه مظلوم، أو لأن ظالميه سيأتي عليهم وقت يسأمون فيه من تعذيبه. وفي كل الأحوال، للعذاب الجسدي نهاية. أما العذاب النفسي فلا نهاية له، ولا يمكن علاجه بسهولة، أو لربما على الإطلاق.
وأكثر ما يثير الحفيظة الشعور بعدم الارتياح في ظل بعض الأشخاص، الذين لربما بسبب ما يظهرونه من طيبة زائدة، أو اهتمام خاص بشخصك شعور بالضجر، وليس الإحساس بمدى المحبة والموالاة. وقد يُسْتَثَار الشعور نفسه، إزاء هؤلاء الذين يظهرون العداء في صور يصورون الإبداع فيها، لدرجة قد تصل لحد عدم القدرة على التكهن بما قد يخبئونه من شرور في المرات التالية. فإذا شعرت بذلك، فأنت بلا شك قد وقعت فريسة لشخص سيكوباثي يعلم جيدا كيفية التلاعب بضحاياه، بحيث يقترف جرائمه النفسية أو المادية، دون أن يدري أحد، حتى لو كان الضحية. ومن المؤسف أن الحظ حليف للسيكوباثي، وقد يلازمه حتى النهاية. لكن المحزن حقا، أن السيكوباثي في أغلب الأحيان، مُحاط ببطانة سميكة ممن هم على شاكلته، وكأنما قد جعلوا سر وجودهم ولذتهم في الحياة الثناء على أفعاله، ومدح شخصه الخَرِبْ لدرجة تجعل الضحية تهذي.
ومن أشهر خطط التلاعب النفسي هي حيلة «إضاءة الغاز» وهي ذاك النوع من التلاعب النفسي الموجه لفرد أو جماعة، بغرض فرض حبائل سيطرة تامة على الضحية؛ من خلال غرس بذور الشك في نفسها إزاء تصرفاتها وأفعالها، لدرجة قد تجعل الضحايا تشك في قدرتهم على تذكر الأحداث، وعلى ملاحظة ما يحيطهم من أشياء، بل ويشكون في قواهم العقلية بشكل أو بآخر. وقد عُرِفَت هذه الحيلة بذلك الاسم نسبة لمسرحية إنكليزية تحمل اسم «إضاءة الغاز» التي تحولت لفيلم «جريمة قتل في ميدان ثورنتون» Murder in Thornton Square عام 1940، ثم أنتجتها السينما الأمريكية بالاسم الأصلي «إضاءة الغاز» في فيلم إثارة نفسي عام 1944، الذي يحكي قصة زوج فاسد يحاول أن يقنع زوجته أنها تفقد قواها العقلية؛ حتى يخفي أنشطته الإجرامية. وجاءت التسمية من أن الزوج عندما كان يبحث في الشقة في الطابق العلوي على مجوهرات السيدة المقتولة، حتى يسرقها كان يضيء الشقة بلمبات الغاز، وكان يتسبب ذلك في خفوت ضوء لمبات الغاز في الشقة السفلى التي كانت تقطنها الزوجة. فما كان من الزوج إلا أن يوهمها بأن الإضاءة في الشدة نفسها، وأن ما تعتقده من خفوت درجة الإضاءة مجرد نسج خيال بحت. وللإمعان في جريمته، كان يغيير ترتيب الأشياء المتواجدة في المنزل، ويحدث أصواتا، كلما كانت تسمعها كان ينكر وجودها من الأساس.

لا تتعجب عندما يصل السيكوباثيون لأعلى المناصب، فمن يساعدونهم قد وقعوا مسبقا تحت سيطرتهم، وارتضوا العيش في كنفهم، ضحايا مهمشة لا رأي لها؛ أي بطانة فاسدة: يفعلون ما يؤمرون.

ومن الجدير بالذكر، أن فكرة الفيلم تناقلتها السينما العالمية، وكذلك السينما المصرية التي انتج فيها الفيلم تحت اسم «أين عقلي» عام 1974.

وبسبب التأثير المنقطع النظير لفكرة التلاعب النفسي الشيطانية بذلك العمل، صار مصطلح «إضاءة الغاز» Gaslight مستخدما ليس فقط في الأدب، بل أيضا في التعليقات السياسية. وقد شاع استخدام ذاك المصطلح في ستينيات القرن العشرين لوصف أي شخص يحاول أن يتلاعب نفسيا بآخر، ناهيك من محاولة علماء النفس الوصول لتفسير محدد له.
وقد وصف عالم النفس ثيودور دوربات، أن أهم خاصيتين تتصف بهما حيلة «إضاءة الغاز» هي محاولة المعتدِي، السيطرة التامة على إحساس وأفكار وأفعال الضحية، وتعمد الإساءة العاطفية لها بحذر، لكن بطريقة عدائية ومسيئة وقسرية. ثم جاءت عالمة النفس باتريشيا إيفانز، بتحديد سبع علامات حين توافرها تكون بمثابة ناقوس الخطر بالوقوع تحت تأثير حيلة «إضاءة الغاز» وهي: إخفاء معلومات عن الضحية؛ وتكييف المعلومات والمشاهدات، لتخدم وجهة نظر المعتدي؛ وتضييق الخناق على الضحية، لتقليل حجم المعلومات التي تصلها من العالم الخارجي؛ وتوجيه الشتم والإهانة، لكن في شكل نكات أو مزحة، وإذا همت ضحية بالاعتراض يتهمها بأنها صارت شديدة الحساسية. أضف لذلك، محاولة حصر نطاق الضحية في ما يتواجد لديها من مصادر، حتى لا يمكن أن يتجه بصرها للخارج وتطلب مساعدة من أحد آخر غريب ـ أي بناء عالم خاص بالضحية يصمم المعتدي أركانه؛ ومحاولة التقليل من شأن وقيمة الضحية حتى تقفد الثقة؛ وأخيرا، تحقير الضحية حتى لا يعد لديها القدرة على التفكير أو التمييز بين الصالح والطالح.
وجميع تلك الحيّل النفسية الدنيئة تستخدم بشدة يوميا سواء بين الأزواج، أو الأصدقاء، أو الأفراد، خاصة في بيئات العمل. فعلى سبيل المثال، هناك من يصرَّح بشيء ثم ينكر قوله، أو يختلق شواهد أنه فعل شيئا طيِّبا وهو لم يفعله. ولو كان الوقوع تحت طائلة «إضاءة الغاز» مقيتا بين الأفراد، ففي الحياة السياسية هو أشد وطأة. وأعظم مثال هو الحركات الاستعمارية التي جعلت الكثير من الدول المستعمَرة لا ترحب فقط بالمستعمِر، بل تجعله النبراس الذي تهتدي بنوره. فخلال الحركة الأولى لتيار «الهرولة لافريقيا» (1884-1914) عمد المستعمر الأوروبي إلى احتلال الأراضي الافريقية لاستغلال ما بها من خيرات. وحتى لا يقاومه أصحاب الأرض، ظهر لهم في بادئ الأمر في صورة شخص كريم جاء من بلاد بعيدة، قاصدا الخير لأبناء الوطن، ويحاول أن يجعلهم يلحقون بركب الحضارة الحديثة، وذلك بتغيير ملبسهم، وتعليمهم القراءة والكتابة. لكنها لم تكن لغتهم الأم، بل لغة المستعمر، التي من خلالها يمكن الاطلاع على عدد لا نهائي من المراجع والحكايات الرائعة، عن أشخاص استطاعوا شقّ طريقهم عبر الصعاب، لكنهم استطاعوا بعد تبني الفكر الحديث أن ينجحوا ويرقوا لأعلى المناصب. وبذلك ينشأ الطفل على تمجيد حضارة دخيلة، ويحتقر بلده الذي لم يستطع الرقي بنفسه. ثم تأتي اللحظة الحاسمة التي إما تنزلق فيها الضحية إلى عالم من عدم الاتزان النفسي الدائم، أو تفيق وتؤوب إلى رشدها، وتلك اللحظة هي السفر في بعثات للخارج من أجل التعلُّم؛ فمن يفقد عاداته وتقاليده وينغمس في مجتمع لا يحتفي به ندّا، فاعلم أن الوقوع في فخ «إضاءة الغاز» قد ابتلعه بلا رجعة.
فلا تتعجب عندما يصل السيكوباثيون لأعلى المناصب، فمن يساعدونهم قد وقعوا مسبقا تحت سيطرتهم، وارتضوا العيش في كنفهم، ضحايا مهمشة لا رأي لها؛ أي بطانة فاسدة: يفعلون ما يؤمرون.

كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية